وعد ترامب المالي الصادم يربك الجمهوريين والاقتصاديين
ترامب يعد بدفع 5000 دولار لكل أمريكي شرط بقاء الجمهوريين في الكونغرس لكن الاقتراح يثير ارتباكاً داخل الحزب ويهدد الاقتصاد بعجز ضخم وتضخم مرتفع دون خطة تمويل واضحة خَبَرَيْن

في مؤتمر الحزب الجمهوري للانتخابات النصفية الذي انعقد في مدينة Dallas، وقف الرئيس الأمريكي Donald Trump أمام حشدٍ من المؤيدين وأطلق وعداً لم يسبق له مثيل: خمسة آلاف دولار نقداً لكل مواطن أمريكي بالغ، شرط أن يحتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس. لم يكن الإعلان مُعدَّاً له بعناية، ولم تكن خلفه خطة تشريعية واضحة، بل جاء كما يصفه المقرّبون من البيت الأبيض أنفسهم: مفاجأةً أربكت المسؤولين قبل أن تُربك الاقتصاديين.
الوعد بسيطٌ في صياغته، لكنّ ما يختبئ خلفه أكثر تعقيداً بكثير.
خمسة آلاف دولار من أين؟
الرقم الذي يتردّد في كل تحليل اقتصادي يتناول هذا الاقتراح هو تريليون دولار وهو ما قدّره مكتب الميزانية في الكونغرس (Congressional Budget Office) كتكلفةٍ إجمالية للمشروع، أي ما يزيد على نصف إجمالي الإنفاق التقديري الأمريكي في السنة المالية 2025. وحين سُئل Trump عن مصدر التمويل، أشار إلى عائدات الرسوم الجمركية على البضائع الأجنبية، لكنّ مؤسسة Tax Foundation، وهي مركز بحثي يميل إلى اليمين، قدّرت أنّ تلك الرسوم لن تغطّي سوى نحو 10% من تكلفة الاقتراح بحلول عام 2027.
البيت الأبيض أصدر وثيقةً رسمية تصف المقترح بأنّه خطوةٌ تاريخية، إذ جاء فيها: "القيادة ذاتها التي حطّمت الحدود القديمة لما اعتقدت واشنطن أنّه ممكن، مستعدّةٌ الآن لوضع 5,000 دولار مباشرةً في جيوب الأمريكيين". غير أنّ الوثيقة نفسها خلت من أي تفاصيل تتعلق بآليات التمويل أو التنفيذ.
المفارقة أنّ هذا ليس المرة الأولى التي يطرح فيها Trump وعوداً مالية مباشرة للأمريكيين. في عام 2020، وفي خضمّ جائحة كوفيد-19، وقّع على جولتَين من شيكات الدعم بقيمة 1,200 دولار لكل مواطن. وفي عام 2022، طرح فكرة "أرباح DOGE" بقيمة 5,000 دولار مموّلةً من تقليص القوى العاملة الفيدرالية ولم تُنفَّذ. وفي مطلع 2023، اقترح شيكات بقيمة 2,000 دولار مموّلةً بالرسوم الجمركية ولم تُنفَّذ هي الأخرى.
ارتباكٌ داخل البيت الجمهوري
ما يلفت النظر في هذا الإعلان ليس حجمه المالي فحسب، بل الطريقة التي خرج بها إلى العلن. وفقاً لمصادر متعددة، لم يناقش Trump الفكرة إلا مع دائرةٍ ضيّقة من المستشارين قبل الإعلان عنها، ما أوقع كثيراً من مسؤولي الإدارة والمشرّعين الجمهوريين في حيرة تامّة. وقد عبّر Stephen Moore، المستشار الاقتصادي الخارجي لـ Trump، عن ذلك بصراحةٍ حين قال: "إنّه لغزٌ يحاول الجميع سبر أغواره، من أين جاءت هذه الفكرة أصلاً".
وأضاف Moore في تقييمه للمقترح: "هذا ليس اقتراحاً للنمو الاقتصادي. بهذا المبلغ يمكنك خفض ضريبة الرواتب بنقطةٍ أو نقطتَين، أو خفض ضريبة الدخل بنقطتَين أو ثلاث نقاط. ذلك ما سيوفّر حافزاً اقتصادياً حقيقياً".
