حرب الطائرات المسيّرة الروسية تهدد أوروبا بصمت
روسيا تشن حرباً خفية على أوروبا عبر طائرات مسيرة وهجمات تخريبية تستهدف حلف NATO الذي يواجه تحدياً كبيراً في تحديث عقيدته الدفاعية للتعامل مع تهديدات جديدة تتراوح بين الاستنزاف والتصعيد. خَبَرَيْن

في الأيام الأخيرة، لم يكن الجنود الروس يطلقون النار على جنود حلف NATO بشكل مباشر بل كانت موسكو تُرسل رسائلها عبر طائراتٍ مسيّرة تتساقط في الغابات الليتوانية، وعبر شرارةٍ تكاد تُشعل مروحيةً دنماركية، وعبر قطاراتٍ هولندية متوقّفة في منتصف الليل دون تفسير. هذا هو وجه الحرب الجديدة التي تخوضها روسيا ضد أوروبا: حربٌ لا تُعلَن، ولا تُعترَف بها، لكنّها تُشعَر بها في كل عاصمة.
موجة استفزازات غير مسبوقة
منذ أواخر الأحد الماضي، تصاعدت وتيرة الأحداث بشكل لافت. طائرةٌ مسيّرة روسية ضربت خطاً سككياً كان يستقلّه مسؤولون غربيون سابقون. في ليتوانيا، أسقطت قوات الدفاع طائرةً مسيّرة ذات منشأ روسي. في بولندا، وجد الساحل طائرةً مسيّرة أخرى جرفتها الأمواج. وفي الدنمارك، أفلتت طوّافةٌ عسكرية بصعوبة من شعلة حرارية أُطلقت في اتجاهها من مصدر روسي. أما في هولندا، فقد شُلّت حركة القطارات جراء عمل تخريبي لم تتبنَّه أي جهة حتى الآن.
لا يمكن فهم هذه الأحداث بمعزل عن بعضها. فبحسب دبلوماسيٍّ أوروبي رفض الكشف عن هويته، فإنّ "ما يجري الآن كان سيستدعي تفعيل المادة الرابعة من ميثاق NATO قبل أشهر قليلة فحسب". والمادة الرابعة هي البند الذي يُتيح للدول الأعضاء طلب اجتماعات طارئة في أوقات الأزمات وهو بند بات يُستدعى بصورة أقل رغم تصاعد الحوادث.
الدرون الرخيصة وعقيدة الاستنزاف
ما يمنح روسيا هذه القدرة على الاستمرار في هذا النهج هو اقتصاديات الحرب بالطائرات المسيّرة. الطائرات المسيّرة الروسية من طرازَي Geran 4 وGeran 5 تعمل بمحرّكات نفّاثة صينية الصنع لا تتجاوز تكلفة الواحد منها 40,000 دولار، فيما تبلغ تكلفة الطائرة الكاملة نحو 70,000 دولار. أما صاروخ كروز Banderol، فيصل سعره إلى 100,000 دولار، ويبلغ سرعته 375 ميلاً في الساعة. وتعمل مصنع Alabuga للطائرات المسيّرة في روسيا على رفع طاقته الإنتاجية بوتيرة متسارعة، مما يجعل هذا النوع من الحرب قابلاً للتوسّع والاستمرار على المدى البعيد.
في المقابل، تعاني أوكرانيا من شحٍّ حادٍّ في منظومات الدفاع الجوي، وهو ما يجعلها عرضةً لهذه الهجمات بصورة يومية. وتُقدّم الدول الأعضاء في NATO دعماً عسكرياً واستخباراتياً لأوكرانيا بشكل مستمر، مما يجعل الحلف طرفاً غير مباشر في هذا الصراع وهو ما تستثمره موسكو في خطابها وحساباتها الاستراتيجية.
ماذا تريد موسكو؟
الدبلوماسي الأوروبي ذاته يُجيب بوضوح: "كان هدف روسيا إخافة أوروبا وإبعادها عن دعم أوكرانيا، واللعب على وتر الخوف من التصعيد". هذه الاستراتيجية ليست وليدة اليوم؛ فكما يُوضح مسؤولٌ أوروبي رفيع، "منذ الحقبة السوفيتية، طوّر الروس نظرية التعديل المرن لمستويات القوة والعدوان". ما يعنيه ذلك عملياً هو أن موسكو تملك خارطة طريق مُجرَّبة للتحرّك في المساحات الرمادية بين السلم والحرب، في حين أن "إدارة التصعيد بهذه الطريقة هي أمرٌ جديدٌ نسبياً على NATO، ولدى الحلف الكثير ليتعلّمه" وفق المسؤول نفسه.
NATO أمام اختبار عقيدي
الدكتورة Marina Miron من قسم الدراسات الدفاعية في King's College London ترى أن الأزمة تتجاوز مسألة الأسلحة والتجهيزات. تقول: "التكيّف على صعيد الإنتاج وسلاسل الإمداد واللوجستيات والعقيدة العسكرية هو ركيزةٌ أساسية في أي استراتيجية"، لكنّها تُضيف بنبرة تحذيرية: "NATO متأخّرٌ كثيراً في ما يخصّ الاستعداد للتعامل مع هذه التحوّلات". والأخطر من ذلك، وفق تحليلها، أن المعضلة ليست تقنية بحتة: "الأمر لا يتعلّق فقط ببناء منظومات دفاع ضد الطائرات المسيّرة، بل بإعادة التفكير في العقيدة العسكرية بأسرها".
وتُحدّد Miron طبيعة التهديد القادم بدقّة: "احتمال نشوب حرب تقليدية يبقى منخفضاً، لكن ما سيواجهه NATO هو 'أحداث' تبقى دون عتبة الحرب" داخل أراضي الدول الأعضاء. وهذا بالضبط ما يجعل الردّ صعباً: فالمادة الخامسة من ميثاق NATO، التي تنصّ على أن الهجوم على دولةٍ عضو يُعدّ هجوماً على الجميع، مُصمَّمة للحروب الصريحة، لا لطائرةٍ مسيّرة تُغرق في بحر البلطيق.
بين التصعيد والاستسلام
ليس أمام NATO خيارٌ سهل. المسؤول الأوروبي الرفيع يُلخّص المعضلة في جملة واحدة: "المبالغة في ردّ الفعل ليست مفيدة، لكن تحويل الخدّ الآخر ليست مفيدةً هي الأخرى". وهذا التوازن الدقيق بين الردع والتهدئة هو ما أخفق فيه الروس أنفسهم مرةً واحدة على الأقل: ففي عام 2018 في سوريا، أدّى هجوم شنّه مرتزقة Wagner على مواقع أمريكية إلى ردٍّ عسكري أمريكي حادّ، وهو ما أثبت أن الحسابات الروسية ليست معصومة من الخطأ.
السؤال الذي تتداوله العواصم الأوروبية اليوم ليس "هل ستتصاعد الأمور؟" بل "متى ستُخطئ موسكو في تقدير الخطّ الفاصل، وماذا سيحدث حينئذٍ؟" وفي غياب عقيدة واضحة ومُحدَّثة لدى الحلف، قد يكون الجواب رهيناً بلحظة لا يتحكّم فيها أحد.
أخبار ذات صلة

الشرطة الإيطالية تكتشف 3.6 مليون دولار مخبأة في جدران وأرضيات شقة

مكسيكو تستجيب لمقتل إسبانية بسرعة... لكن ماذا عن ضحاياها النساء؟

أوروبا تستعدّ للصراع الأوسع: ما وراء أوكرانيا
