الانتخابات الروسية بين التفويض السياسي والتعبئة العسكرية
في انتخابات روسيا البرلمانية فاز حزب بوتين بنتيجة متوقعة وسط غياب المعارضة وتوسع جغرافي يشمل الأراضي المحتلة. السؤال الأهم هل سيستخدم الكرملين هذا التفويض لتعبئة عسكرية جديدة أم لتجنيد ناعم عبر قدامى المحاربين خَبَرَيْن

ثمّة مسلّمةٌ يتكرّر تداولها كلّما جرت انتخاباتٌ في نظامٍ استبداديّ: إنّها مجرّد مسرحيةٍ لا تستحقّ التحليل، لأنّ نتيجتها معروفةٌ سلفاً. والحقّ أنّ هذه المسلّمة تحمل قدراً كبيراً من الصواب حين يتعلّق الأمر بروسيا اليوم. لكنّ الاكتفاء بها يُغلق الباب أمام سؤالٍ أكثر إلحاحاً: ما الذي يفعله الكرملين بهذا الانتصار المضمون بعد أن يحصل عليه؟ فالفارق بين نتيجةٍ متوقَّعة وتَبعاتها السياسية هو بالضبط ما يستحقّ التوقّف عنده.
انتصارٌ لم يكن مفاجئاً لأحد
فاز حزب "روسيا الموحّدة" (United Russia)، الحزب الحاكم الداعم بقوّة للرئيس فلاديمير بوتين ولحرب موسكو في أوكرانيا، بنتيجةٍ ساحقة في أوّل انتخاباتٍ برلمانيةٍ تشهدها روسيا منذ عام 2021. جرى الاقتراع عبر المناطق الزمنية الإحدى عشرة للبلاد، وامتدّ ليشمل حتى المناطق الأوكرانية المضمومة التي تحتلّها القوّات الروسية وهو تفصيلٌ ليس بريئاً، بل جزءٌ من رسالةٍ سياسية مفادها أنّ هذه الأراضي باتت، في نظر موسكو، جزءاً لا يتجزّأ من الجغرافيا الانتخابية الروسية.
لم يكن الفوز مفاجئاً لسببٍ بسيط: فقد جرى تحييد المعارضة الحقيقية داخل الكرملين على مدى السنوات الأخيرة، ومُنع حزب "يابلوكو" (Yabloko)، آخر حزبٍ معارضٍ للحرب باقٍ على الساحة، من المشاركة أصلاً. حين تُغلَق كلّ الأبواب البديلة، لا تصبح النتيجة انتخاباً بالمعنى التقليدي، بل استفتاءً على الولاء. وقد استبق بوتين التصويت بالتنبّؤ بوحدةٍ وطنية، قائلاً إنّ "ملايين الناس يدعمون مقاتلينا" وهي عبارةٌ لا تصف واقعاً انتخابياً بقدر ما تُنتِج شرعيةً يحتاجها لتبرير ما هو آتٍ.
روسيا وأوكرانيا: عرضان متناقضان للشرعية
استغلّت موسكو إجراء الانتخابات في زمن الحرب لرسم تباينٍ متعمَّد مع كييف، التي يمنع دستورها إجراء انتخاباتٍ في ظلّ الأحكام العرفية. وقد انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الحظر الدستوري الأوكراني وهو انتقادٌ يضع واشنطن، ولو جزئياً، في موقعٍ يخدم السردية الروسية القائلة بأنّ الحياة السياسية داخل روسيا أكثر "طبيعية" من نظيرتها الأوكرانية في زمن الحرب.
لكنّ هذا التباين، إذا ما فُحص بعناية، يكشف عن مفارقةٍ لا تخدم موسكو بالضرورة: فبينما كانت صناديق الاقتراع تُفتَح في روسيا، كانت منطقة موسكو نفسها تتعرّض لأكبر موجة هجماتٍ بطائراتٍ مسيّرة أوكرانية في تاريخها، إذ تصاعدت الضربات الأوكرانية بشدّة خلال عطلة نهاية الأسبوع التي جرى فيها التصويت. الانتخابات، إذن، لم تُجرَ في فراغٍ آمن، بل في قلب حربٍ تتوسّع جغرافياً حتى داخل العمق الروسي.
