سر المشي السريع وصحة الدماغ في عمر الثمانين
هل تساءلت لماذا بعض كبار السن يمشون بسرعة تفوق أقرانهم؟ دراسة تكشف أن المشي السريع مرتبط بصحة دماغية أفضل وتقليل خطر التراجع الإدراكي. تعرف على أسرار "super movers" وكيف تحافظ على نشاطك مع التقدم في العمر عبر خَبَرَيْن.

هل تساءلتَ يوماً لماذا يبدو بعض الأشخاص في الثمانينيات من أعمارهم أكثر نشاطاً وحيويةً من أقرانهم؟ الإجابة قد تكمن في خطواتهم بالمعنى الحرفي تماماً.
درس الباحثون من قبلُ فئةً أطلقوا عليها "SuperAgers"، وهم كبار السن الذين تظلّ ذاكرتهم حادّةً بشكلٍ استثنائي. والآن، يتوجّه العلماء بأنظارهم نحو مجموعةٍ أخرى: "super movers"، أي الأشخاص في الثمانينيات الذين يمشون بسرعةٍ تفوق بشكلٍ ملحوظ سرعة أقرانهم من نفس الفئة العمرية.
وفق دراسةٍ جديدة نُشرت في 14 يوليو في مجلّة Neurology، تبيّن أنّ الأشخاص الذين يمشون بسرعةٍ تفوق المعدّل الطبيعي كانوا أقلّ عرضةً بشكلٍ ملحوظ للإصابة بالضعف الإدراكي. فما الذي يُفسّر هذه العلاقة بين سرعة المشي وصحة الدماغ؟ وهل يمكن لبقيّتنا أن نتحرّك بصورةٍ أفضل مع التقدّم في العمر؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، أجري حواراً مع الدكتورة Leana Wen، خبيرة الصحة وطبيبة الطوارئ والأستاذة المشاركة السريرية في جامعة George Washington، والتي شغلت سابقاً منصب مفوّضة الصحة في مدينة Baltimore.
من هم "super movers" تحديداً، وماذا كشفت الدراسة عن صحّتهم الإدراكية؟
د. Leana Wen: عرّف الباحثون "super movers" بأنّهم الأشخاص في سنّ الثمانين فأكثر الذين تتجاوز سرعة مشيهم المعدّل الطبيعي لأعمارهم وجنسهم بما لا يقلّ عن 1.5 انحراف معياري وهو ما يعني عملياً أنّهم يمشون بسرعةٍ غير اعتيادية مقارنةً بأقرانهم.
اعتمد الباحثون على عدّة دراساتٍ قائمة تناولت كبار السن. وشملت أكبر هذه التحليلات قرابة 4,000 شخص في سنّ الثمانين فأكثر، جرت متابعتهم لفترةٍ تتراوح بين 3 و5 سنوات تقريباً. وبعد استبعاد من كانوا يعانون مسبقاً من ضعفٍ إدراكي، وجد الباحثون أنّ "super movers" يواجهون نحو نصف خطر الإصابة بالضعف الإدراكي مقارنةً بغيرهم.
كذلك درس الفريق البحثي مجموعةً أصغر تضمّ قرابة 200 شخص خضعوا لاختباراتٍ إدراكية أكثر تفصيلاً وتصويراً بالرنين المغناطيسي (MRI). وأظهرت النتائج أنّ "super movers" يعانون من تراجعٍ أبطأ في الذاكرة والقدرات الإدراكية الأخرى، فضلاً عن أنّ صور الرنين المغناطيسي كشفت عن حفاظٍ أفضل على حجم مناطق معيّنة من الدماغ، بما فيها مناطق التعلّم والذاكرة. وفي دراسةٍ ثالثة شملت أكثر من 690 مشاركاً، تمتّع "super movers" بقدراتٍ إدراكية أفضل وانخفاضٍ في معدّلات الإصابة بمرض Alzheimer وأشكال الخرف الأخرى.
لماذا تكون القدرة على المشي السريع مرتبطةً بمدى كفاءة الدماغ؟
د. Wen: يبدو المشي بسيطاً لأنّ كثيرين منّا يفعلونه دون تفكيرٍ واعٍ، غير أنّه في الحقيقة نشاطٌ بالغ التعقيد. فالدماغ يُنسّق العضلات والأعصاب في آنٍ واحد، بينما يعالج معلوماتٍ تتعلّق بالتوازن والرؤية والبيئة المحيطة.
تخيّل أنّك تمشي في شارعٍ مزدحم: أنت تتنقّل فوق أسطحٍ غير منتظمة، وتنظر يميناً وشمالاً تحاشياً للمارّة والسيارات، وتقرّر الاتجاه والسرعة المناسبَين، كلّ ذلك مع الحفاظ على توازنك والتفكير في أمورٍ أخرى. هذه المهام تستلزم تعاون أجزاءٍ متعدّدة من الدماغ في وقتٍ واحد.
هل يعني هذا أنّ المشي السريع يحمي فعلاً من التراجع الإدراكي، أم أنّ سرعة المشي مجرّد مؤشّرٍ على دماغٍ وجسمٍ أكثر صحّة أصلاً؟
د. Wen: هذه نقطةٌ جوهرية. الدراسة تُظهر ارتباطاً إحصائياً لا علاقةً سببية. قد يختلف "super movers" عن غيرهم في جوانب عديدة؛ فربّما كانوا أكثر نشاطاً بدنياً طوال حياتهم، وهذه الدراسة لا تتتبّع متى بدأ الأشخاص بالمشي بسرعة.
نعلم أيضاً أنّ النشاط البدني بحدّ ذاته يُساعد في تقليل خطر الخرف، وقد يتمتّع "super movers" بمستوى نشاطٍ بدني إجمالي أعلى مقارنةً بمتوسّط كبار السن. كما قد يعانون من أمراضٍ مزمنة أقلّ، ويتّبعون نظاماً غذائياً أفضل، ويمتلكون مزايا جينية، أو يحظون بدخلٍ أعلى ودعمٍ اجتماعي أقوى. أيٌّ من هذه العوامل أو مجموعةٌ منها قد تُسهم في تفسير كلٍّ من قدرتهم الحركية الاستثنائية وصحّتهم الإدراكية الأفضل.
ومن المحتمل أيضاً أنّ الأشخاص الذين تشيخ أدمغتهم بصورةٍ أفضل يستطيعون الحفاظ على سرعةٍ أعلى في المشي. لذا، لا يمكن الاستنتاج من هذه الدراسة أنّ المشي السريع سيمنع التراجع الإدراكي، لكنّ ما تُشير إليه النتائج هو أنّ القدرة على الحفاظ على وظيفةٍ بدنية جيّدة حتى الثمانينيات قد تكون مؤشّراً على شيخوخةٍ دماغية صحّية.
إذا كان شخصٌ في الستينيات أو السبعينيات لا يمشي بسرعةٍ كبيرة حالياً، فهل يمكنه أن يصبح من "super movers"؟
د. Wen: رغم أنّ هذه الدراسة لا تتناول هذا السؤال تحديداً، فإنّ الأبحاث السابقة تُثبت أنّ الناس يمكنهم تحسين لياقتهم البدنية حتى في مراحل العمر المتقدّمة. فقد كشفت دراسةٌ نُشرت في مارس في مجلّة Geriatrics أنّ ما يصل إلى 45% من الأشخاص في سنّ 65 فأكثر حسّنوا وظيفتهم البدنية أو الإدراكية أو كلتيهما خلال متوسّط متابعةٍ بلغ 12 عاماً.
يمكن لمن يعيش أسلوب حياةٍ خاملاً أن يبدأ بجولاتٍ قصيرة ومريحة حول المنزل، ثمّ يزيد تدريجياً من مدّتها وتكرارها. أمّا من يمشي بانتظامٍ بالفعل، فيمكنه تجربة إضافة فتراتٍ قصيرة بوتيرةٍ أسرع أو زيادة المسافة تدريجياً.
