الجمهوريون بين القلق والتحدي في كارولينا وجورجيا
خَبَرَيْن يكشف قلق الجمهوريين من تراجع فرص الفوز في كارولينا الشمالية وجورجيا رغم نفي رسمي بترك الولايتين. معارك انتخابية صعبة تستدعي إعادة تقييم استراتيجيات الحملة والموارد لضمان السيطرة على مجلس الشيوخ.

في اجتماعٍ مغلق لأعضاء الكتلة الجمهورية في مجلس الشيوخ الأمريكي، طُرح سؤالٌ لم يعد يحتمل التأجيل: هل ينبغي أن يستمر الحزب في ضخّ الأموال في ولايتَي كارولينا الشمالية وجورجيا، أم أنّ الوقت حان لإعادة توزيع الموارد نحو معاركَ أكثر قابليةً للفوز؟ الجواب الرسمي جاء حاسماً على لسان رئيس اللجنة الوطنية الجمهورية لمجلس الشيوخ (NRSC)، تيم سكوت، الذي نفى الخميس أن يكون الحزب قد بدأ يتخلّى عن الولايتَين، واصفاً أيّ حديثٍ عن ذلك بأنّه محض "هراء" (Hogwash!). لكنّ النفي العلني لم يبدّد قلقاً بات يتردّد في أروقة الحزب منذ أسابيع، بعدما أقرّ أكثر من اثني عشر مسؤولاً حملياً وسيناتوراً ومستشاراً انتخابياً بأنّ فرص فوز مرشّحَي الحزب في الولايتَين آخذة في التراجع.
القلق يتمحور حول سباقَين كانا يُعدّان حتى وقتٍ قريب من أهمّ الركائز التي يعوّل عليها الجمهوريون للاحتفاظ بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ: مرشّح كارولينا الشمالية مايكل واتلي، المتأخّر في استطلاعات الرأي أمام الحاكم السابق روي كوبر، ومرشّح جورجيا مايك كولينز، المتأخّر أمام السيناتور الديمقراطي جون أوسوف. وإذا خسر الجمهوريون مقعد كارولينا الشمالية وحده، فسيكون ذلك أحد التحوّلات الأربعة التي يحتاجها الديمقراطيون لقلب موازين المجلس لصالحهم.
لماذا يتراجع الحماس في كارولينا الشمالية؟
كارولينا الشمالية ليست ولايةً هامشية بالنسبة للجمهوريين؛ فقد فاز فيها دونالد ترامب ثلاث مرّات متتالية، بفارق 3 نقاط مئوية في انتخابات 2024 وحدها. وهي، بحسب قناعة راسخة داخل الحزب، من الولايات التي "تحسم متأخّرة"، أي أنّ نتائجها قد تتغيّر في الأسابيع الأخيرة من السباق. لكنّ هذه القناعة لم تمنع علامات القلق من التسرّب إلى العلن: صندوق الدعاية الانتخابية "Old North Action" خفّض حجوزاته الإعلانية في الولاية بنحو الثلث الأسبوع الماضي، في مؤشّرٍ على إعادة تقييمٍ داخلية لجدوى الإنفاق هناك.
استراتيجي جمهوري في الولاية، فضّل عدم الكشف عن هويته، لخّص الإحباط بعبارةٍ صريحة: "لا أعرف ما هو الطريق أمام مايكل. هذا ما سأقوله فقط. إلا إذا تعثّر كوبر تعثّراً كاملاً". ووصف الاستطلاعات بأنّها "قاسية للغاية"، مضيفاً بشيءٍ من المفارقة: "الشيء الجيّد هو أنّ الجمهوريين يتفوّقون دائماً على ما تُظهره الاستطلاعات. لكن ليس إلى هذا الحدّ أبداً".
الانتقادات لم تقتصر على الأرقام، بل طالت الاستراتيجية نفسها. إذ يرى مسؤولون جمهوريون محليّون أنّ حملة واتلي راهنت بشكلٍ مفرط على قضية الجريمة، بينما ركّز كوبر خطابه على القدرة الشرائية والقضايا الاقتصادية. يقول الاستراتيجي ذاته: "اعتقدت أنّ ملفّ الجريمة سيكون فعّالاً، وأنّ بعض الأمور السيّئة التي فعلها كوبر في منصبه ستلاحقه. كان ينبغي أن تكون رسالةً جيّدة جدّاً. لكن، لسببٍ ما، لا تجد صدى حتى الآن"، مضيفاً: "لا يفعلون شيئاً آخر. حتى حين جاء الرئيس، ركّز في الغالب على الجريمة. الأمر لا يلقى صدى، وينبغي أن نفعل شيئاً مختلفاً". وبالفعل، زار كلٌّ من ترامب ونائبه جيه دي فانس كارولينا الشمالية مؤخّراً لدعم المرشّح.
