ترامب بين الادعاءات والجدل قبل الانتخابات القادمة
ترامب يواجه رفضاً واسعاً رغم تكرار سلوكاته المثيرة للجدل قبل الانتخابات النصفية مع اتهامات بلا دليل، ووعود مالية مشروطة، وحظر إعلامي يثير الجدل. هل يتآلف الناخب مع هذه التصرفات؟ خَبَرَيْن تكشف التفاصيل.

ثمة فرضيةٌ شائعة في التحليل السياسي الأمريكي مفادها أنّ الناخب يتآلف مع السلوك الصادم كلما تكرّر، وأنّ ما يُثير الغضب في المرة الأولى يتحوّل، بحلول العاشرة، إلى مجرّد خبرٍ عابر لا يُغيّر شيئاً في صندوق الاقتراع. هذه الفرضية ليست جديدة: خلال ولايته الأولى، لازم دونالد ترامب سؤالان متكرّران في كل نقاشٍ عام عنه، هما "المزاج" (temperament) و"التغريدات" (tweets)، حتى بات النقاش فيهما أشبه بطقسٍ صحفي دوري لا ينتهي إلى نتيجة. ولكن هل يصمد هذا الافتراض أمام اختبارٍ حقيقي؟ الأسابيع الأخيرة، قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، تمنحنا مادةً كافية للإجابة.
اثنا عشر يوماً كثيفة
في غضون اثني عشر يوماً فقط، جمع الرئيس الأمريكي بين تهديداتٍ مرتبطة بالانتخابات، وادّعاءاتٍ بلا سند، وقيودٍ مفروضة على وصول الصحافة إلى البيت الأبيض. والمفارقة أنّ هذا التراكم يأتي في لحظةٍ بالغة الحساسية سياسياً: الجمهوريون مقبلون على انتخاباتٍ نصفية تتقرّر فيها السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ معاً، وهو رهانٌ لا يحتمل عادةً هذا الكمّ من التصريحات المثيرة للجدل.
فهل يصحّ افتراض التآلف؟ أرقام استطلاعات الرأي تقول العكس تماماً. فبحسب استطلاعٍ نشرته صحيفة واشنطن بوست، يرى 67% من الأمريكيين أنّ ترامب "لا يفكّر بعناية" في القرارات المهمة، بينما يرى 71% أنّه "ليس متزناً في مزاجه"، بحسب استطلاعٍ منفصل .وأكثر من سبعة من كل عشرة بالغين وناخبين مسجّلين يعتقدون أنّه يفتقر إلى خطةٍ واضحة بشأن إيران. هذه ليست أرقاماً هامشية، بل مؤشراتٌ على أنّ الجمهور، خلافاً للفرضية الشائعة، لا يزال يميّز ويحكم.
وعدٌ مالي بشرطٍ سياسي
من بين ما أثار الجدل مؤخراً عرضُ ترامب منح 5,000 دولار لكل مواطنٍ أمريكي بالغ إن احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم في المجلسين. الناخبون المسجّلون لم يترددوا في الحكم على هذا العرض: 66% منهم اعتبروه "غير لائق" مقابل 18% فقط رأوا فيه أمراً مقبولاً، بحسب استطلاعٍ لـإبسوس وُصف فيه العرض بأنّه مقايضةٌ سياسية مباشرة (quid pro quo).
وفي السياق نفسه، مزح ترامب يوم الأربعاء بشأن حجب مساعدات الكوارث عن ولاية كارولاينا الشمالية إن انتخبت الولاية سيناتوراً ديمقراطياً، على ما نقلت صحيفة نيوز آند أوبزرفر، قبل أن يصف تصريحه لاحقاً بأنّه كان مجرد "مزحة". لكن هذه "المزحة" لا تُقرأ بمعزلٍ عن سياقٍ أوسع: فإدارته، بحسب ما جاء في التقارير، سبق أن مارست تمييزاً ضد الولايات ذات الأغلبية الديمقراطية في ملفات متصلة بمساعدات الكوارث. حين يتكرّر النمط، يصعب اعتباره زلّة لسان.
ادّعاءاتٌ بلا دليل، ومزاعم بلا سند
الأخطر ربما في هذه الحزمة من التصريحات هو ادّعاء ترامب هذا الأسبوع أنّ محاولة اغتياله في بتلر بولاية بنسلفانيا عام 2024 كانت "مؤامرةً ديمقراطية لإخراجي من الانتخابات"، على حدّ تعبيره في منشورٍ على منصّته. المشكلة أنّ لا دليل يربط الديمقراطيين بتلك المحاولة، بل إنّ توماس كروكس، منفّذها، كان جمهورياً مسجّلاً. ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل نفسه أدلى بشهادةٍ في اليوم ذاته الذي أطلق فيه ترامب اتهامه، قال فيها إنه لا يوجد "أي دليل" على أنّ كروكس "كان يتحدث فعلياً إلى أي إنسانٍ آخر غير والديه". التزامن بين الشهادة والادّعاء يجعل من الصعب تصديق الرواية دون سندٍ إضافي، وترامب لم يقدّم أي تفصيلٍ آخر يدعم زعمه.
