انتخابات روسيا بلا منافس وصراع على الشرعية السياسية
الانتخابات الروسية تعكس سيطرة حزب بوتين وسط غياب المنافسين الحقيقيين وتوترات الحرب مع أوكرانيا. هل تعبر نتائجها عن رأي عام حقيقي أم مجرد مسرحية انتخابية؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

ثمّة مسلّمةٌ يتكرّر تداولها في كلّ موسمٍ انتخابي: أنّ صندوق الاقتراع يقيس نبض الشارع، وأنّ نسب المشاركة والفوز تعكس، بدرجةٍ أو بأخرى، حالة الرأي العام الحقيقية. الكرملين يستثمر هذه المسلّمة استثماراً مباشراً؛ فقد قال فلاديمير بوتين، قبل إغلاق صناديق الانتخابات البرلمانية الروسية مساء الأحد بعد ثلاثة أيامٍ من التصويت، إنّ "اختياركم وتصميمكم سيُبرهنان مرّةً أخرى أنّ ملايين الناس يدعمون مقاتلينا، وأنّنا متّحدون بقيمٍ مشتركة وذاكرةٍ تاريخية وحبٍّ لوطننا". غير أنّ السؤال الذي يستحقّ التوقّف عنده ليس ما إذا كانت نتائج حزب "روسيا المتحدة" ستكون كاسحة فهذا متوقَّعٌ ومحسوم بل ما إذا كان لهذه النتيجة أن تُقرأ أصلاً كمؤشّرٍ على رأيٍ عام، حين يغيب الخصم الحقيقي عن المشهد كلّياً.
انتخابٌ بلا منافسة: ما الذي يعنيه ذلك؟
جرى التصويت على مقاعد مجلس الدوما، الغرفة السفلى للبرلمان الروسي البالغ عدد مقاعده 450، عبر إحدى عشرة منطقةً زمنية داخل روسيا، وامتدّ إلى السفارات والقنصليات الروسية في الخارج، كما شمل مناطقَ أوكرانية محتلّة في دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا التي استُحدثت فيها دوائرُ انتخابية جديدة خطوةٌ رفضتها كييف رفضاً قاطعاً، وسمّت العملية برمّتها "مهزلة" (farce). حزب "روسيا المتحدة"، الحزب الداعم لبوتين والذي كان بوتين نفسه على رأسه بين عامي 2008 و2012 من دون أن يكون عضواً رسمياً فيه اليوم، كان مرشّحاً بقوة لتكرار سيطرته التي حصل بها على 324 من 450 مقعداً في انتخابات 2021. بوتين نفسه لم يكن على ورقة التصويت هذه المرّة، لأنّه رئيسٌ حالي، وموعد انتخابه الرئاسي القادم مضروبٌ لعام 2030، بعد أن فاز في انتخابات 2024 بنسبةٍ تقارب 88.5%.
لكنّ الغياب الأخطر لم يكن غياب بوتين عن الورقة، بل غياب أيّ خصمٍ فعلي له. منظمة "OVD-Info" المستقلّة لرصد حقوق الإنسان تقول إنّ أكثر من 2,000 شخص مسجونون في روسيا لأسبابٍ سياسية. والحزب الوحيد المسجَّل رسمياً بموقفٍ معارضٍ للحرب، "يابلوكو" الذي يعني اسمه "التفاحة" (Apple) في الروسية مُنعت قائمتُه الحزبية الاتحادية الشهر الماضي بقرارٍ من المحكمة العليا، فلم يبقَ لمرشّحيه سوى الترشّح في دوائر محلّية بمقعدٍ واحد. اثنان من نائبي رئيس الحزب سُجنا مؤخّراً على خلفية مواقفَ مناهضة للحرب ومنشوراتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي سانت بطرسبرغ، أفاد الحزب بأنّ أحد مراقبيه "فقد وعيه" (lost consciousness) خلال توقيفه يوم السبت، وأنّ مراقبين آخرين مُنعوا من دخول مراكز الاقتراع في مواقعَ أخرى. هذا هو المشهد الذي يُفترض أن يُقاس مقابله "حبّ الوطن" و"التصميم" اللذان استحضرهما بوتين في خطابه.