السؤال الحقيقي: هل يُترجَم "التفويض" إلى تعبئةٍ جديدة؟
هنا يكمن جوهر القلق الذي يستحقّ التحليل الجادّ، لا العابر: تواجه روسيا خسائر بشريةً متصاعدةً على الجبهات، إلى جانب ضائقةٍ اقتصاديةٍ متفاقمة وقلقٍ شعبيّ متزايد. ومع ذلك، يُصرّ الكرملين على مواصلة أهدافه العسكرية في أوكرانيا مهما كانت الكلفة. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يستخدم الكرملين هذا "التفويض" الانتخابي المُتجدِّد لتبرير تعبئةٍ عسكريةٍ إجبارية؟
القياس التاريخي هنا مفيد، وإن كان محفوفاً بالمخاطر. ففي سبتمبر 2022، أجرت روسيا تعبئةً جزئية شملت نحو 300 ألف رجل، وهي الخطوة التي أثارت غضباً واسعاً في الشارع الروسي، ودفعت مئات الآلاف إلى الفرار عبر معابر حدوديةٍ مكتظّة هرباً من التجنيد. ردّ الكرملين حينها بتشديد الرقابة على الحدود، وهو إجراءٌ ما زال قائماً حتى اليوم. لكن بوتين نفى، من جهته، وجود أيّ خطّةٍ لتعبئةٍ عامة، ووصف المخاوف المتصاعدة حول هذا الاحتمال بأنّها "هراءٌ تامّ" و"هجومٌ إعلاميّ على روسيا".
هل يعني هذا النفي أنّ الاحتمال مستبعد؟ ليس بالضرورة. فالتصريحات الرسمية في الأنظمة المركزية غالباً ما تُقاس بتوقيتها لا بحرفيّتها، وسابقة عام 2022 تُذكّرنا بأنّ الكرملين لجأ إلى التعبئة حين احتاج إليها فعلياً، بصرف النظر عمّا قيل قبلها. ومع ذلك، فإنّ الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنّ تكرار سيناريو 2022 حرفياً ليس مؤكَّداً، إذ يملك الكرملين اليوم أداةً بديلة قد يفضّلها.
الأبطال المُنتخَبون كأداة تجنيدٍ ناعمة
فاز 49 من قدامى المحاربين في حرب أوكرانيا بمقاعد في هذه الانتخابات، وهو رقمٌ لا يُقرأ بمعزلٍ عن السياق. فمن المرجّح أن يستخدم الكرملين انتصارات هؤلاء المحاربين كأداةٍ لتشجيع التجنيد الطوعي، بدلاً من اللجوء إلى تعبئةٍ إجبارية قد تُعيد إنتاج غضب 2022 وفوضاه. هذا الخيار يحمل منطقاً استراتيجياً واضحاً: تجنيدٌ يُقدَّم كاختيارٍ وطنيّ نابعٍ من نموذجٍ يُحتذى به، لا كأمرٍ قسريّ يُذكِّر المواطنين بمرارة الهروب عبر الحدود المزدحمة قبل ثلاث سنوات.
لكنّ بعض الرجال الروس في سنّ الخدمة العسكرية لا ينتظرون لمعرفة أيّ السيناريوهين سيتحقّق؛ فهم يغادرون البلاد استباقياً، في مؤشّرٍ على أنّ الثقة بتصريحات النفي الرسمية محدودةٌ حتى داخل روسيا نفسها.
ما الذي ينبغي أن يُعاد النظر فيه؟
الخلاصة التي ينبغي للقارئ أن يتوقّف عندها ليست أنّ الانتخابات "زائفة" فهذا أمرٌ متّفقٌ عليه سلفاً ولا يحتاج جدلاً. الخلاصة الأدقّ هي أنّ الفوز المضمون لحزب "روسيا الموحّدة" ليس نهاية القصة، بل مقدّمتها: فهو يمنح الكرملين غطاءً سياسياً لمواصلة الحرب، سواء عبر ضغطٍ عسكريٍّ متجدّد في أوكرانيا، أو عبر جهود تجنيدٍ أكثر سهولة يقودها نموذج المحاربين القدامى، أو عبر تشديد الضوابط الاجتماعية والاقتصادية في الداخل. أيّ هذه المسارات سيُختار، أو أيّها سيُمزَج بالآخر، سيتوقّف على معادلةٍ لا تحكمها صناديق الاقتراع، بل موازين الخسائر البشرية والاقتصادية التي لا تُخفيها التعبئة الإعلامية مهما بلغت إتقانها.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