من جهته، لم يُخفِ واتلي، الذي سبق أن ترأّس الحزب الجمهوري في الولاية ثمّ اللجنة الوطنية الجمهورية، حاجته إلى دعمٍ خارجي، قائلاً هذا الأسبوع في مقابلةٍ إذاعية: "نحتاج بالتأكيد إلى أن تتدخّل المجموعات، مثل الحزب الجمهوري، وأن تكون داعمة... لأنّ الحزب الديمقراطي سيرسل مئات ملايين الدولارات إلى كارولينا الشمالية". وأضاف أنّه "يشعر بارتياحٍ كبير" لأنّ الموارد ستكون متوفّرة خلال الـ42 يوماً المقبلة لخوض هذه الحملة والفوز بها.
في المقابل، حذّرت حملة كوبر من أيّ استرخاءٍ ديمقراطي. يقول مدير حملته جيف ألن: "لم يفز ديمقراطي بمنصبٍ فيدرالي على مستوى الولاية هنا منذ ما يقارب عقدَين"، في إشارةٍ إلى صعوبة المهمّة رغم تقدّم كوبر في الاستطلاعات، مضيفاً أنّ "علاقات واتلي النخبوية في واشنطن تعني أنّ الجمهوريين سينفقون كلّ ما يلزم للحفاظ على هذا المقعد".
جورجيا: ناخبون مترددون وميزانية تلاحق الوقت
في جورجيا، تكشف مذكّرة داخلية لحملة مايك كولينز، مؤرَّخة يوم الاثنين، أنّ واحداً من كلّ عشرة ناخبين ما زال "غير محسوم" (still up for grabs)، وأنّ هؤلاء هم في معظمهم من ناخبي ترامب في انتخابات 2024 الذين يميلون حالياً لدعم مرشّح الحاكمية ريك جاكسون، الذي يخوض سباقاً أكثر تقارباً أمام الديمقراطية كيشا لانس بوتومز. وتقول المذكّرة: "ينبغي أن يصوّتوا لمايك كولينز، لكنّهم لا يفعلون ذلك بعد، أساساً لأنّه ليس لديهم رأيٌ راسخ فيه"، وتخلص إلى أنّ تكثيف الحملة الإعلانية قد يكون كفيلاً بإقناع هؤلاء الناخبين المترددين.
استجابةً لذلك، طلبت حملة كولينز مساعدةً خارجية إضافية، وحصلت على دعمٍ لافت: زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون تصدّر، إلى جانب حاكم جورجيا برايان كيمب، حفل تبرّعاتٍ لكولينز مساء الخميس في أتلانتا، جمع أكثر من 400,000 دولار. وبرّر ثون الحاجة الملحّة للتمويل بقوله: "أعتقد أنّ جزءاً من المشكلة هو أنّها ولاية كبيرة ومكلفة... ولدينا عضو في مجلس النواب يترشّح، ويحتاج إلى الكثير من المال ليصبح معروفاً"، مضيفاً: "أعتقد أنّه بمجرّد رفع نسبة التعريف بالاسم، يمكنك خوض المقارنة". وأقرّ ثون بأنّ التحدّي لا يقتصر على جورجيا وحدها: "هناك رياحٌ معاكسة نواجهها في كلّ السباقات حول البلاد"، مؤكّداً أنّ الحزب "يبني جداراً كبيراً حول كلّ مرشّحيه".
في المقابل، يقول أوسوف إنّه لا يأخذ شيئاً كمسلَّمة، مشيراً إلى استمرار نشاطٍ ملحوظ للجان العمل السياسي الجمهورية الداعمة (Super PACs): "ما زلنا نشهد نشاطاً كبيراً للجان العمل السياسي الجمهورية"، ويضيف: "بالنسبة للمجموعات الوطنية وما شابه، في كلّ يوم أتصرّف وكأنّني متأخّر". وسط تكهّناتٍ متصاعدة حول مستقبله السياسي كمرشّحٍ محتمل للرئاسة في 2028، نفى أوسوف أيّ اهتمامٍ بذلك بعبارةٍ مقتضبة: "اهتمامي معدوم" (zero interest).