القيادة الجمهورية في الكونغرس لم تكن على علمٍ مسبق بالاقتراح، وهو ما يُعقّد مساره التشريعي بصورةٍ جوهرية، إذ يحتاج إلى تشريعٍ من الكونغرس لتفعيله. وقد أدلى Trump بتصريحاتٍ متضاربة حول ما إذا كانت موافقة الكونغرس ضرورية أصلاً. السيناتور Bernie Moreno من ولاية Ohio كان من القلائل الذين تحمّسوا للفكرة، وتعهّد بصياغة تشريعٍ بشأنها قبل نوفمبر، لكنّ ذلك يبقى مبادرةً فردية لا موقفاً حزبياً.
الانتقادات لم تأتِ من الديمقراطيين وحدهم. Joe Lonsdale، المانح الجمهوري المقرّب من Donald Trump Jr.، كتب بوضوح: "للتسجيل، أنا مع الفوز بالانتخابات النصفية بشدّة، وأُحبّ الكثير في هذه الإدارة، لكنّني ضدّ رشاوى الخبز والسيرك بشدّة". أما Newt Gingrich، الرئيس السابق لمجلس النواب عن الجمهوريين، فحذّر من أنّ "الخطر الذي يواجهه هو أنّ الطريقة التي طُرح بها ستجعله يبدو كمجرّد حيلة".
حسابٌ لا يستقيم
بعيداً عن السياسة، يقف الاقتصاديون أمام أرقامٍ تثير قلقاً حقيقياً. الدين الفيدرالي الأمريكي تجاوز 40 تريليون دولار في منتصف أغسطس 2023. العجز في الميزانية الفيدرالية يُتوقَّع أن يبلغ نحو 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2027. وفي هذا السياق، يأتي اقتراحٌ بإنفاق تريليون دولار إضافي دون مصدر تمويل واضح.
Erica York، كبيرة الاقتصاديين في Tax Foundation، لم تتردّد في تسمية المخاطر بدقّة: "دفعة أرباح ممولّة بالعجز بهذا الحجم ستُرسل إشارةً للأسواق بأنّ الولايات المتحدة لا تأخذ وضعها المالي بجدّية. ستُخاطر برفع أسعار الفائدة، وستُضيف ضغوطاً تضخّمية، وستُفاقم المشكلات ذاتها التي يدّعي الاقتراح حلّها".
وذهبت Maya MacGuineas، رئيسة لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة (Committee for a Responsible Federal Budget)، إلى أبعد من ذلك، واصفةً المقترح بأنّه "مخططٌ سياسي نصف مطبوخ سيُفاقم الأمور يُفجّر العجز، ويُشعل التضخّم، ويرفع تكاليف الاقتراض في الاقتصاد بأسره".
وعلى أرض الواقع، تعيش الأسر الأمريكية ضغوطاً حقيقية: أسعار النفط ارتفعت فوق 100 دولار للبرميل خلال أسبوع المؤتمر الجمهوري، وبلغ متوسط سعر الديزل 5.98 دولار للغالون. في هذا المناخ، يبدو الوعد بخمسة آلاف دولار مغرياً لشريحةٍ واسعة من الناخبين لكنّه يبدو لآخرين مجرّد وعدٍ انتخابي.
Wilma May، صاحبة عملٍ صغير في Arlington، عبّرت عن موقفٍ يجمع بين الشكّ والبراغماتية: "لستُ مع العطايا المجانية. أُفضّل أن يُوجَّه هذا المبلغ لسداد العجز".
رهانٌ على مجهول
يرتكز الوعد برمّته على افتراضٍ سياسي كبير: أن يحتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية. وهو رهانٌ يتعارض مع استطلاعات الرأي والسوابق التاريخية التي تُشير عادةً إلى خسارة الحزب الحاكم مقاعد في الانتخابات النصفية.
المتحدث باسم البيت الأبيض Davis Ingle ردّ على المنتقدين بقوله: "المشكّكون والمتشائمون شكّكوا في الرئيس Trump باستمرار. بدعم الشعب الأمريكي المستمر، سيواصل الرئيس Trump تحقيق نتائج حقيقية".
لكنّ السؤال الذي يطرحه الاقتصاديون والمشرّعون على حدٍّ سواء يبقى معلّقاً: هل يكفي الوعد وحده، في غياب خطة تمويل قابلة للتطبيق وموافقة تشريعية فعلية، لتحويل تريليون دولار من شعارٍ انتخابي إلى سياسة عامة؟ التاريخ القريب لـ Trump مع وعود الشيكات المماثلة من أرباح DOGE إلى الشيكات المموّلة بالرسوم الجمركية يُلقي بظلاله الثقيلة على هذا السؤال.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