التصويت الإلكتروني: تسهيلٌ أم أداة تحكّم؟
منذ ظهر التصويت الإلكتروني للمرّة الأولى في الانتخابات البرلمانية لعام 2021، صار خياراً مُشجَّعاً بقوّةٍ متزايدة، حتى عرضت موسكو على المصوّتين إلكترونياً نقاطاً قابلةً للاستبدال بجوائز. بوتين نفسه صوّت عبر النظام الإلكتروني، وبثّ الكرملين مقطع فيديو يُظهره يتنقّل بين خطوات التصويت أونلاين. غير أنّ وكالة "تاس" الرسمية أفادت بأعطالٍ في النظام الإلكتروني في موسكو بين يومي الجمعة والسبت، وصفتها إيلا بامفيلوفا، رئيسة اللجنة المركزية للانتخابات، بأنّها ناتجة عن هجومٍ "واسع النطاق وشديد" (very large-scale and intense). بعض المصوّتين في موسكو قالوا لموقع "SotaVision" المستقلّ إنّ أوراق الاقتراع الورقية لم تكن متاحة بسبب "أعطال" (malfunctions)، فوُجّهوا إلى محطّات التصويت الإلكتروني، ما دفع أحدهم إلى القول بغضبٍ: "فعلوا ذلك عمداً، الأوغاد" (They did this on purpose, the b*rds). السلطات الروسية ترفض هذا النوع من الانتقادات جملةً وتفصيلاً، وتؤكّد أنّ العملية الانتخابية تسير وفق القانون. لكنّ جوهر الإشكال ليس قانونياً بالضرورة، بل معرفي: كيف يمكن التحقّق من نتيجةٍ حين تكون الوسيلة نفسها التي تُنتجها محلّ شكٍّ متكرّر، ولو من دون دليلٍ قاطع على تزويرٍ مباشر؟
حربٌ توازي صندوق الاقتراع
لم تكن الانتخابات معزولةً عن جبهة القتال. فقد أفادت كييف بأنّ روسيا أطلقت مئات المسيّرات وعدداً من الصواريخ خلال أيّام التصويت، بينما شنّت أوكرانيا هجوماً مضاداً بأكثر من 1,500 مسيّرة على موسكو مساء ليلة السبت وحتى صباح الأحد، أدّى إلى قتل شخصين على الأقل وإلحاق أضرارٍ بمصفاةٍ نفطية كبرى. الكرملين، الذي يصف حملته في أوكرانيا بـ"العملية العسكرية الخاصة"، سعى إلى تقديم نتائج الانتخابات كتفويضٍ معزَّز لبوتين وحربه، تماماً كما جاء في خطابه قبل التصويت. ونسبة المشاركة نفسها أُريد لها أن تُقرأ كمؤشّرٍ على الحالة المزاجية العامة تجاه الحرب واتّجاه البلاد السياسي.
هنا تكمن المفارقة التي تستحقّ إعادة النظر: الانتخابات، في صورتها المثالية، أداةٌ لقياس ما يريده الناس. لكنّها في غياب معارضةٍ حقيقية، ووسط سجونٍ مكتظّة بالمعتقلين السياسيين، وأنظمة تصويتٍ إلكترونية مثيرة للجدل، وأصوات تُحسب في أراضٍ محتلّة لا تعترف كييف بسيادة موسكو عليها، تتحوّل إلى أداةٍ لقياس شيءٍ آخر تماماً: قدرة السلطة على ضبط المشهد قبل أن يبدأ التصويت أصلاً. فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس كم فاز حزب "روسيا المتحدة" بالمقاعد، بل ماذا تعني كلمة "انتخابات" حين يُصادَر الخيار من قبل أن يُطرح.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