سباق تكساس يكشف عن انقسامٍ صامت في أولويات الإنفاق
بينما يجاهد كولينز وواتلي لكسب المزيد من الدعم، اختارت مجموعة أخرى من قيادات الحزب توجيه أموالها إلى جبهاتٍ أخرى. فقد استضاف السيناتور عن تكساس جون كورنين، يوم الاثنين، حفل تبرّعاتٍ لمرشّحين جمهوريين في مجلس الشيوخ بمشاركة الرئيس السابق جورج بوش الابن، ضمّ مرشّحين من ألاسكا وأوهايو وميشيغان وآيوا ونيوهامبشير ومينيسوتا. وقد لوحظ غياب كلٍّ من كولينز وواتلي عن هذا الحفل، فيما استُبعد المرشّح كين باكستون، الذي كان قد هزم كورنين نفسه في الانتخابات التمهيدية هذا العام بعد دعمٍ متأخّر من ترامب لباكستون.
كورنين لم يُخفِ رؤيته البراغماتية للإنفاق الحزبي، قائلاً: "ها نحن، على بُعد 40 يوماً تقريباً؟ ولا أعتقد أنّ هناك الكثير مما يمكن فعله"، مضيفاً: "أعتقد أنّ الأمر سيتعلّق بمكان توجيه الموارد... لأنّني أعتقد أنّ المال سيذهب إلى مسافةٍ أبعد بكثير في تلك الأماكن". وذهب كورنين إلى ما هو أبعد من ذلك، مشكّكاً علناً في قدرة واتلي على قلب مسار حملته: "أعتقد أنّه لو كان توم تيليس على القائمة الانتخابية، لكانت الأمور مختلفة كثيراً، لكنّ الرئيس استهدفه بشكلٍ أساسي، والآن لدينا شخصٌ أقلّ شهرةً ويعاني".
هذا التصريح يعيد إلى الواجهة موقف السيناتور توم تيليس نفسه، الذي بات من أبرز الأصوات الداعية داخل الحزب إلى ترشيد الإنفاق وفق معيارٍ واحد: "تُنفق الأموال حيث نستطيع انتخاب جمهوريين"، قال تيليس، مضيفاً بلهجةٍ حازمة: "أريدهم أن يفعلوا ذلك الآن. أعني أنّك لا تنفق المال فقط لأنّك تريد مساعدة أحد". وتأتي هذه الدعوة في سياقٍ أوسع، إذ استثمرت المجموعات الجمهورية أكثر من 100 مليون دولار للدفاع عن مقاعد تكساس وحدها، بينما لم يتجاوز الإنفاق المنسّق للجنة الوطنية الجمهورية لمجلس الشيوخ حتى نهاية أغسطس 7.9 ملايين دولار في كارولينا الشمالية، و3.6 ملايين دولار في جورجيا.
تحوّلٌ قانوني قد يعيد رسم المعركة
في خلفية هذا الجدل، يقف تحوّلٌ قانونيٌّ ذو أثرٍ مباشر: قرارٌ للمحكمة العليا الأمريكية رفع القيود المفروضة سابقاً على الإنفاق المنسّق بين المرشّحين وأحزابهم، وهو ما منح اللجنة الوطنية الجمهورية مرونةً أكبر في توجيه الأموال نحو السباقات التي تراها الأكثر إلحاحاً. وقد استخدم الناطق باسم اللجنة الوطنية الجمهورية لمجلس الشيوخ، نيك بوغليا، هذه المرونة للتأكيد على استمرار الهجوم على سجلَّي كوبر وأوسوف، قائلاً إنّ اللجنة "ستواصل العمل على فضح سجلّاتهما اليسارية المتطرّفة من أجل تقاعدهما بشكلٍ دائم".
أمّا رئيس اللجنة تيم سكوت، فقد أصرّ خلال الاجتماع المغلق لأعضاء الكتلة الجمهورية على أنّ كولينز وواتلي يعملان بفعالية على تقليص الفارق في استطلاعات الرأي، رافضاً أيّ طرحٍ يوحي بتراجع أولوية الولايتَين، في تصريحٍ نشرته حسابه على منصة إكس.
بين تصريحات الطمأنة الرسمية وأرقام الاستطلاعات القاسية، تبقى الأسابيع الاثنان والأربعون المقبلة هي الفاصل الحقيقي. فكارولينا الشمالية، بتاريخها الطويل في حسم نتائجها في اللحظات الأخيرة، وجورجيا، بناخبيها المترددين الذين لم يتشكّل رأيهم بعد في كولينز، ستحدّدان معاً ما إذا كانت رهانات الحزب الجمهوري على هاتين الولايتَين ستُثمر، أم أنّ المال الذي يوجّهه قادته سيتّجه في النهاية، كما يقترح كورنين، إلى "أماكن أخرى" يرونها أكثر جدوى.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
