ارتفاع السكتة الدماغية بين الشباب خطر يهدد حياتهم
ارتفاع مقلق في معدلات السكتة الدماغية بين الشباب 20-54 عاماً بأميركا مع تزايد عوامل الخطر مثل ضغط الدم والسكري وتعاطي الماريجوانا. دراسة تكشف تحديات جديدة للصحة وتدعو للوعي المبكر بخطر السكتة خَبَرَيْن

عندما يفكّر معظمنا في السكتة الدماغية، يتبادر إلى الذهن كِبار السن غالباً لا شابٌّ في الثلاثين من عمره لا يزال يبني حياته المهنية أو يُربّي أطفاله. لكنّ دراسةً أميركية جديدة تكسر هذه الصورة النمطية: معدّلات الإصابة بالسكتة الدماغية بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و54 عاماً تضاعفت تقريباً خلال العقود الثلاثة الماضية في منطقة سينسيناتي الكبرى وشمال ولاية كنتاكي الأميركيتَين. والأخطر أنّ الباحثين أنفسهم يقولون إنّ ارتفاع عوامل الخطر التقليدية "قد يكون جزءاً من القصة"، لا القصة كاملةً.
ما الذي تكشفه الأرقام؟
تتبّعت الدراسة، التي نُشرت يوم الأربعاء في مجلّة Neurology، سجلّات المصابين بسكتاتٍ دماغية للمرّة الأولى في منطقة سينسيناتي الكبرى وشمال كنتاكي على مدى 27 عاماً، من 1993 حتى 2020. رصد الباحثون خلال هذه الفترة 2,076 حالة سكتة دماغية أولى بين البالغين من الفئة العمرية 20-54 عاماً، شكّل الأشخاص السود منها 738 حالة، أي 35.6%، بينما بلغت نسبة الإناث 1,030 حالة، أي 49.6% من الإجمالي.
الأرقام المُقارَنة بين 1993-1994 و2020 هي الأكثر دلالة: ارتفع معدّل الإصابة من 33.9 حالة إلى 62.2 حالة لكلّ 100,000 شخص أي أنّ الاحتمال يكاد يتضاعف. الدافع الرئيسي وراء هذا الارتفاع، بحسب الدراسة، هو السكتات الدماغية الإقفارية (Ischemic Stroke)، وهي النوع الأكثر شيوعاً من السكتات، وتحدث عندما يُسدّ تدفّق الدم عن جزءٍ من الدماغ. ولافتٌ أيضاً أنّ نسبة الناجين من السكتة ارتفعت قليلاً، وهو ما قد يعني، مع مرور الوقت، ازدياد أعداد من يعيشون مع إعاقاتٍ طويلة الأمد ناتجة عن السكتة.
يصف الدكتور David Robinson، المؤلّف الرئيسي للدراسة والأستاذ المساعد في جامعة سينسيناتي، خطورة الأمر بوضوح: "السكتة الدماغية مرضٌ مدمّرٌ للغاية في أي عمر. وهي مدمّرة بشكلٍ خاص عندما تصيب الأصغر سناً". ويضيف: "الإعاقة التي قد تنتج عن السكتة يمكن أن تجعل كلّ ما تحتاج إلى فعله لتعيش حياتك أصعب بكثير".
لماذا يرتفع الخطر عند الشباب؟
حاول الباحثون تفسير هذا الارتفاع عبر تتبّع عوامل الخطر القلبية الوعائية التقليدية بين المرضى أنفسهم خلال فترة الدراسة. النتائج كانت لافتة: ارتفعت نسبة الإصابة بارتفاع ضغط الدم من 47% إلى 60%، وارتفعت نسبة السكري من 19% إلى 26%، وارتفعت نسبة الرجفان الأذيني (Atrial Fibrillation) من 1% فقط إلى 6%. أمّا الأكثر إثارةً للانتباه فهو القفزة في تعاطي المواد، من 5% إلى 40%، وهي زيادة عزاها الباحثون في معظمها إلى تعاطي الماريجوانا.
لكن هنا تكمن نقطة الحذر المنهجي التي لا يجوز تجاهلها: لم تتوفّر بيانات مقارنة من أشخاصٍ لم يُصابوا بالسكتة لمعرفة ما إذا كانت هذه العوامل ارتفعت بالقدر نفسه في عموم السكّان أم لا. والأهمّ أنّ كبار السن أظهروا اتجاهات مماثلة في عوامل الخطر هذه، لكن أعداد السكتات لديهم لم ترتفع. هذا التناقض يدفع الدكتور Robinson إلى التصريح بصراحةٍ علمية: "قد يكون هذا جزءاً من القصة، لكنّني لا أعتقد أنّه القصة كاملةً هنا". ويتابع: "أتوقّع ألّا تكون هناك إجابة واحدة من بين هذه العوامل، بل أشياء عديدة مختلفة تعمل معاً للمساهمة في هذا الارتفاع".
