رفات الأمير دونسكوي ورموز الكنيسة في الحرب الروسية
في خَبَرَيْن اكتشف كيف تحوّل رفات الأمير دميتري دونسكوي إلى رمز ديني وسياسي يستخدمه الكرملين لدعم جنوده في أوكرانيا بين القداسة والدعاية وسط جدل داخل الكنيسة الروسية الأرثوذكسية.

في قاعدة عسكرية شرق أوكرانيا، لا يبدو أنّ جنديّاً روسيّاً مجهول الاسم يعمل في دونباس يُولي الأثر الديني الوارد من موسكو أهمية استثنائية. حين سُئل عن جزءٍ من كفّ الأمير دميتري دونسكوي الذي وصل إلى الخطوط الأمامية، أجاب بلهجة أقرب إلى التحفّظ منها إلى الحماس: "من وجهة نظري، هي أكثر ما تحتاجه أمّهات الشباب الذين قُتلوا في هذه العملية العسكرية". وصفَ الأمر بأنّه "حلٌّ غير تقليدي لمشاكلنا في القرن الحادي والعشرين" عبارة تختصر المسافة بين ما تروّج له الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وبين ما يعيشه الجنود فعلاً في جبهةٍ دخلت عامها الخامس دون أفق واضح لانتهائها.
فمنذ مطلع سبتمبر، بدأ جزءٌ من رفات الأمير دونسكوي، الذي يُعرف بأنّه اليد اليمنى التي حمل بها سيفه في معركة كوليكوفو عام 1380، يتنقّل بين القواعد العسكرية الروسية في الأراضي الأوكرانية المحتلّة. الأمر لم يكن مبادرةً معزولة، بل جزءاً من منظومة أوسع تديرها الإدارة العسكرية التابعة لبطريركية موسكو، القيادة الكنسية للكنيسة الروسية الأرثوذكسية، والتي وصفت دونسكوي بأنّه "قائدٌ قدّيس"، وقالت إنّ الأثر يدعم الجنود بشكلٍ غير مرئي وهو يقف معهم "كتفاً إلى كتف".
كيف عاد دونسكوي من التاريخ إلى ساحة القتال؟
اكتُشف رفات الأمير دونسكوي خلال أعمال ترميمٍ في كاتدرائية رئيس الملائكة داخل الكرملين، في أغسطس الماضي، رغم أنّ موقع دفنه كان معروفاً أصلاً قبل استخراج الرفات. جاء هذا الاكتشاف بعد أسابيع فقط من تقارير عن فقدان آثارٍ منسوبة إلى الأمير ألكسندر نيفسكي، رمز آخر من رموز المجد العسكري الروسي، رغم أنّ تلك التقارير بقيت غير مؤكَّدة حتى الآن.
وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استخراج رفات دونسكوي بأنّه "فريدٌ تماماً" و"اكتشافٌ عجيب"، بينما ذهب البطريرك كيريل، رأس الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، أبعد من ذلك حين اعتبره "علامةً خاصّة على عناية الله". لكن هذا الحماس الرسمي لم يقنع الجميع. القس ألكسندر زانيمونيتس، وهو كاهنٌ أرثوذكسي ومؤرّخ غادر روسيا نهائياً بعد غزوها لأوكرانيا وخدم لاجئين أوكرانيين في فنلندا بين عامي 2022 و2024، قال إنّ هذا الاكتشاف "لا علاقة له بالمسيحية على الإطلاق"، ووصف استغلال الرفات بأنّه "استغلالٌ للمسيحية واستغلالٌ للكنيسة لأغراضٍ (وطنية)"، بل ذهب إلى وصفه بـ"حسابٍ بارد".
أثرٌ مهم أم أداة دعاية؟
يرى سيرغي تشابنين، الباحث في الشؤون الدينية ومدير التواصل في مركز الدراسات المسيحية الأرثوذكسية بجامعة فوردهام في نيويورك، أنّ الرفات تجمع بين البعد الرمزي المقدّس والبعد المادي الملموس، وهو ما يمنحها قوة تأثير خاصة: "هذا المزيج بين المقدّس والمادي يجذب الانتباه"، مضيفاً بلا مواربة: "بالطبع، الدعاية تستخدم هذا".
