أزمة السكن في إسبانيا تغلي والغضب الشعبي يتصاعد
في خضم أزمة السكن التي هزّت إسبانيا، قصة ماريكارمِن تثير الغضب الشعبي وتدفع رئيس الحكومة سانشيز لحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة في محاولة لاستعادة الثقة وتحقيق إصلاحات اجتماعية جديدة خَبَرَيْن

في شقةٍ صغيرة بحيّ ريتيرو وسط مدريد، أمضت ماريا ديل كارمن أباسكال، المعروفة بين جيرانها باسم "ماريكارمِن"، أكثر من 70 عاماً من عمرها البالغ 87 عاماً. لم تكن تتخيّل، وهي التي شهدت المكان يتغيّر جيلاً بعد جيل، أن يرتفع إيجار شقّتها من 500 يورو (560 دولاراً) إلى 2650 يورو (2970 دولاراً) قبل أن تُطرد منها نهائياً. قصّة ماريكارمِن لم تبقَ حادثةً فردية؛ تحوّلت إلى رمزٍ لأزمة السكن التي تضرب إسبانيا، وأشعلت موجة غضبٍ شعبي أسهمت، ولو جزئياً، في قرارٍ سياسي كبير: دعوة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز لانتخاباتٍ مبكرة.
أعلن سانشيز، زعيم حزب العمال الاشتراكي الإسباني (PSOE)، يوم الاثنين، من مقرّ إقامته الرسمي في قصر مونكلوا بمدريد، أنّه قرّر حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخاباتٍ عامة في 29 نوفمبر المقبل، منهياً بذلك الفترة النيابية قبل أكثر من ستة أشهر من موعدها الطبيعي. وقال في خطابه التلفزيوني: "بعد إبلاغ رئيس الدولة، قرّرت عقد اجتماعٍ استثنائي لمجلس الوزراء صباح هذا اليوم لحلّ البرلمان والدعوة إلى انتخاباتٍ عامة".
كيف تحوّلت أزمة الإسكان إلى شرارة سياسية؟
جاء القرار بعد أيامٍ قليلة من إخفاق حكومة سانشيز في تمرير قانونَين للإصلاح السكني أمام البرلمان، إذ أسقطتهما الأحزاب اليمينية قبل ثلاثة أيامٍ فقط من إعلان الانتخابات. وكانت تلك المقترحات قد جاءت تحديداً في أعقاب الغضب العام الذي أثاره إخلاء ماريكارمِن من منزلها. منذ ذلك الحين، يخيّم المئات في ساحة بويرتا ديل سول وسط مدريد منذ أكثر من أسبوع، فيما شهدت مدنٌ إسبانية أخرى تحرّكاتٍ مماثلة احتجاجاً على غلاء الإيجارات. وتقول نقابة المستأجرين في مدريد إنّ نحو 950 ألف شخص شاركوا في مظاهراتٍ عمّت البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع.
أقرّ سانشيز بوجود استياءٍ شعبي حقيقي، قائلاً: "أعلم أنّ هناك اليوم جزءاً من تلك الأغلبية الاجتماعية غير راضٍ"، مضيفاً في إشارةٍ إلى الاحتجاجات: "أنتم غاضبون لأنكم ترون مصالحكم تُداس في البرلمان لصالح فئةٍ قليلة مختارة". واعترف الرئيس أيضاً بوقوع "أخطاء"، قبل أن يدعو إلى تجديد الثقة الشعبية بحكومته: "نحتاج إلى تجديد دعم الناس"، مؤكداً طموحه لتوسيع قاعدته البرلمانية: "نحتاج إلى التعبئة والفوز بأغلبيةٍ تقدّمية أكبر بكثير في البرلمان، أغلبية تتيح لنا التغلّب على المصالح الخاصة، وتحقيق مكاسب اجتماعية جديدة، ومواصلة تحويل إسبانيا".
حزبٌ متعثّر في مواجهة استحقاقٍ محفوف بالمخاطر
يقود سانشيز الحكومة منذ أكثر من ثماني سنوات، معتمداً طوال هذه الفترة على تحالفاتٍ مع أحزابٍ يسارية وقوى انفصالية صغيرة، وغالباً ما لجأ إلى المراسيم عندما تعذّر تمرير التشريعات عبر البرلمان. وقد عجزت حكومته عن تمرير موازنةٍ عامة طوال ثلاث سنواتٍ متتالية، وهو مؤشّرٌ على هشاشة الأغلبية البرلمانية التي يستند إليها.
