السويد على شفا تحوّل سياسي حاسم بين اليسار واليمين
الانتخابات السويدية على صفيح ساخن بفارق ضئيل بين اليسار واليمين وسط تعقيدات تشكيل الحكومة وتوترات داخلية في المعارضة. هل تعود سياسات الرعاية والهجرة إلى سابق عهدها؟ تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

بفارقٍ لا يتجاوز ثلاثة مقاعد، وبنسبة أصواتٍ تقلّ عن نصف في المئة، تقف السويد اليوم على عتبة تحوّلٍ سياسي قد يُعيد رسم ملامح الدولة التي عُرفت عقوداً بسياسات الرعاية الاجتماعية السخيّة والانفتاح على اللاجئين، قبل أن تنقلب على هذا الإرث خلال السنوات الأربع الماضية.
أظهرت النتائج الأوّلية للانتخابات البرلمانية السويدية، التي جرت يوم الأحد ونُشرت نتائجها الأولية في وقتٍ متأخّر من الليل، أنّ تكتّل المعارضة الوسطية اليسارية يتقدّم بفارقٍ ضيّق على التكتّل اليميني الحاكم. فقد حصل التكتّل الوسطي اليساري على ما يُعادل 176 مقعداً في البرلمان المؤلّف من 349 مقعداً، في مقابل 173 مقعداً للتكتّل اليميني بقيادة رئيس الوزراء Ulf Kristersson. وبحلول صباح الاثنين، لم يكن الفارق في الأصوات بين الكتلتَين قد تجاوز 0.4%.
نتائج لم تُحسم بعد
غير أنّ المشهد لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال؛ إذ لا تزال 353 دائرة انتخابية في انتظار فرز أصواتها، فضلاً عن أصوات السويديين المقيمين في الخارج التي لن تُحتسب قبل يوم الأربعاء. وهو ما يعني أنّ الصورة النهائية قد تتبدّل، وإن كان التقدّم الراهن للمعارضة يُعطي زعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي Magdalena Andersson ثقةً حذرة في التعبير عن تفاؤلها.
وقالت Andersson في تصريحاتٍ عقب الإعلان عن النتائج الأوّلية: "إذا ظلّت هذه النتيجة صحيحة، فإنّ السويد ستحصل على حكومةٍ جديدة". وهي عبارةٌ تحمل في طيّاتها وعياً بهشاشة اللحظة وعدم اليقين الذي يكتنفها.
أمّا رئيس البرلمان Andreas Norlen، الذي يتولّى دستورياً مهمّة تكليف الشخصية الأنسب لتشكيل الحكومة، فقد أقرّ بصعوبة المرحلة القادمة، إذ صرّح: "قد تكون عملية تشكيل الحكومة معقّدةً للغاية".
لماذا يبدو التشكيل معقّداً؟
التعقيد لا يكمن فقط في ضيق الفارق الانتخابي، بل في التناقضات الداخلية داخل التكتّل الوسطي اليساري ذاته. فحزب الوسط يرفض صراحةً المشاركة في أيّ حكومةٍ يكون فيها حزب اليسار شريكاً، في حين يُصرّ حزب اليسار على أن يكون جزءاً من أيّ ائتلافٍ حاكم. هذا التقاطع المتعذّر بين حليفَين في الكتلة الواحدة قد يُطيل مفاوضات التشكيل أسابيع، بل ربّما أشهراً.
وعلى الجانب الآخر، مُني حزب Sweden Democrats اليميني المتطرّف بخسارةٍ ملموسة، إذ فقد ما يُقدَّر بـ11 مقعداً مقارنةً بأدائه السابق، في إشارةٍ إلى أنّ موجة اليمين المتطرّف التي أسهمت في دعم حكومة Kristersson قد بدأت تخبو، وإن ظلّت قوّةً لا يُستهان بها في المشهد السياسي السويدي.
ما الذي سيتغيّر في السياسات؟
إن تمكّنت Andersson من تشكيل الحكومة، فإنّها تعد بتحوّلاتٍ جوهرية في السياسة الداخلية: مزيدٌ من الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، ونظامٌ ضريبي أكثر عدالةً، وتركيزٌ أكبر على التماسك الاجتماعي. ويذهب حزبا الخضر وحزب اليسار إلى أبعد من ذلك، بالمطالبة بضرائب أعلى على الأثرياء، وهو ما يرفضه حزب الوسط الذي يعارض بشكلٍ خاصّ فرض ضريبةٍ على أصحاب المليارات.
أمّا على صعيد سياسة اللجوء والهجرة، فالملفّ الأكثر حساسيةً لدى الجمهور العربي، فإنّ المشهد يبدو أكثر تعقيداً ممّا قد توحي به فكرة "عودة اليسار". فخلال السنوات الأربع من حكم التكتّل اليميني، جرى تقليص أعداد طالبي اللجوء إلى أدنى مستوياتها منذ 40 عاماً، وأُلغي نظام الإقامة الدائمة للاجئين، وشُدِّدت قواعد الرعاية الاجتماعية. وقد كانت السويد تاريخياً من أكثر الدول الأوروبية انفتاحاً على اللاجئين، قبل أن تنقلب هذه السياسة رأساً على عقب في السنوات الأخيرة. بيد أنّ المحلّلين لا يتوقّعون عودةً إلى سياسة الباب المفتوح التي عُرفت بها السويد في الماضي، حتى في حال نجاح الوسطيين اليساريين في تشكيل الحكومة.
وفي ما يخصّ السياسة الخارجية، يُرجَّح أن تستمرّ السويد في توجّهها الداعم للغرب والمنحاز إلى أوكرانيا، بصرف النظر عن هويّة الحكومة القادمة، وهو توافقٌ نادر يتجاوز الانقسامات الحزبية في ستوكهولم.
السويد إذن تنتظر يوم الأربعاء بقلقٍ حقيقي: فأصوات المغتربين قد تُعيد خلط الأوراق، وتحديد ما إذا كانت هذه اللحظة تحوّلاً فعلياً أم مجرّد توازنٍ هشٍّ يُعيد إنتاج الجمود السياسي ذاته بوجوهٍ مختلفة.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