ويعلّق الدكتور Christopher Anderson، رئيس قسم السكتة الدماغية في Mass General Brigham والتابع لكلّية الطب بجامعة Harvard، والذي لم يشارك في الدراسة، على أهمّية تعميم النتائج قائلاً: "المهمّ هنا أنّ هذا الارتفاع الدراماتيكي في معدّلات السكتة يظهر في مجتمعٍ يمثّل من حيث الخلفية العرقية والوضع الاجتماعي الاقتصادي والمستوى التعليمي تركيبة السكّان الأميركيين عموماً، ما يجعل هذه النتائج أكثر قابليةً للتعميم على مستوى البلاد". ويضيف تحذيراً يستحقّ التوقّف عنده: "ينبغي أن يدرك الشباب أنّه حتى في مرحلة الشباب ومنتصف العمر، فإنّ التوتّر الشديد والنظام الغذائي غير الصحي والحرمان من النوم ونمط الحياة الخامل لها تأثيراتٌ حقيقية وقابلة للقياس على خطر الإصابة بأمراضٍ مثل السكتة الدماغية. للأسف، لا يحتاج هذا الخطر المتراكم إلى الانتظار حتى سنّ التقاعد ليُحدث أثراً دراماتيكياً على صحة الإنسان".
من جهتها، تضع الدكتورة Michelle Leppert، أخصائية طب الأعصاب الوعائية في Tufts Medical Center والتي لم تشارك أيضاً في الدراسة، الأرقام في سياقها الصحيح دون تهويل: "الأرقام الخام ليست عالية جداً بعد. لكن ما أقوله هو إنّنا بحاجة إلى البدء باستثمار الوقت والمال لفهم هذا السؤال، لأنّه سؤالٌ لن يزول، وهو مشكلة لا تتحسّن". وتشير Leppert إلى أنّ السكتة الدماغية لا تزال نادرة نسبياً بين البالغين الشباب، وهو تذكيرٌ مهمّ يمنع القارئ من الشعور بقلقٍ غير متناسب مع حجم الخطر الفعلي.
النساء الشابات في دائرة انتباه خاصّة
من النتائج التي تستحقّ تسليط الضوء عليها أنّ السكتة الدماغية أكثر شيوعاً بين النساء الشابات مقارنةً بالرجال الشباب. ولهذا السبب، يوصي الباحثون النساء بمراقبة ضغط الدم عن كثبٍ أثناء الحمل وبعده. كما يُنصح النساء الشابات اللواتي يعانين من الصداع النصفي (Migraine) المصحوب باضطراباتٍ بصرية باستشارة الطبيب بشأن حبوب منع الحمل المحتوية على الإستروجين، إذ قد يكون لهذا المزيج تأثيرٌ على خطر السكتة.
كيف نخفض الخطر مبكراً؟
يتّفق الأطبّاء الثلاثة على أنّ نقطة التدخّل الأولى تبقى المعروفة أصلاً: خفض عوامل الخطر القلبية الوعائية. يقول الدكتور Robinson: "من ناحية كيفية التدخّل في هذا وتقليله؟ أعتقد أنّ الأمر سيبدأ بما نعرفه جيداً، وهو خفض عوامل الخطر القلبية الوعائية". فالسمنة وارتفاع الكوليسترول يمكن أن يزيدا من احتمال الإصابة بالسكتة، وكذلك نمط الحياة الخامل الذي يُسهم في رفع الخطر بشكلٍ ملموس.
من الناحية العملية، توصي الجمعية الأميركية للقلب (American Heart Association) بقائمة تُعرف باسم "Essential 8" لخفض المخاطر القلبية الوعائية، وتشمل توصياتٍ عامة يمكن تلخيصها في: تناول غذاءٍ صحّي، ممارسة النشاط البدني بانتظام، تجنّب التبغ، الحصول على نومٍ جيّد، وإدارة الوزن ومستويات الكوليسترول وضغط الدم والسكر في الدم. وينصح الأطباء الشباب بضرورة تأسيس علاقةٍ مع طبيب رعايةٍ أولية لإجراء فحوصات دورية لعوامل الخطر القلبية الوعائية، فالفحوصات السنوية يمكن أن تكشف مبكراً عن أفرادٍ من فئة الشباب معرّضين لخطر السكتة.
يختصر الدكتور Robinson فلسفة الوقاية بجملةٍ بسيطة: "من المهمّ أن نبدأ بالتفكير في صحّة القلب والأوعية الدموية عندما نكون أصغر سناً، لأنّنا على الأرجح نملك أفضل فرصةٍ للتدخّل وتقليل النتائج السيّئة إذا اكتشفنا الأمر مبكراً". ويضيف في موضعٍ آخر: "معرفة أنّ هذا ممكن أنّ السكتة الدماغية لا تحدث فقط لكبار السن، بل يمكن أن تحدث للشباب أيضاً وأنّ هناك طرقاً يمكننا من خلالها بذل قصارى جهدنا لمحاولة منع ذلك، هي رسالةٌ مهمّة حقاً يجب أن نأخذها معنا".
تبقى السكتة الدماغية، كما تذكّرنا الدكتورة Leppert، نادرة نسبياً بين البالغين الشباب مقارنةً بكبار السن، وهذا لا يُقلّل من جدّية الاتجاه الذي رصدته الدراسة، بل يضعه في حجمه الصحيح. فالسؤال الذي يطرحه الباحثون أنفسهم لم يُحسَم بعد: هل يكفي تفسير الارتفاع بزيادة عوامل الخطر التقليدية والتعاطي، أم أنّ هناك عوامل أخرى بيئية أو اجتماعية أو سلوكية لا تزال غير مفهومة، وتستحقّ مزيداً من الأبحاث والتمويل قبل أن يتحوّل هذا الاتجاه من ظاهرةٍ مثيرة للقلق إلى أزمةٍ صحية عامة فعلية؟
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
