انتخابات روسيا بين وهم الديمقراطية وسيطرة النظام
في انتخابات روسية تفتقد المنافسة الحقيقية تغيب المعارضة وتُستخدم الحرب لتعزيز الولاء للنظام. ناخبون يعبرون عن أملهم بالسلام وسط نظام سياسي لا يترك مجالاً للديمقراطية الحقيقية خَبَرَيْن

ثمّة لحظةٌ كاشفة حدثت في مدينة ريازان، على بُعد 122 ميلاً جنوب شرق موسكو، حين وقفت مذيعة قناة Russia-1 الحكومية إليزافيتا دوروخينا أمام ثلاثة منابر فارغة وأعلنت ببساطة: «المرشّحون لم يحضروا إلى الاستوديو، لذا سأودّعكم الآن». الستة المرشّحون المسجّلون في الدائرة لم يُكلّفوا أنفسهم عناء الحضور. لم يكن غيابهم احتجاجاً، ولا إهمالاً — بل كان، على الأرجح، فهماً عميقاً لطبيعة اللعبة التي يُشاركون فيها: انتخاباتٌ لا تُقرّر شيئاً، في نظامٍ لا يحتاج إلى نقاش.
في سبتمبر 2023، تجري روسيا انتخاباتها البرلمانية لاختيار 450 عضواً في مجلس الدوما، إلى جانب رؤساء مناطق وبلديات، على مدى ثلاثة أيام. والمشهد في ظاهره ديمقراطي: صناديق اقتراع، ومرشّحون، وكاميرات. غير أنّ قراءةً أعمق تكشف أنّ هذه الانتخابات لا تُنتج قراراً سياسياً بقدر ما تُنتج صورةً للشرعية — والفارق بين الأمرين جوهري.
حين تُحارَب المعارضة قبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع
لنمنح الحجّة المقابلة فرصتها: قد يقول قائلٌ إنّ وجود أحزاب متعدّدة وانتخابات دورية دليلٌ على هامشٍ ما من التنافسية. غير أنّ هذا الاستدلال يتهاوى حين نعلم أنّ حزب Yabloko — الحزب الليبرالي المسجّل الوحيد المعارض للحرب في روسيا — جرى حظره بقرار من المحكمة العليا قبل أسابيع من الانتخابات، بعد أن كان قد سجّل مئات المرشّحين. الذريعة القانونية جاءت عبر دعوى رفعها حزب «رودينا» القومي الموالي للكرملين، بتهم التمويل الأجنبي وانتهاك حقوق الملكية الفكرية.
غريغوري يافلينسكي، المؤسّس المشارك لـ Yabloko، لا يُخفي قراءته للحادثة: «لم يكن بوتين مستعداً للوضع الذي أبدى فيه حزبٌ ليبرالي ديمقراطي كـ Yabloko دعماً شعبياً بهذا الحجم في البلاد». ويذهب أبعد من ذلك في تشخيصه البنيوي: «ليس لدينا ديمقراطية في روسيا بعد. بدأنا إصلاحاتنا قبل 30 عاماً لكنّنا فشلنا فشلاً تاماً، ولهذا لدينا نظامٌ استبدادي غير مستعدٍّ للانتخابات الديمقراطية». أمّا عن طبيعة المشاركين في هذه الانتخابات، فيختصرها بجملةٍ واحدة: «من يُسمح لهم بالترشّح يدعمون بنسبة 100% الخطّ السياسي الراهن للكرملين».
المحلّل السياسي المقيم في موسكو أندريه كوليسنيكوف يُقدّم توصيفاً أدقّ للبنية الكاملة: «النظام السياسي الروسي نظامٌ صارم، شخصانيّ، تؤدّي فيه المؤسسات دوراً تمثيلياً لا حقيقياً». وفي تحليله لوظيفة الانتخابات ذاتها، يقول: «الانتخابات لا تؤثّر البتّة في طبيعة السياسة التي تُقرَّر مسبقاً. غرضها الرئيسي هو إظهار 'تأثير الأغلبية' للرأي العام: الجميع 'مع' سياسات بوتين، ومن يعارضها منبوذٌ وعدوّ».
الحرب داخل صندوق الاقتراع
ما يُميّز الانتخابات عن سابقاتها هو حضور الحرب بوصفها مادةً انتخابية لا خلفيةً بعيدة. تشمل الانتخابات المناطق الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا: القرم، ودونيتسك، ولوهانسك، وخيرسون، وزاباروجيا — وهي مناطق لا تعترف كييف ولا المجتمع الدولي بضمّها. في المقابل، يحظر الدستور الأوكراني إجراء انتخابات في زمن الأحكام العرفية، وقد وصف الرئيس فولوديمير زيلينسكي إجراء انتخابات في ظلّ الحرب بأنّه أمرٌ مستحيل.
على الجانب الروسي، يُرشَّح 186 من محاربي الحرب في أوكرانيا لمقاعد في مجلس الدوما، فيما يتنافس أكثر من 1,500 من قدامى المحاربين على مناصب إقليمية وبلدية. وفي عام 2024، أطلق بوتين برنامج «زمن الأبطال» لتدريب المحاربين على تولّي أدوار حكومية — وهو ما يمكن قراءته بوصفه إعادة هيكلةٍ للطبقة السياسية عبر بوّابة الولاء العسكري.
في الداخل الروسي، تُلقي الحرب بظلالها على الحياة اليومية: هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على الأراضي الروسية أفضت إلى نقصٍ في الوقود وعطّلت تجارة التجزئة الإلكترونية. وتتداول وسائل التواصل الاجتماعي شائعاتٍ عن تعبئة عسكرية محتملة في أعقاب الانتخابات، وإن كان الكرملين يُنكر ذلك.
أصواتٌ من الشارع الروسي
الناخبون الروس الذين يُدلون بأصواتهم في ظلّ هذا المناخ يحملون مشاعر مركّبة. رايسا، إحدى ناخبات موسكو، تُعبّر بصدقٍ عمّا تتمنّاه: «ربّما سأقول ما يقوله كثيرون: السلام. أريد حقاً أن ينتهي كلّ هذا». أمّا مارينا ألكساندروفنا، البالغة من العمر 73 عاماً، فتستحضر مقولةً تُلخّص شكوكها: «ليس من يُصوّت هو المهمّ، بل من يعدّ الأصوات». وأوليغ، البالغ 63 عاماً، يُعبّر عن أملٍ أكثر هدوءاً: «آمل في بعض الاستقرار للناس العاديين... وأن تتحسّن علاقاتنا مع الناس الطيّبين في الخارج، في الغرب والشرق على حدٍّ سواء».
لتحفيز المشاركة، تُقدّم سلطات موسكو نقاطاً مجزية لمن يُصوّت إلكترونياً عبر الإنترنت أو عبر أجهزة الطرفيات الإلكترونية — وهو نظامٌ يواجه انتقاداتٍ واسعة بسبب افتقاره إلى الشفافية.
ما الذي تُشرعنه هذه الانتخابات فعلاً؟
يختتم كوليسنيكوف تحليله بتحذيرٍ يتجاوز الانتخابات نفسها: «ستُقدَّم الانتخابات باعتبارها مزيداً من الشرعية للعملية العسكرية الخاصة، وللقمع السياسي الداخلي الأشدّ وحشيةً، وللقيود المفروضة على حقوق المواطنين، والتي باتت أشدّ قسوةً ممّا شهدناه في أواخر الحقبة السوفيتية».
يافلينسكي بدوره لا يُفصل السياسة الداخلية عن المشهد الدولي، ويطرح رؤيةً تبدو في السياق الراهن شبه مستحيلة: «يجب على موسكو أن تجد لغةً مشتركة مع أوروبا، مع أوكرانيا، مع الولايات المتحدة، لأنّ هذا هو الطريق الوحيد إلى الأمام. من الضروري تفادي احتمال نشوب حرب نووية».
الانتخابات ليست سؤالاً عن من سيحكم — فحزب United Russia الداعم لبوتين مُرجَّحٌ للفوز بالأغلبية كما هو متوقّع. السؤال الحقيقي هو: ما الثمن الذي يدفعه المجتمع الروسي مقابل هذا المشهد من الاستقرار المُصطنع؟ وهل يمكن لنظامٍ وصفه كوليسنيكوف بأنّه «شخصانيّ صارم بمؤسسات تمثيلية» أن يُنتج يوماً ما قرارات تُغيّر مسار حربٍ دخلت عامها الثاني؟ الأرجح أنّ الإجابة لن تأتي من صناديق الاقتراع.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
