المحكمة العليا تؤيد فحص جنسية الناخبين بدقة
قرار المحكمة العليا يسمح للولايات باستخدام نظام SAVE للتحقق من جنسية الناخبين قبل الانتخابات رغم المخاوف من أخطاء النظام وتأثيره على حقوق التصويت. نقاش محتدم بين حماية الأمن الانتخابي وضمان حقوق الناخبين في خَبَرَيْن.

في ولاية يوتا، أعلن مكتب مسؤول الانتخابات في بيانٍ نشره في مايو أنّ فحصاً أوّلياً عبر نظام SAVE التابع لوزارة الأمن الداخلي الأمريكية رصد قرابة 9,000 شخصٍ يُشتبه في كونهم من غير المواطنين ضمن سجلّات الناخبين، إضافةً إلى 2,500 ناخبٍ مسجّلٍ تعذّر معالجة ملفّاتهم. لكنّ التدقيق اللاحق، الذي أجرته السلطات المحلية نفسها، لم يؤكّد في نهاية المطاف سوى 27 حالة عدم مواطنة، ثمّ 25 حالة إضافية مرجّحة بعد مراجعةٍ ثانية؛ في حين ثبتت مواطنة قرابة 5,700 شخص، وطُلب من 5,000 ناخبٍ آخرين تقديم إثباتٍ جديد لجنسيتهم. هذه الفجوة الهائلة بين الاشتباه الأوّلي والتأكيد النهائي هي جوهر النقاش الذي انفتح مجدّداً يوم الجمعة، حين قضت المحكمة العليا الأمريكية بأنّ للولايات أن تستخدم النظام ذاته للتحقّق من جنسية ناخبيها، قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي.
ماذا سمحت المحكمة العليا فعلياً؟
في قرارها الصادر يوم الجمعة، رفضت المحكمة العليا الدفوع القائلة بأنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب وسّعت استخدام نظام SAVE بشكلٍ غير قانوني، وقضت بأنّ للولايات الحقّ في الاستعانة به لإجراء "فحوصٍ فرديّة" بحسب تعبير الرأي الأغلبي للتحقّق من جنسية الناخبين مع اقتراب موعد الاقتراع. وجاء في الرأي أنّ "الحكومة الفيدرالية عليها التزامٌ بالاستجابة لطلبات المسؤولين المحليين والولائيين المعنيين بالانتخابات الساعين إلى التحقّق من جنسية الناخبين"، وأنّ منع ذلك "يحرم الحكومة الفيدرالية من استخدام البرنامج الذي تعتقد أنّه الأنسب لهذه المهمّة".
بهذا القرار، ألغت المحكمة الأمر الزجري الذي كانت قد أصدرته القاضية الفيدرالية سباركل سوكنانان، والتي عيّنها الرئيس السابق جو بايدن، والتي كانت قد خلصت إلى أنّ التوسّع في استخدام SAVE لأغراض الانتخابات ينتهك قوانين الخصوصية الفيدرالية. القرار لا يفتح الباب أمام عمليات حذفٍ جماعية وفورية لأسماء من قوائم الناخبين، بل يقتصر كما أكّدت المحكمة على فحوصٍ فردية، تاركاً مسألة الحذف المنهجي (systematic) رهن نزاعٍ قانوني منفصل لم يُحسم بعد.
معارضةٌ من ثلاث قاضيات: "الضرر يفوق أي مبرّر"
لم يكن القرار بالإجماع. ثلاث قاضيات ليبراليات، هنّ كيتانجي براون جاكسون وسونيا سوتومايور وإيلينا كاغان، أبدين معارضتهنّ علناً. وكتبت القاضية جاكسون أنّ "الضرر الناجم عن إثقال كاهل حتى عددٍ قليلٍ من الناخبين الشرعيين أو حرمانهم من التصويت يفوق الضرر غير الموجود الذي تتعرّض له الحكومة حين تُمنع من اتخاذ إجراءٍ يُرجَّح أنّها تفتقر أصلاً إلى صلاحية اتخاذه". هذه العبارة تلخّص جوهر القلق الذي عبّرت عنه الجهات المعارضة للقرار: أنّ نظاماً غير دقيقٍ بالكامل بات مسموحاً بتوظيفه في مرحلةٍ حسّاسة زمنياً، حيث الوقت لا يسمح دائماً بتصحيح الأخطاء قبل يوم الاقتراع. ونصّ القرار الكامل ومرافعة المعارضة متاحان في وثيقة المحكمة العليا الرسمية.