وقبيل الذكرى الخامسة والعشرين لأحداث 11 سبتمبر، روى ترامب قصةً عن رجال إطفاءٍ حملوه بعيداً عن موقع غراوند زيرو، وهي روايةٌ وصفها الصحفي دانيال دايل بأنها غير مؤكدة ومضلّلة، بل ربما مبالغٌ فيها. وفي سياقٍ آخر، شكّك ترامب يوم الثلاثاء في نوايا قضاة المحكمة العليا الذين رشّحهم هو نفسه، قائلاً إنهم "ليسوا الأشخاص الذين قابلتُهم" وإنهم "ما هم إلا صدىً لذواتهم الأصلية". كما وصف المخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي بأنها "خدعة" (hoax)، وأثنى على احتمال إعادة توحيد إيرلندا، في خروجٍ عن بروتوكولٍ دبلوماسي أمريكي راسخ منذ عقود.
حين تُغلق الأبواب في وجه الصحافة
لكنّ أكثر ما استرعى انتباه المتابعين للشأن الأمريكي هو القيود المفروضة على وصول وسائل الإعلام. فقد أعلن ترامب يوم الجمعة "حظر" (banning) شبكات MS NOW وموقع Politico من الوصول إلى البيت الأبيض، على أن يكون القرار "ساري المفعول فوراً" (effective immediately). وبالفعل، مُنعت صحفية صباح السبت من دخول أراضي البيت الأبيض، وصادر موظفوه بطاقة اعتمادها الصحفي. كما مُنع صحفي من Politico، وصحفي ومصوّر من MS NOW، من الوصول في اليوم ذاته. المفاجأة، بحسب ما تسرّب، طالت حتى بعض العاملين في البيت الأبيض أنفسهم، الذين لم يكونوا يتوقعون هذا المستوى من التصعيد.
تهديدٌ تجاري بحسابٍ لا يستقيم
لم يقتصر الأمر على الداخل الأمريكي. فقد هدّد ترامب يوم الأربعاء بوقف أجزاء كبيرة من التجارة الخارجية الأمريكية إن خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، مستهدفاً الدول التي تحقق معها الولايات المتحدة عجزاً تجارياً. وقال حرفياً: "إن أوقفنا التجارة مع كل دولةٍ لدينا عجزٌ تجاري معها، وهي معظم الدول، وهو أمرٌ سهلٌ جداً تنفيذه، فسنجني على الأقل 1.5 تريليون دولار سنوياً". غير أنّ هذا الحساب، كما بيّنت تحليلاتٌ منها ما نشرته وول ستريت جورنال، يفتقر إلى المنطق الاقتصادي البسيط: العجز التجاري ليس خسارةً صافية يمكن تحويلها إلى ربحٍ بمجرد وقف التبادل.
وفي واقعةٍ أقرب إلى الرمزية منها إلى السياسة، سعى ترامب للحصول على موافقةٍ قضائية لإضافة اسمه إلى مركز كينيدي للفنون في واشنطن، محذّراً من أنّ المركز قد "يذبل ويموت" دون هذا الإذن رغم أنّ الخطوة وُصفت بأنها تبدو غير قانونية أصلاً.
ما الذي ينبغي إعادة النظر فيه؟
لنمنح فرضية "التآلف مع الصدمة" حقّها كاملاً: صحيحٌ أنّ تكرار السلوك الجدلي طوال ولايةٍ أولى كاملة لم يمنع ترامب من العودة إلى البيت الأبيض، وهو ما يوحي بأنّ الناخب الأمريكي، أو جزءاً كبيراً منه على الأقل، قد بنى مناعةً معيّنة تجاه هذا النمط من الخطاب. لكنّ الأرقام التي استعرضناها67%و71% وأكثر من 70% بشأن إيران، و66% مقابل 18% بشأن عرض الـ5,000 دولار — تكشف أنّ هذه المناعة ليست مطلقة، وأنّ الحكم الجماعي على القرار والمزاج لا يزال حاضراً وواضحاً في وعي الناخبين، حتى وإن لم يُترجم بعد إلى فعلٍ انتخابي.
السؤال الحقيقي إذن ليس عمّا إذا كان الأمريكيون قد لاحظوا هذا التراكم من التهديدات والادّعاءات والقيود فالاستطلاعات تقول إنهم لاحظوه بوضوح بل عمّا إذا كانت هذه الملاحظة ستتحول إلى قرارٍ فعلي في صناديق الاقتراع حين تتقرر السيطرة على الكونغرس. والفارق بين الملاحظة والفعل هو تحديداً ما ستُجيب عنه انتخابات 2026، لا الاستطلاعات ولا التحليلات التي تسبقها.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
