خَبَرَيْن logo

كيف تتحدث عن الانتحار وتنقذ حياة من حولك

الحديث عن الانتحار لا يزيد الخطر بل قد يساعد في الوقاية. تعرف على علامات التحذير وكيف تبدأ الحوار الصحيح لدعم من حولك. مقالة مهمة من خَبَرَيْن تكشف الأزمة الصامتة وتدعو لكسر الصمت بفهم وتعاطف.

امرأة تشعر بالحزن والضغط النفسي تجلس وتغطي وجهها بيدها بينما تحاول أخرى مواساتها، تعبير عن أهمية دعم الصحة النفسية والوقاية من الانتحار.
الأشخاص الذين يشاركون أفكار الانتحار يحتاجون إلى التعاطف والدعم. AntonioGuillem/iStockphoto/Getty Images
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين يُخفي أحدهم نيّته في إنهاء حياته، فإنّ آخر ما يخطر لمن حوله أن يسأله مباشرةً: "هل تفكّر في الانتحار؟". هذا التردّد نفسه، بحسب خبراء الصحة النفسية، قد يكون أخطر من السؤال نفسه. فالانتحار ما زال من أكثر الموضوعات الصحية إحاطةً بالصمت تُخفيه العائلات أحياناً حتى في نعوة الوفاة، ويتجنّب المحيطون الحديث عنه ظنّاً منهم أنّ إثارته قد "تزرع الفكرة" في ذهن شخصٍ لم يكن يفكّر فيها أصلاً. لكنّ عدداً من الدراسات العلمية تقول إنّ العكس هو الصحيح.

هل الحديث عن الانتحار يزيد الخطر فعلاً؟

هذا هو السؤال الذي يمنع كثيرين من مجرّد طرح السؤال. تشير عدّة دراسات، من بينها بحثٌ منشور ومُتاح عبر PubMed، إلى أنّ الحديث المباشر عن الانتحار لا يرفع احتمال حدوثه، بل إنّ دراساتٍ أخرى، مثل تلك المنشورة في ساينس دايركت، وجدت أنّ هذا النوع من النقاش قد يُخفّض فعلياً حدّة الأفكار الانتحارية والسلوكيات المرتبطة بها.

تقول الدكتورة كريستين موتييه، كبيرة المسؤولين الطبيّين في المؤسسة الأمريكية للوقاية من الانتحار: "غالباً ما يجد الناس سبباً للابتعاد عن الموقف بدلاً من التوجّه نحو الشخص الذي يقلقون بشأنه، وأعتقد أنّ هناك عدّة أسباب شائعة جداً لذلك". من هذه الأسباب افتراضٌ خاطئ شائع: أنّ الشخص المحاط بعائلةٍ وأصدقاء لا بدّ أن يحظى بدعمٍ كافٍ، فيما الحقيقة أنّ وجود شبكة اجتماعية لا يضمن وحده الدعم النفسي الفعلي. وهنا يظهر ما يُعرف بـ"تأثير المتفرّج" (Bystander Effect)، وهو ظاهرة يتوقّع فيها كلّ فردٍ أن يتدخّل شخصٌ آخر بدلاً منه، فينتهي الأمر بألا يتدخّل أحد وهي ظاهرة موثّقة في أبحاث نفسية عدّة، منها دراسة منشورة عبر قاعدة بيانات PMC.

أرقامٌ تكشف حجم الأزمة الصامتة

المشكلة أكبر بكثير ممّا توحي به المحادثات المتحفّظة عنها. فبحسب مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكي (CDC)، أنهى نحو 48,900 شخص حياته بالانتحار في الولايات المتحدة وحدها خلال عام 2024. أمّا على المستوى العالمي، فيموت أكثر من 720,000 شخص سنوياً بالانتحار وفق منظمة الصحة العالمية، ما يجعله السبب الثالث للوفاة بين الفئة العمرية 15 إلى 29 عاماً على مستوى العالم.

اتّجهت معدّلات الانتحار في الولايات المتحدة نحو الارتفاع عموماً بين عامَي 2000 و2018، ثمّ شهدت تذبذباً مع انخفاضٍ طفيف بعد ذلك. لكن خلف هذا الرقم النهائي يكمن طيفٌ أوسع بكثير من المعاناة غير المرئية؛ إذ يقول مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها إنّه "خلال عام 2024، فكّر ما يقدَّر بنحو 14.3 مليون بالغ بجدّية في الانتحار، وخطّط 4.6 مليون منهم لمحاولة انتحار، فيما أقدم 2.2 مليون فعلياً على المحاولة". هذه الأرقام وحدها كفيلة بتفسير سبب أهمية تعلّم كيفية التعرّف على علامات الخطر مبكراً.

علاماتٌ لا ينبغي تجاهلها

لا يوجد سببٌ واحد يدفع شخصاً إلى التفكير في إنهاء حياته، وغالباً ما تتضافر عوامل عدّة: التعرّض للإساءة أو الإهمال، المرض الشديد، فقدان الوظيفة أو الخسارة المالية، مشكلات العلاقات أو فقدانها، الصدمات النفسية، وضغوطات أخرى متراكمة.