من أداةٍ للتحقّق من المنافع الاجتماعية إلى ملفٍّ انتخابي
نظام SAVE لم يُنشأ أصلاً لأغراضٍ انتخابية، بل للتحقّق من أهلية الأفراد للحصول على المنافع العامة الحكومية، وقد استخدمه مسؤولو الولايات والمحليات لسنواتٍ طويلة على أساس التحقّق الفردي من حالاتٍ بعينها. لكنّ وزارة الأمن الداخلي وسّعت، في بداية الولاية الثانية للرئيس ترامب، مصادر البيانات المغذّية للنظام بما فيها سجلّات إدارة الضمان الاجتماعي وأتاحت للولايات إمكانية رفع قوائم الناخبين بالجملة بدلاً من الفحص حالةً بحالة. هذا التحوّل هو ما فتح الباب أمام الطعون القضائية، إذ إنّ مطابقاتٍ خاطئة قد تصنّف ناخبين مؤهّلين على أنّهم غير مواطنين؛ وقد أقرّت وزارة الأمن الداخلي نفسها بأنّ نتائج SAVE ليست دقيقةً دائماً، ودعت الولايات إلى التحقيق في أي تطابقٍ محتمل بدل الاكتفاء بمخرجات النظام، مع تحميل الولايات مسؤولية أي حذفٍ خاطئ ناتج عن استخدامه.
القضية الأصلية رُفعت من قِبل جماعاتٍ معنية بحقوق الناخبين، ومنظمةٍ لحماية خصوصية البيانات، وناخبين أفراد، ووصفوا في بيانهم توسّع النظام بأنّه تصرّفٌ "متهوّرٌ" أنتج "قاعدة بياناتٍ مركزية للجنسية مليئة بالأخطاء تهدّد خصوصية ملايين الأمريكيين وحقّهم في التصويت". وقالت هذه الجهات إنّ القرار "يضع ملايين الأمريكيين في خطر أن يُستهدَفوا بشكلٍ غير قانوني عبر قاعدة بيانات إدارة ترامب غير الموثوقة لتطهير سجلّات الناخبين، قبل أسابيعَ من انتخابات التجديد النصفي"، ووصفته بأنّه "مخيّبٌ للآمال إلى حدٍّ بالغ".
في المقابل، احتفى جيمس بيرسيفال، كبير مستشاري وزارة الأمن الداخلي القانونيين، بالقرار بلهجةٍ استنكارية للوضع القانوني الذي سبقه، قائلاً: "نعم، لقد قرأتم ذلك بشكلٍ صحيح. اضطُررنا لتقديم التماسٍ طارئ إلى المحكمة العليا لمجرّد أن نتمكّن من استخدام بيانات حكومية لمساعدة الولايات على منع غير المواطنين من التصويت بشكلٍ غير قانوني". وقد سبق لعددٍ من الولايات ذات الأغلبية الجمهورية أن انتقدت الحظر الذي فرضته المحكمة الفدرالية الدنيا على الوصول إلى النظام، فيما نجحت ولاية فلوريدا، عبر دعوى قضائية منفصلة، في انتزاع استثناءاتٍ سمحت لعددٍ من الولايات الجمهورية بمواصلة استخدام النظام حتى قبل صدور قرار الجمعة. كما دافع بعض مسؤولي الانتخابات الجمهوريين علناً عن SAVE خلال مسار التقاضي، فيما دعا ناشطون محافظون ومسؤولون جمهوريون إلى توسيع نطاق تدقيق سجلّات الناخبين عبره. تجدر الإشارة إلى أنّ SAVE منفصلٌ تماماً عن مشروع القانون الذي يروّج له الرئيس ترامب تحت اسم "SAVE America Act"، رغم تشابه الاسمَين.
معركة الـ90 يوماً... مؤجَّلة لا محسومة
يتضمّن قانون التسجيل الوطني للناخبين (National Voter Registration Act) حظراً على عمليات الحذف المنهجي للناخبين خلال 90 يوماً قبل أي انتخابات. وتجادل الإدارة الأمريكية بأنّ هذا الحظر لا يشمل عمليات التطهير التي تستهدف تحديداً غير المواطنين. لكنّ رأي المحكمة الصادر يوم الجمعة تجنّب حسم هذه المسألة صراحةً، إذ ذكرت المحكمة أنّها "لم تكن بحاجةٍ إلى البتّ" في مسألة ما إذا كان هذا "الحظر" (moratorium) ينطبق على مثل هذه العمليات، تاركةً القضية لمراجعةٍ مقبلة خلال الأشهر القادمة. بعبارةٍ أخرى، القرار الحالي يفتح الباب أمام الفحوص الفردية فوراً، لكنّه يؤجّل الحسم في مسألة الحذف الجماعي القريب من موعد الانتخابات، وهي المسألة الأكثر حساسيةً من الناحية العملية بالنسبة لمنظمي الانتخابات على مستوى الولايات.
سلسلة انتكاساتٍ للجمهوريين على "المسار الطارئ" وقرارٌ يكسرها
القرار جاء عقب هزيمتَين متتاليتَين مُنيَ بهما الجمهوريون في القضايا المعروضة أمام المحكمة عبر ما يُعرف بـ"المسار الطارئ" (emergency docket)، إحداهما تتعلّق بقواعد التصويت عبر البريد، والأخرى بمحاولةٍ للطعن في خريطة الدوائر الانتخابية في ولاية ميسوري، بما فيها منطقة كانساس سيتي، حيث تنظر المحكمة العليا حالياً في محاولةٍ ثالثة لإعادة فرض خريطةٍ تفضّل تمثيل الجمهوريين. في هذا السياق، جاء قرار الجمعة بشأن SAVE ليمنح الإدارة انتصاراً واضحاً وسط سلسلةٍ من الإخفاقات القضائية الأخيرة، ويعزّز موقف الجمهوريين الذين طالما دفعوا نحو قواعد انتخابية أكثر صرامةً وتدقيقٍ أوسع لسجلّات الناخبين.
وقد ظهرت في النقاش العام، قبل صدور القرار، تصريحاتٌ من مسؤولين مثل ماركوين مولين، المسؤول عن ملف الأمن الداخلي، استشهد فيها بأعداد الحالات التي رصدها SAVE كدليلٍ على وجود مشكلةٍ حقيقية، من دون الإشارة إلى أنّ التحقّق اللاحق قد يقلّص هذه الأعداد بشكلٍ كبير وهو بالضبط ما كشفته أرقام يوتا التي انخفضت فيها الاشتباهات الأولية من الآلاف إلى عشراتٍ قليلة بعد المراجعة، وفق ما جاء في بيان مكتب مسؤول الانتخابات في يوتا.
ما الذي يبقى مفتوحاً قبل التجديد النصفي؟
قبل صدور قرار سوكنانان، كانت وزارة الأمن الداخلي قد خطّطت لمراجعاتٍ داخلية لملفّات تسجيل الناخبين عبر SAVE، وسعت أيضاً إلى ربط منح مكافحة الإرهاب المقدَّمة للولايات بشرط إجراء تدقيقٍ لسجلّات الناخبين عبر النظام نفسه وهي تفاصيل تكشف حجم الطموح الإداري وراء توسيع استخدام هذا النظام، بما يتجاوز حدود التحقّق الفردي البسيط. كما تملك الوزارة أدواتٍ أخرى مرتبطة ببيانات الهجرة يمكن توظيفها في التحقيق بشأن تصويت غير المواطنين، بمعزلٍ عن SAVE.
اليوم، وبعد أن حسمت المحكمة العليا مسألة جواز استخدام النظام للفحوص الفردية، يبقى السؤال الأهمّ معلّقاً: هل ستحمي القيود القانونية المتبقّية وعلى رأسها حظر الـ90 يوماً الذي ستراجعه المحكمة خلال الأشهر المقبلة الناخبين المؤهّلين من أن يُحرموا من التصويت بسبب خطأٍ في قاعدة بياناتٍ أقرّت الوزارة نفسها بأنّها "ليست دقيقةً دائماً"؟ في يوتا، تحوّل ما بدا في البداية اشتباهاً بالآلاف إلى عشرات الحالات المؤكّدة فقط. والسؤال الذي سيواجه به الناخبون في ولاياتٍ أخرى، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، هو أيّ الرقمين سيصدَّق أولاً: الرقم الذي يظهر على الشاشة، أم الرقم الذي يثبت بعد المراجعة.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