لكن الأشهر الأخيرة كانت الأصعب على حزبه؛ إذ مُني الحزب الاشتراكي بانتكاساتٍ في الانتخابات الإقليمية هذا العام، في وقتٍ أضرّت فضائح فسادٍ طالت مقرّبين من سانشيز بسمعة الحزب. وفي الصيف الماضي، تفاقمت الأزمة مع أزمة سبتة، حين عبر عشرات الآلاف الأراضي الإسبانية المتاخمة للمغرب، ما زاد من حدّة الانتقادات الموجّهة لإدارة سانشيز لملفّ الهجرة. ورغم ذلك، لم يتراجع رئيس الحكومة عن موقفه بشأن الهجرة، معتبراً أنها ضرورية لاستدامة النمو الاقتصادي، وقد مضى في وقتٍ سابق من هذا العام في تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا.
سانشيز بين واشنطن وأوكرانيا وغزّة
في خطابه، أشار سانشيز إلى التحديات الخارجية التي واجهتها بلاده، من الحرب في أوكرانيا إلى النزاعات في الشرق الأوسط، مؤكداً في المقابل أنّ إسبانيا تظلّ واحدةً من أقوى الاقتصادات في أوروبا. ويُعدّ سانشيز اليوم من بين قلّةٍ من زعماء يسار الوسط في القارة، في ظلّ صعود اليمين الشعبوي عبر دولٍ أوروبية عدّة. وقد اتّخذ مواقف حازمة في ملفّات حسّاسة، من الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى مساءلة شركات التواصل الاجتماعي عن مسؤولياتها، مروراً بمعارضته الحملة الأميركية ضدّ إيران.
ولعلّ أبرز محطّات الاحتكاك جاءت حين رفضت إسبانيا السماح للقاذفات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية، وانتقد سانشيز الضربات الأميركية علناً، ما أثار غضب البيت الأبيض وتهديداتٍ مباشرة. وردّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حينها بقوله: "يمكننا استخدام قاعدتهم إن أردنا، يمكننا ببساطة التحليق إليها واستخدامها، لن يمنعنا أحد من ذلك". ومضت حكومة سانشيز في موقفها رغم التصعيد، ما أكسبها تأييداً شعبياً داخلياً بوصفها الطرف الذي وقف في وجه إدارة ترامب. وفي مارس الماضي، كان ترامب قد هدّد بقطع التبادل التجاري مع إسبانيا، في مؤشرٍ على توتّر العلاقة بين البلدين.
ماذا لو وصل اليمين المتطرّف إلى الحكومة؟
تشير استطلاعات الرأي إلى أنّ حزب الشعب (PP) المحافظ، الذي عارض بدوره مقترحات الإصلاح السكني، يتصدّر النوايا التصويتية، في وقتٍ يرجّح المحلّلون أن يتحالف مع حزب "فوكس" اليميني المتطرّف لتشكيل الحكومة المقبلة. ولو تحقّق ذلك، فستكون المرّة الأولى التي يشارك فيها اليمين المتطرّف في حكومةٍ إسبانية منذ عودة البلاد إلى الديمقراطية عقب وفاة الحاكم العسكري فرانسيسكو فرانكو عام 1975 وهي سابقةٌ يتابعها المراقبون عن كثب باعتبارها اختباراً لمسار إسبانيا الديمقراطي بعد خمسين عاماً من ذلك التحوّل.
يراهن سانشيز، كما يرى محللون، على ملفّ السكن تحديداً لاستعادة التعاطف الشعبي، مستنداً إلى قصصٍ كقصة ماريكارمِن التي اختزلت معاناة آلاف الأسر الإسبانية أمام ارتفاع الإيجارات. وفي ختام خطابه، توجّه الرئيس إلى الإسبان قائلاً: "أثق بمواطنيّ"، مضيفاً: "أعلم أنكم شعبٌ شجاع ورحيم، يرتقي إلى مستوى التحدّيات، ولا يتردّد في أن يكون الأول، والأخير، في الوقوف على الجانب الصحيح من التاريخ".
وبينما تستعدّ إسبانيا لانتخاباتٍ ستُحدّد ملامح المرحلة المقبلة، لا تزال قصة ماريكارمِن حاضرةً في ساحة بويرتا ديل سول، حيث يواصل المحتجّون مطالبتهم بحلولٍ عاجلة لأزمة سكنٍ لم تعد تخصّ عائلةً بعينها، بل باتت على رأس القضايا التي سيُقاس بها صندوق الاقتراع في 29 نوفمبر.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
