ممر سوفالكي نقطة توتر أوروبا وحلف الناتو
ممر سوفالكي بين بولندا وليتوانيا يتحوّل إلى نقطة توتر استراتيجية تهدد أمن أوروبا وسط مناورات روسية وقلق الناتو. دول أوروبية تتخذ إجراءات استثنائية استعداداً لاحتمال تصعيد عسكري هجين. خَبَرَيْن يكشف التفاصيل.

عند نقطة جغرافية لا يتجاوز عرضها 65 ميلاً، بين حدود بولندا وليتوانيا، يجتمع اليوم أكثر ما يقلق العواصم الأوروبية. هذا الشريط الرفيع، المعروف باسم ممرّ سوفالكي، هو الرابط البرّي الوحيد الذي يصل دول البلطيق الثلاث ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا ببقية أراضي حلف الناتو. هذا الأسبوع بالذات، أجرت بيلاروسيا، أقرب حلفاء روسيا العسكريين، مناورات على مقربة من هذا الممرّ، في مشهدٍ لم يمرّ مرور الكرام في وارسو ولا في بروكسل. فبين خطوط الجغرافيا الباردة تختبئ اليوم واحدة من أكثر أسئلة الأمن الأوروبي إلحاحاً: هل تحاول موسكو اختبار التزام الحلف الأطلسي إلى ما هو أبعد من أوكرانيا؟
من التخطيط الاحتياطي إلى الاستعداد العلني
على مدى الأسابيع الأخيرة، انتقلت عدّة حكومات أوروبية من التخطيط الصامت إلى إجراءاتٍ معلنة. في المملكة المتحدة، دُعي المواطنون إلى الاستعداد لاحتمال اندلاع حرب، وتخزين الأطعمة المعلّبة ومياه الشرب. رئيس هيئة الأركان الدفاعية البريطاني وصف المرحلة الحالية بأنها "الأكثر خطورة" منذ عقود. في فرنسا، عقد الرئيس إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع اجتماعاً سرّياً مع قادة سياسيين لعرض معلومات استخباراتية، وأعلنت باريس في الوقت ذاته عن إجراءاتٍ لحماية البنية التحتية من هجماتٍ هجينة روسية متصاعدة. أما رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك فحذّر من هجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ روسية قد تُنفَّذ بأسلوبٍ مموه، بحيث يصعب نسبها رسمياً إلى موسكو.
في ألمانيا، بدأت المستشفيات الاستعداد لسيناريو هجومٍ روسي محتمل، بينما اعتمدت سويسرا المحايدة استراتيجية أمن قومي جديدة تركّز على الصمود والدفاع ضدّ هجومٍ مسلّح. المستشار الألماني فريدريش ميرتس وصف المرحلة الراهنة بأنها من "اللحظات الحاسمة"، مضيفاً إن ألمانيا "تدافع عن حرية وسلام قارتنا".
لماذا يتحوّل ممرّ سوفالكي إلى معضلة استراتيجية؟
يمثّل ممرّ سوفالكي أضعف نقاط الحلف الأطلسي جغرافياً؛ فسيطرة روسية على جزء منه، ولو محدودة، قد تفصل عملياً دول البلطيق عن بقية الحلف دون أن تُعلن موسكو رسمياً اجتياح دولة عضو في الناتو. مثل هذا التحرّك المحدود قد يضع التزامات الدفاع المشترك للحلف التي تشمل 32 دولة عضواً أمام اختبارٍ غير مسبوق: هل يُقدم الحلف على استعادة أراضٍ ضمن ممرٍّ لم تُعلن فيه حرب صريحة؟
الأمين العام للناتو مارك روته قال إن مناورات الحلف تتناول بانتظامٍ سيناريوهات هجومٍ على هذا الممرّ، مؤكداً أن أي اعتداء عليه سيقابَل برد "مدمّر" من الحلف. وقد أشار روته هذا العام إلى تمرين حربي تناول تحديداً تحرّكاً روسياً محتملاً ضدّ الممرّ. وفي السياق نفسه، أصدر الناتو هذا الأسبوع متطلبات محدَّثة للصمود الوطني تشمل استمرارية عمل الحكومات، والطاقة، والغذاء، والمياه، والرعاية الصحية، والاتصالات، في وثيقةٍ تصف المرحلة المقبلة بأنها زمن "أزمة وصراع" محتمل. ويدرس مسؤولو الحلف اليوم قدرة أوكرانيا على الحفاظ على خدماتها الأساسية تحت القصف الروسي، باعتبارها نموذجاً عملياً لما قد تحتاجه دول الحلف من صمود مجتمعي لا يقتصر على الجيوش والعتاد.
حربٌ لا تُعلن: التهديد الهجين وملف القضاء الأمريكي
يصف برت ماكغورك، المحلل في الشؤون العالمية والذي عمل في الإدارات الأمريكية الأربع الأخيرة لدى جورج بوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن هذا النمط من التصعيد بأنه يقع في "المنطقة الرمادية"؛ عملياتٌ يمكن إنكارها، تقع تحت عتبة الحرب التقليدية لكنها كافية لإرباك الخصم. فلسنوات، تتحدّث تقارير أوروبية عن هجماتٍ إلكترونية وعمليات تخريب وحرائق متعمّدة وطائرات مسيّرة واستهداف بنية تحتية، تُنسب إلى روسيا دون أن تصل غالباً إلى حدّ المواجهة المباشرة. الشهر الماضي، اتّهمت ألمانيا روسيا بالوقوف وراء هجومٍ بطائرة مسيّرة استهدف مطاراً مدنياً.
هذا الأسبوع، وجّه مدّعون أمريكيون اتهاماتٍ رسمية لخمسة أشخاص يُشتبه بانتمائهم إلى الاستخبارات الروسية، بتهمة الوقوف وراء هجماتٍ وعمليات قتل حول العالم، ضمن شبكةٍ يُقال إنها استهدفت بنى تحتية مدنية وعسكرية في عدّة دول أوروبية. تفاصيل لائحة الاتهام متاحة عبر وزارة العدل الأمريكية.
سؤال الالتزام الأمريكي
قبل أسبوعين، أوفد الرئيس دونالد ترامب مدير وكالة الاستخبارات المركزية لتحذير موسكو من مغبّة أي اعتداء على أراضي دول الناتو، بينما أعلن ترامب هذا الأسبوع تقدّماً نحو إقامة قاعدة دائمة للجيش الأمريكي في بولندا. غير أن هذه الخطوات لا تُنهي القلق الأوروبي بشأن مدى التزام واشنطن بالدفاع المشترك، خصوصاً أن الولايات المتحدة منتشرة عسكرياً في أوروبا، وتخوض في الوقت نفسه مواجهة مع إيران في الشرق الأوسط، وتعمل على ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فقدرات الدفاع الجوي والقوات البحرية ومنصّات الاستخبارات والذخائر الأمريكية لا يمكن أن تغطي كل هذه الجبهات في آنٍ واحد. وترامب، وإن كان قد عزّز حلف الناتو من نواحٍ عدّة، لا يزال التزامه الشخصي بمبدأ الدفاع المشترك محلّ تساؤل في عواصم أوروبية عدّة.
إرث ثلاثة عقود من التراخي
لعقودٍ بعد نهاية الحرب الباردة، تراجع الاستعداد الأوروبي بشكلٍ متواصل: انخفض الإنفاق العسكري وتقلّصت أعداد المجنَّدين، وتحوّل الدفاع المدني إلى ما يشبه أثراً من الماضي، في ظلّ افتراضٍ أوروبي راسخ بأن الولايات المتحدة ستتدخّل عند أي أزمة كبرى. أما اليوم، فقد بات القادة الأوروبيون يدركون أن الردع لم يعد رهناً بقدراتهم فقط، بل بحسابات فلاديمير بوتين نفسه، وبقرارات تُتّخذ في واشنطن قد لا تكون مضمونة سلفاً. وروسيا، رغم أنها ما تزال متورّطة عسكرياً في أوكرانيا، قد تلجأ بحسب تقديرات غربية إلى التصعيد عبر التخريب، والهجمات الإلكترونية، ومحاولات الاغتيال، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، أو حتى عمل عسكري محدود، مستغلّة أي خلافٍ بين أعضاء الحلف حول حدود التصعيد ومسؤولية الدفاع الجماعي.
ويبقى ممرّ سوفالكي، بمساحته الضئيلة على الخريطة، شاهداً على حجم المعضلة: شريط أرض لا يتجاوز طوله 65 ميلاً، لكنه قد يقرّر، في لحظةٍ ما، ما إذا كان حلف الناتو سيُختبر فعلاً خارج حدود أوكرانيا، وما إذا كانت أوروبا بعد ثلاثة عقودٍ من التراخي — قد استعادت فعلاً قدرتها على الصمود قبل فوات الأوان.
أخبار ذات صلة

الشرطة الإيطالية تكتشف 3.6 مليون دولار مخبأة في جدران وأرضيات شقة

مكسيكو تستجيب لمقتل إسبانية بسرعة... لكن ماذا عن ضحاياها النساء؟

روسيا تصعّد هجماتها على أوروبا.. والمخاطرة بخطأ قاتل تزداد يومياً