بحسب تشابنين، فإنّ اختيار دونسكوي تحديداً ليس اعتباطياً، إذ يخدم رسالةً سياسية معاصرة: "هو لم يكن هو نفسه معتدياً، بل مدافعاً عن الوطن"، وتابع: "من المهمّ جداً إظهار أنّ روسيا ليست المعتدية، وأنّنا ندافع عن أراضينا". ويصف تشابنين هذا التوظيف بأنّه "أسطورةٌ تعبوية" قادرة على التأثير في الوعي الجماعي: "هذه الأساطير، التي تربط بين أزمنةٍ وعصورٍ مختلفة، يمكن أن تعمل بقوةٍ كبيرة على الوعي الجماعي"، بل يذهب إلى تسميتها "قطعةً سحرية".
هذا التوصيف ينسجم مع ما قاله المطران فلاديمير، رجل الدين الذي نصّبته السلطات الروسية على دونيتسك وماريوبول في الأراضي المحتلّة، إذ أكّد أنّ الأثر سيساعد الجنود والمدنيين على أن "يعبّئوا قواهم الروحية والجسدية معاً"، وصولاً إلى "الانتصار على العدو". أمّا آثار نيفسكي فكانت قد أُرسلت إلى الجنود في وقتٍ سابق من هذا العام، ما يشير إلى أنّ توظيف الرموز الدينية التاريخية بات ممارسةً متكررة وليست حادثةً استثنائية.
متى أصبحت الكنيسة جزءاً من آلة الحرب؟
يقول تشابنين إنّ العلاقة بين الكرملين والكنيسة الروسية الأرثوذكسية بلغت أقصى درجات القرب: "الكنيسة اندمجت عملياً بالدولة إلى حدّ أنّها أصبحت لا تُميَّز عنها"، ويضيف: "من وجهة نظري، وصلنا إلى أقصى درجة من التقارب". هذا التقارب لم يبدأ بالرفات، بل يمتدّ إلى بدايات الحرب نفسها: فبعد أيامٍ فقط من إعلان بوتين التعبئة الجزئية في سبتمبر 2022، خاطب البطريرك كيريل الجنود قائلاً إنّ التضحية العسكرية للجنود الذين يموتون في الميدان "تغسل كلّ الخطايا".
هذا الطرح اللاهوتي أثار انتقادات حادة داخل الأوساط الكنسية نفسها. الأب غريغوري ميخنوف-فايتينكو، وهو كاهنٌ روسي غادر الكنيسة الروسية الأرثوذكسية بعد ضمّ موسكو لشبه جزيرة القرم عام 2014 ويقدّم اليوم مساعدةً للاجئين الأوكرانيين، يقول إنّ الدعم الروحي لا ينبغي أن يتحوّل إلى غطاءٍ للحرب: "نحن بحاجة إلى دعم الناس، بمن فيهم من يرتدون الزيّ العسكري"، لكنه يستدرك: "لكن السؤال هو كيف ندعمهم"، مضيفاً أنّ التحدّي هو "من جهةٍ ألّا تحرم الناس من العون الروحي، ومن جهةٍ أخرى ألّا تقودهم إلى الوهم". ويذهب أبعد من ذلك حين يصف الكنيسة بأنّها "تبارك أبناءها على قتل بعضهم بعضاً"، في إشارة إلى أنّ روسيا وأوكرانيا تشتركان في أغلبيةٍ مسيحية أرثوذكسية، ما يجعل الحرب بين الطرفين معضلةً لاهوتية لا يمكن تجاوزها بسهولة. ويلخّص تشابنين هذا التحوّل بعبارةٍ قاسية: "الإنجيل بات ذا أهمية ثانوية مقارنةً بمهام الدعاية الرسمية للدولة".
هذا الانقسام الكنسي له جذورٌ أعمق: ففي عام 2019، انفصلت أوكرانيا رسمياً عن الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، بعد أن اعترف البطريرك المسكوني بارثولوميوس الأول في القسطنطينية باستقلالية الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا قرارٌ لم تعترف به موسكو، لكنه رسّخ الانقسام السياسي والديني بين البلدين قبل ثلاث سنوات فقط من اندلاع الغزو الشامل عام 2022.