تنقسم علامات التحذير عموماً إلى ثلاث فئات:

علامات سلوكية: تعاطي المواد أو الكحول، سلوك متهوّر غير معتاد كالقيادة بشكل خطر أو الإفراط في الشرب، الانشغال الزائد بفكرة الموت، الحصول على وسائل قد تكون قاتلة، فقدان الاهتمام بالأنشطة أو الدراسة، والاستعداد الفعلي عبر أسلحة أو أدوية أو أشياء أخرى قد تكون قاتلة، بالإضافة إلى التخلّي عن ممتلكاتٍ شخصية دون سببٍ واضح.

علامات عاطفية: تاريخٌ شخصي سابق مع أفكار انتحارية، اضطراباتٌ نفسية غير مُعالَجة، شعورٌ باليأس، تقلّبات مزاجية حادّة، وانعزالٌ اجتماعي متزايد. واللافت أنّ الهدوء المفاجئ أو الابتهاج غير المبرَّر قد يتبع اتّخاذ قرارٍ خاص بإنهاء الحياة لا العكس كما قد يُظنّ.

علامات لفظية: الشعور بأنّه "غير مرغوب فيه" أو "عبء" على من حوله، أو تصريحه بأنّه لا يجد سبباً للحياة. وحتى المزاح حول الرغبة في الموت يستحقّ أن يُتابَع بجدّية، لا أن يُصرَف بابتسامة.

كيف تبدأ الحديث دون أن تزيد الأذى؟

اللغة نفسها تصنع فارقاً. تفضَّل عباراتٌ مباشرة مثل "قتل نفسك" على تعابير مثل "الانتحار" التي قد ترسّخ الوصمة الاجتماعية بدلاً من تفكيكها.

توصي الإرشادات بأسئلة مباشرة وصادقة، من نوع: "كيف حالك بصراحة؟"، أو صياغة أكثر تحديداً تربط الملاحظة الشخصية بالسؤال: "أنا مهتمّ بك، ولاحظت أنّ مزاجك تغيّر مؤخّراً. أعرف أنّ فقدانك لعملك كان قاسياً عليك أيضاً. هل يجعلك ذلك تشعر أحياناً برغبةٍ في إنهاء حياتك؟". في المقابل، يُنصَح بتجنّب صياغاتٍ توحي بالحكم المسبق مثل: "أنت لا تفكّر بأفكار انتحارية، أليس كذلك؟" فهذه العبارة تدفع الشخص إلى الإنكار بدلاً من الإفصاح.

تشرح الدكتورة أورشولا كليتش، الأخصائية النفسية السريرية في أتلانتا، الأثر النفسي لهذه المباشرة بقولها: "حين تطرح الموضوع بشكل واقعي، وتستجيب بشكل واقعي أيضاً، فإنّ ذلك يُطبّع الأمر لدى الشخص، ويُنسنه". أمّا حين يفصح أحدهم عن معاناته، فإنّ الاستجابة المناسبة، بحسب الدكتورة موتييه، تكون بالشكر لا بالصدمة: "قل له: شكراً لثقتك بي في مشاركة هذا الأمر. أودّ أن أعرف أكثر عمّا تمرّ به وعن متى يظهر هذا الشعور". كما تقترح الإرشادات عباراتٍ تعاطفية بسيطة مثل: "أنا آسف جداً لما تمرّ به، هذا يبدو صعباً حقاً فعلاً".

القاعدة الذهبية هنا هي الإصغاء أكثر من الكلام، والسيطرة على ردود الفعل العاطفية، والتحقّق من صحّة الألم النفسي دون التصديق على الانتحار كحلّ. فوجود أفكارٍ انتحارية لا يعني بالضرورة خطراً وشيكاً لكنّه يستدعي أيضاً السؤال المباشر عن وجود خطّة فعلية، لأنّ ذلك يساعد في تحديد ما إذا كان الخطر آنياً أم لا. ويمكن أيضاً السؤال عمّا إذا كان الشخص يتابع مع مختصّ نفسي، وكيف تؤثّر هذه الأفكار على حياته اليومية، مع عرض المساعدة في التواصل مع شركة التأمين أو معالج نفسي أو مركز علاج، بل ومرافقته إلى أول موعدٍ حضوري إذا لزم الأمر.

لماذا تبقى المتابعة أهمّ من المحادثة الأولى؟

الإفصاح لمرّة واحدة لا يكفي. فحتى لو أخبرك شخصٌ أنّه لا يملك خطّة محدّدة، فهذا لا يثبت أنّ حالته تحسّنت إذ يمكن أن تتطوّر الأفكار الانتحارية السلبية إلى خطط أو محاولات فعلية مع مرور الوقت. لذلك يوصي الخبراء بالمتابعة كلّ بضعة أيام بعد أوّل إفصاح، سواء عبر رسالة نصية أو اتصال هاتفي أو لقاء شخصي، مع سؤال الشخص مباشرةً عمّا قد يشعره بالدعم أكثر. وإذا تصاعد الخطر، فإنّ التواصل اليومي أو كل يومين يصبح ضرورياً. وتنبغي اليقظة أيضاً تجاه التحسّن المزاجي المفاجئ، لأنّه قد يرافق تصاعداً في خطر الانتحار لا انحساراً فيه.