على سبيل المثال، من يمشي بارتياحٍ لمدّة 30 دقيقة يمكنه المشي بوتيرته المعتادة لعدّة دقائق، ثمّ تسريع الخطى لدقيقةٍ أو دقيقتَين قبل العودة إلى الوتيرة الطبيعية. ومع الوقت، يمكن إطالة فترات التسريع هذه. والمشي في المناطق المرتفعة أو التلال طريقةٌ أخرى لجعل المشي أكثر تحدّياً.
أمّا من لم يمارسوا الرياضة بانتظامٍ ويعانون من أمراضٍ مزمنة أو قيودٍ جسدية، فينبغي لهم استشارة طبيبهم المعالج لتحديد مستوى التمرين ونوعه الملائم لحالتهم. وتجدر الإشارة إلى أنّ أكبر قدرٍ من الفائدة يتحقّق عند الانتقال من غياب النشاط البدني أو شُحّه إلى ممارسةٍ بسيطة منه كلّ تحسّنٍ صغير يُحدث فرقاً.
ماذا لو لاحظ شخصٌ ما تباطؤاً في سرعة مشيه؟ هل يستحقّ هذا مناقشة الطبيب؟
د. Wen: التباطؤ التدريجي في سرعة المشي قد يكون جزءاً طبيعياً من الشيخوخة، لكنّ أيّ تغيّرٍ ملحوظ يستحقّ الانتباه، لا سيّما إن حدث بسرعةٍ نسبية أو اقترن بأعراضٍ أخرى.
ثمّة أسبابٌ محتملة عديدة: التهاب المفاصل وآلام الظهر قد يُصعّبان المشي، فيما يمكن لضعف العضلات وأعراض الأدوية الجانبية والحالات العصبية والتغيّرات في الرؤية أو التوازن أن تؤثّر جميعها في طريقة المشي. من يُعاني من تراجعٍ ملحوظ أو غير مُفسَّر في قدرته الحركية ينبغي له مراجعة طبيبه المعالج للتحقّق ممّا إذا كان ثمّة سببٌ كامن قابل للعلاج.
ما الأنشطة الأكثر أهميةً للحفاظ على الصحة مع التقدّم في العمر، بما يتجاوز المشي؟
د. Wen: على صعيد النشاط البدني، يُعدّ المشي شكلاً ممتازاً من أشكال التمرين، لكنّ الخيارات لا تقتصر عليه. تشمل التمارين الهوائية ركوب الدرّاجة سواءً في الهواء الطلق أو الداخل والسباحة وغيرها من الأنشطة التي ترفع معدّل ضربات القلب. ويجد كثيرون متعةً كبيرة في رياضات كالبيكلبول (Pickleball) والتنس والغولف وغيرها من الأنشطة التي تجمع بين اللياقة البدنية والتواصل الاجتماعي.
أثبتت دراساتٌ عديدة أيضاً أهمية تمارين القوّة العضلية. فالحفاظ على الكتلة العضلية والقوّة يكتسب أهميةً متزايدة مع التقدّم في العمر، لأنّه يُساعد الأشخاص على الحفاظ على حركيّتهم واستقلاليّتهم. كما أنّ الأنشطة التي تُحسّن التوازن تُسهم في تقليل خطر السقوط.
ثمّة كذلك عاداتٌ أخرى تُعزّز الصحة الإدراكية والصحة العامة: ضبط ضغط الدم المرتفع والكوليسترول والسكّري أمرٌ بالغ الأهمية، إذ ترتبط صحّة الأوعية الدموية ارتباطاً وثيقاً بصحّة الدماغ. والإقلاع عن التدخين، واتّباع نظامٍ غذائي غنيٍّ بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسّرات وسائر الأطعمة الأقلّ تصنيعاً، والحرص على الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم كلّها عواملٌ محورية. والبقاء منخرطاً اجتماعياً وذهنياً من خلال الهوايات وتعلّم مهاراتٍ جديدة والحفاظ على العلاقات مع الأهل والأصدقاء كلّها سُبلٌ للحفاظ على نشاط الجسم والدماغ معاً.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