هل ينعكس هذا الحماس الرسمي على أرض الواقع؟
رغم الزخم السياسي والإعلامي المحيط بهذه الطقوس، فإنّ الأرقام تروي قصةً مختلفة عن حضور الدين في الحياة اليومية للروس. استطلاعٌ أجراه مركز "فتسيوم" (VCIOM)، المؤسسة الحكومية الروسية لاستطلاعات الرأي، عام 2026 عبر الهاتف، وجد أنّ نحو ثلثي الروس يُعرّفون أنفسهم بالانتماء إلى الأرثوذكسية، مقارنةً بنحو 80% قبل خمسة عشر عاماً. لكن هذا الانتماء الهوياتي لا يترجم إلى ممارسةٍ فعلية: يقدّر رجال الدين والباحثون أنّ 2% فقط من الروس المعمَّدين أرثوذكسياً يمارسون شعائرهم بانتظام، وهو رقمٌ تدعمه بيانات وزارة الداخلية الروسية نفسها.
هذا التناقض بين الحضور الرمزي الضخم والممارسة الفعلية المحدودة، ظهر بوضوح خلال موكبٍ ديني سنوي أُقيم في سبتمبر في أربع مدن روسية، اجتذب أكثر من 100,000 مشارك في موسكو وحدها بحسب الأرقام الرسمية، بقيادة البطريرك كيريل الذي حمل شخصياً جزءاً من أثر دونسكوي. لكن كونستانتين ميخائيلوف، الباحث والمؤرّخ في الشؤون الدينية، يرى في هذا الرقم "قطرةً في محيط" مقارنةً بعدد سكان روسيا الذي يتجاوز 145 مليون نسمة. ومع ذلك، يصف ميخائيلوف العلاقة بين الكنيسة والدولة بأنّها "متبادلة التعزيز" فالكنيسة تحصل على تمويلٍ ودعمٍ سياسي من الكرملين، بينما يكتسب الكرملين شرعيةً إضافية من دعم الكنيسة لسرديات الدولة الرسمية.
ماذا يعني هذا للجنود على الأرض؟
بعيداً عن الأرقام والخطابات، يبقى السؤال الأهمّ هو كيف يعيش الجنود هذا الحضور الديني المتنامي في الخطوط الأمامية.
هذا الحضور الكهنوتي توسّع فعلياً على الأرض؛ فالقساوسة العسكريون يزورون الوحدات والمستشفيات الروسية بانتظام، وجنديٌّ روسي يخدم في زابوريجيا وصف هذا الحضور بأنّه "دعمٌ معنوي جادّ". لكن قائداً روسياً في دونباس يقدّم صورةً أقلّ تفاؤلاً عن الوضع الميداني: "الوضع متوتّرٌ عموماً، ويزداد سوءاً مع مرور الوقت" تصريحٌ يعكس واقعاً لا تستطيع الرموز الدينية، مهما بلغت قوتها الرمزية، أن تغيّره.
وبينما يستعدّ الجنود الروس في أوكرانيا المحتلّة لشتاءٍ آخر من الحرب، يبقى جزءٌ من كفّ أمير القرن الرابع عشر يتنقّل بين قواعدهم، حاملاً وعداً بالحماية الروحية. لكن العبارة التي نطق بها الجندي المجهول في دونباس تظل معلّقة كسؤالٍ لم يُجَب عنه: من يحتاج هذا الأثر أكثر الجنود الذين يواجهون خطوط النار، أم الأمّهات اللواتي ينتظرن أبناءهنّ في بيوتٍ بعيدة عن ساحة المعركة؟
أخبار ذات صلة

ترامب يؤكد اتفاق أوكرانيا وروسيا على وقف طاقة مؤقت

روسيا تقصف جسراً رئيسياً آخر في كييف وسط تصعيدٍ للهجمات على العاصمة الأوكرانية

زيلينسكي: ترامب اتّخذ قراراً نهائياً بالسماح لكييف بتصنيع صواريخ باتريوت