ورغم أنّ التوقّع الدقيق لخطر الانتحار يبقى صعباً حتى على الأخصائيين النفسيين أنفسهم فإن بعض المحاولات قد تقع خلال 5 إلى 15 دقيقة فقط من لحظة اتخاذ القرار، ما يجعل السرعة في التصرّف أمراً حاسماً.

متى يصبح الأمر طارئاً؟

في خضمّ محاولة فعلية، يجب على من يقدّم الدعم ألا يُعرّض نفسه للخطر، وأن يعتمد على أساليب تهدئة الموقف: خفض نبرة الصوت، الحفاظ على مسافة عن أي وسيلة قد تكون قاتلة، ومواصلة الحديث مع الشخص حتى وصول المساعدة الطبية.

الاستماع المستمرّ يستنزف أيضاً

الدعم النفسي المستمرّ لشخصٍ يمرّ بأزمة يمكن أن يترك أثراً على من يقدّمه أيضاً قلقاً، أو غضباً، أو شعوراً بالرفض. ومن هنا توصي الإرشادات بأنّ من يتولّى دور الداعم على المدى الطويل يحتاج بدوره إلى حماية صحّته النفسية، وقد تساعده جلسات علاج نفسي في تجاوز هذه المشاعر المعقّدة دون أن يشعر بالذنب. وكما تقول الدكتورة موتييه: "لا يمكنك أن تكون مسؤولاً بالكامل عن شخصٍ آخر، لكن يمكنك أن تؤمن بأننا مرتبطون". وتضيف: "ننظر إلى بعضنا البعض، ونؤثّر فعلاً في بعضنا... تلك السمات البيئية والاجتماعية المترابطة التي تُحدث فرقاً حقيقياً في الصحة النفسية، وفي بعض الحالات، في خطر الانتحار أو الوقاية منه".

وقد يبدو الأمر بسيطاً في النهاية، كما يصفه أحدهم في شهادةٍ متداولة: "لو نظر إليّ شخصٌ واحد وابتسم لي، سأتخلّى عن هذه الخطة، وأستمرّ اليوم، وأعيد التفكير غداً". فالشخص الذي يفكّر في الانتحار ليس بالضرورة حاسماً بشكلٍ نهائي؛ تقول الدكتورة موتييه إنّ "الأشخاص الذين يفكّرون بالانتحار يعيشون حالة تردّد، ويمكن التأثير فيهم نحو الأمل والبقاء على قيد الحياة، وهناك أبحاثٌ كثيرة حول ذلك".

أخبار ذات صلة

Loading...
حارس أمن كيني يرتدي كمامة وقفازات في مطار جومو كينياتا الدولي وسط إجراءات الفحص الصحي لمواجهة فيروس الإيبولا.

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

فيروس بونديبوغيو يختبر فعالية فحوص الإيبولا في مطارات كينيا وأوغندا، ما يسلط الضوء على تحديات الكشف المبكر وانتقال العدوى عبر الحدود. اكتشف المزيد الآن.
صحة
Loading...
امرأة نائمة على أريكة مغطاة ببطانية وردية تحيط بها ثلاثة أطفال صغار، تعكس تعب الأم المصابة بالتغفيق من النمط الأول.

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

هل يمكن أن تعيش مع مرض نادر مثل التغفيق لعقود دون تشخيص؟ قصة إيمي تكشف معاناة الهلوسات والنعاس المفرط التي شوهت حياتها. اكتشف التفاصيل وكيفية التعرف على هذا المرض النادر الآن!
صحة
Loading...
عائلات تسير بهدوء في شارع بمدينة إيركوتسك بسيبيريا وسط أجواء طبيعية رغم الشائعات حول وفاة تقنية مخبرية بالطاعون.

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون

توفيت داريا شيبيلوفا، التقنية المخبرية في سيبيريا، وسط غموض حول سبب الوفاة الذي لم تؤكده الجهات الصحية الروسية، مما أثار قلق السكان وانتشار شائعات الطاعون. اكتشف تفاصيل القصة كاملة وكن على اطلاع على آخر المستجدات.
صحة
Loading...
بكتيريا يرسينيا بيستيس المسببة للطاعون تحت المجهر، مع خلايا دم حمراء وبيضاء تظهر تفاصيل العدوى المحتملة في معهد إيركوتسك الروسي.

الطاعون الرئوي بالأرقام

وفاة موظفة في معهد إيركوتسك الروسي تثير قلقاً عالمياً بسبب التهاب رئوي غامض مرتبط بالطاعون. منظمة الصحة العالمية تبحث التفاصيل وتراقب الوضع بدقة. اكتشف المزيد عن هذا اللغز الصحي وتأثيره المحتمل.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية