تورنتو مدينة الذكاء الاصطناعي وجذب المواهب العالمية
كيف تحولت تورنتو من مدينة كندية عادية إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي بفضل رؤية Geoffrey Hinton واستثمارات ضخمة في البحث والتعليم وبيئة تجمع بين المواهب والتكنولوجيا والثقافة المتنوعة تابع القصة كاملة على خَبَرَيْن

حين قرّر Geoffrey Hinton في ثمانينيات القرن الماضي أن يترك Carnegie Mellon ليحطّ رحاله في جامعة تورنتو، لم يكن أحدٌ يتوقّع أن هذا القرار الأكاديمي الهادئ سيُعيد رسم خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية. اليوم، تحتلّ تورنتو المرتبة الثالثة عالمياً في سوق المواهب التقنية وفق تحليل CBRE، متجاوزةً نيويورك، ولا تتقدّمها سوى سان فرانسيسكو وسياتل. لكنّ الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة.
من مختبر جامعي إلى مركز عالمي
ما الذي جعل تورنتو وجهةً للذكاء الاصطناعي بدلاً من أن تبقى مجرّد مدينةٍ كندية باردة؟ الجواب يبدأ بشخصٍ واحد وقرارٍ واحد. حين انتقل Hinton إلى جامعة تورنتو، كان يبحث في تعلّم الآلة (Machine Learning) في وقتٍ كان فيه هذا المجال شبه مهجور. يقول الرجل الحاصل على جائزة نوبل: "كنتُ محظوظاً لأنّ عدداً قليلاً جداً من الناس كانوا يعملون في هذا المجال قبل عشرين عاماً، فكان الطلاب الموهوبون يأتون إلى تورنتو... وقد تحوّلوا الآن إلى جيلٍ كامل من قادة الذكاء الاصطناعي".
هذا الجيل هو ما تراه اليوم في كلّ زاوية من زوايا المدينة. Nick Frosst، الخرّيج من جامعة تورنتو، التحق عام 2017 بمختبر Google للذكاء الاصطناعي في المدينة، ثمّ أسّس لاحقاً شركة Cohere التي تُقدَّر قيمتها اليوم بـ 7 مليارات دولار. Gennady Pekhimenko أسّس شركته الناشئة CentML في تورنتو، قبل أن تستحوذ عليها Nvidia عام 2025، ليصبح مديراً أوّل لبرمجيات الذكاء الاصطناعي فيها. و Raquel Urtasun تقود Waabi، شركة الشاحنات ذاتية القيادة التي جمعت في 2026 ما يزيد على مليار دولار في جولة تمويل من الفئة C، وهو الأكبر في تاريخ كندا.
ما الذي يجذب العمالق التقنية إلى تورنتو؟
Google وNvidia و Meta و Microsoft، كلّها فتحت مكاتب أو مختبرات في تورنتو بالقرب من الجامعة. هذا ليس مصادفةً، بل هو نتيجة منظومةٍ متكاملة بنيت على مدى عقود. معهد Vector Institute، الذي شارك Hinton في تأسيسه، يعمل على تحويل الأبحاث الأكاديمية إلى تطبيقاتٍ تجارية قابلة للتوسّع. وفي قطاع الرعاية الصحية، أسّس Tomi Poutanen شركة Signal 1 المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي الطبّي.
لكنّ ما يميّز تورنتو ليس فقط الشركات الكبرى. يصف Frosst المدينة بأنّها "منظومةٌ متكاملة، فيها بيئةٌ تقنية رائعة، وفيها مجتمعٌ فنّي رائع، ومجتمعٌ أكاديمي رائع، ومجتمعٌ تجاري رائع. كلّ شيءٍ موجودٌ هنا". ويذهب أبعد من ذلك حين يفسّر سرّ الابتكار: "أعتقد أنّ الأمر يعود إلى كون تورنتو وكندا ليستا ثقافةً أحادية. ليس هنا عمّالٌ تقنيون فحسب، بل مزيجٌ من كلّ شيء، وأعتقد أنّ ذلك يقود إلى الابتكار، ويدفع الناس إلى التفكير فيما هو غير شائع".
الاستثمار والاستراتيجية: رهانٌ كندي على المستقبل
الحكومة الكندية لم تترك هذا النموّ للصدفة. الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي تتضمّن إنفاقاً يتجاوز 2 مليار دولار على البحث والتعليم والتبنّي وضمانات السلامة. والقطاع الرقمي الكندي يُسهم بأكثر من 140 مليار دولار في الناتج المحلّي الإجمالي، وهو رقمٌ يجعل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي رهاناً اقتصادياً لا ترفاً.
في مطلع 2026، أعلنت شركة Sanofi الدوائية عن استثمارٍ يقارب 300 مليون دولار لتوسيع مركزها للتميّز في الذكاء الاصطناعي بتورنتو. هذا النوع من الاستثمار القادم من خارج قطاع التكنولوجيا يُشير إلى أنّ تورنتو لم تعد مجرّد مركزٍ للشركات الناشئة، بل باتت وجهةً للمؤسّسات الكبرى الساعية إلى دمج الذكاء الاصطناعي في صميم أعمالها.
وتمنح تورنتو مزايا عمليةً إضافية: سياساتٌ هجرةٍ أكثر انفتاحاً مقارنةً بالولايات المتحدة تُسهّل استقطاب المواهب العالمية، وتكاليف معيشةٍ أقلّ من سان فرانسيسكو، ورعايةٌ صحية مُوحَّدة، ومدارس جيّدة. علاوةً على ذلك، تقع المدينة على بُعد رحلةٍ جوّية لا تتجاوز 90 دقيقة من أسواقٍ أمريكية كبرى تضمّ 200 مليون شخص. وتجدر الإشارة إلى أنّ سان فرانسيسكو لا تتفوّق على تورنتو في عدد العمّال التقنيين إلّا بنسبة 20% تقريباً وفق CBRE، وهي فجوةٌ أصغر ممّا يتخيّلها كثيرون.
حين تصبح التوترات التجارية فرصةً
لا يمكن فهم صعود تورنتو دون استيعاب السياق الجيوسياسي. التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا دفعت الأخيرة إلى حماية صناعاتها وتنويع مصادر تقنيتها. وفي يونيو 2026، فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصّة بشركة Anthropic، فارتفعت الاستفسارات الواردة إلى Cohere بشكلٍ لافت. ما بدا أزمةً تجارية تحوّل إلى إعلانٍ مجّاني عن الجدارة الكندية في هذا القطاع.
يرى Frosst في هذا التحوّل فرصةً استراتيجية: "علم كندا هو علمٌ يبني الثقة. نسعى إلى تعزيز مرونة واستقلالية كلّ من يستخدم تقنيتنا، وأعتقد أنّ كندا بوصفها دولةً تسعى إلى تحقيق الشيء ذاته لجميع شركائها". أمّا Hinton فيضع المسألة في إطارٍ أشمل: "لا أعتقد أنّنا نستطيع تحمّل أن تحصل كندا على كلّ هذه التكنولوجيا من الولايات المتحدة أو من الصين".
السؤال الذي يطرحه Hinton على الجميع
ثمّة بُعدٌ آخر لهذه القصة يتجاوز الأرقام والاستثمارات. Hinton، الذي حذّر مراراً من مخاطر الذكاء الاصطناعي، يطرح سؤالاً اقتصادياً جوهرياً: "إذا تسبّب الذكاء الاصطناعي في بطالةٍ واسعة، فسنريد أن تبقى الأرباح المتحقّقة من استبدال العمّال داخل كندا، حتى تُفرض عليها الضرائب داخل كندا لدعم العمّال المُهجَّرين".
هذا التفكير يعكس نقاشاً أعمق يدور في تورنتو حول طبيعة الذكاء الاصطناعي: ليس فقط كيف نبنيه، بل لمن نبنيه. ومن جهتها، تختصر Urtasun مؤسّسة Waabi المعادلة بوضوح: "في نهاية المطاف، ما يجذب المستثمرين هو: ما الشركة التي ستقود سوقاً ضخمة. سواءٌ كنّا في كندا أم في Silicon Valley، لم يكن ذلك مهمّاً فعلاً".
تورنتو لم تعد تتنافس على الهامش، بل باتت تضع نفسها في قلب السباق العالمي للذكاء الاصطناعي. والسؤال الذي يستحقّ المتابعة ليس إذا كانت ستحافظ على هذا الزخم، بل كيف ستُشكّل هذه المنظومة الناضجة ملامح الذكاء الاصطناعي العالمي في العقد المقبل — وما إذا كانت نماذجها في الحوكمة والتنوّع ستُصبح مرجعاً يُحتذى به خارج حدودها.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
