العمل عن بُعد والوحدة تحديات تحتاج حلولاً ذكية
العمل عن بُعد قد يزيد العزلة والضغوط النفسية خاصة لمن يعيشون وحدهم. العودة للمكتب ليست الحل السحري والتواصل الحقيقي هو المفتاح. اكتشف كيف يمكن لمساحات العمل المشتركة أن تُحسن تجربة العمل في خَبَرَيْن.

في عام 2020، وجد ملايين العمال أنفسهم فجأةً خلف شاشاتٍ في منازلهم، وقد بدا العمل عن بُعد في البداية وعداً بحياةٍ أكثر مرونةً وأقلّ إرهاقاً. لكنّ السنوات التي تلت كشفت عن وجهٍ آخر لهذا الترتيب — وجهٌ يُثير قلق الباحثين في الصحة النفسية، خاصّةً لمن يعيشون وحدهم.
ماثيو يورن، الذي يعمل عن بُعد قرب مدينة Portland بولاية Oregon منذ أبريل 2024 بما يصل إلى 75 ساعةً أسبوعياً، يصف تجربته بصراحة: "العزلة بهذا الشكل شيءٌ جديد ومختلف، وبالنسبة لشخصٍ اجتماعي بطبعه، قد تكون صعبةً أحياناً". ثمّ يُضيف بوعيٍ لافت: "لو كنت أعيش وحدي، أعتقد أنّ الأمر كان سيكون أسوأ بكثير، وكنت سأسعى إلى التواصل البشري أكثر ممّا أفعل الآن".
حين تُضاعف العزلة وطأة العمل المنزلي
تكشف دراسةٌ حللت أكثر من عقدٍ من بيانات المسوحات الوطنية — مقارنةً بين أصحاب الوظائف القابلة للعمل عن بُعد كالتسويق، وتلك التي تستلزم الحضور الجسدي كالجراحة — أنّ العمال عن بُعد الذين يسكنون وحدهم يقضون 25% من أيامهم دون أيّ تواصلٍ اجتماعي، وهو ضعف ما يُسجّله نظراؤهم في بيئات العمل الحضوري. والأكثر إثارةً للقلق أنّ الضائقة النفسية التي تفاقمت منذ الجائحة كانت مضاعفةً لدى من يسكنون وحدهم في الوظائف القابلة للعمل عن بُعد، مقارنةً بمن يتشاركون سكنهم مع آخرين.
هذه الأرقام لا تعني أنّ العمل عن بُعد ضارٌّ بالضرورة لكلّ شخص — فالدراسة رصديّة بطبيعتها، وتُظهر ارتباطاً إحصائياً لا علاقةً سببية مباشرة. لكنّها تضع الإصبع على جرحٍ حقيقي: غياب التواصل الاجتماعي المنتظم يترك أثراً نفسياً لا يمكن تجاهله.
العودة إلى المكتب ليست الحلّ السحري
في مواجهة هذه المعطيات، يميل كثيرٌ من المديرين التنفيذيين إلى الحلّ الأبسط ظاهرياً: إعادة الجميع إلى المكتب. وبحسب تقرير KPMG لعام 2024، فإنّ 86% من الرؤساء التنفيذيين سيُكافئون الموظفين الذين يقضون وقتاً أطول في المكتب. غير أنّ الباحثين يُحذّرون من تبسيطٍ مُخلّ.
تقول الدكتورة Constance Noonan Hadley، عالمة النفس التنظيمي ومؤسّسة معهد Institute for Life at Work: "هذا الطرح يفترض أنّك حين تذهب إلى المكتب ستجد بيئةً اجتماعية ذات معنىً ومُشبِعة". وتُكمل: "لا يمكنك أن تفترض أنّ شخصاً ما لمجرّد وجوده في المكتب يتواصل فعلاً مع بشرٍ آخرين". هذا ما تؤكّده أيضاً Tammy Allen، عالمة النفس في Tampa بولاية Florida.
بل إنّ الدكتورة Hadley تذهب إلى أبعد من ذلك، مُشيرةً إلى أنّ الإلزام بالعودة قد يُفاقم المشكلة لا يحلّها: "حين يفرض القادة شيئاً لا يريده الناس بوضوح ويُعبّرون عنه صراحةً، فإنّ ذلك قد يُعمّق الشعور بالوحدة".
وتدعم هذه التحفّظات بيانات Gallup الصادرة في نوفمبر 2023، التي تُظهر أنّ 61% من الموظفين الأمريكيين القادرين على العمل عن بُعد يُفضّلون نموذج العمل الهجين، فيما يُفضّل 33% العمل عن بُعد بالكامل، و6% فقط يختارون الحضور الكامل في المكتب. وتجدر الإشارة إلى أنّ بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي تُشير إلى ارتباط العمل عن بُعد بزيادةٍ في الإنتاجية.
الصورة ليست قاتمةً كلّياً
لا ينبغي قراءة هذه البيانات بمعزلٍ عن سياقها الأشمل. فـدراسةٌ نُشرت في يوليو 2023 في مجلّة Frontiers in Psychology شملت 7,700 عاملٍ في القطاع الصحّي، وجدت أنّ العمال عن بُعد في هذا القطاع سجّلوا أعلى مستويات الرفاه الإيجابي بين جميع المجموعات المُستطلَعة. كما أنّ دراسةً صدرت في مايو 2024 عبر Social Science Research Network أشارت إلى أنّ العمل عن بُعد قد يُقلّص فرص التوظيف المستقبلية للشباب — وهو بُعدٌ مهمٌّ يُضاف إلى الصورة.
أمّا Anika Farmer، المحامية في ترينيداد وتوباغو التي تعمل عن بُعد منذ عام 2020، فتُمثّل نموذجاً مغايراً: استثمرت الوقت الذي كانت تُضيعه في التنقّل اليومي في ممارسة الرياضة وتقنيات اليقظة الذهنية. "هذا يُحدث فارقاً كبيراً في مستويات التوتّر وفي كلّ شيء"، تقول.
التواصل الصغير بأثرٍ كبير
إذا كانت العودة إلى المكتب لا تضمن التواصل الاجتماعي المُشبِع، وكان العمل المنزلي يُخاطر بالعزلة، فأين يكمن الحلّ؟
تُشير الدكتورة Hadley إلى أنّ مساحات العمل المشترك (Coworking Spaces) تُمثّل بيئةً اجتماعية أكثر إشباعاً من المنزل والمكتب التقليدي على حدٍّ سواء، وذلك لخلوّها من ديناميكيات التنافس والتوتّر الوظيفي. وتُلخّص الفكرة بجملةٍ جوهرية: "لا يجب أن يكون ذلك بالضرورة في مكتبك".
وفي السياق ذاته، تُذكّرنا دراسةٌ نُشرت عام 2013 بأنّ التفاعلات الاجتماعية الصغيرة — كمحادثةٍ عابرة مع موظّف المقهى — تُعزّز الشعور بالانتماء وتُقلّل من وطأة العزلة. وهنا تكمن رسالةٌ عملية: التواصل الاجتماعي المُفيد لا يشترط بيئة العمل، بل يحتاج فقط إلى لحظاتٍ حقيقية مع بشرٍ آخرين.
السؤال الذي يظلّ مفتوحاً أمام الباحثين والمؤسسات على حدٍّ سواء هو: كيف نُصمّم بيئات عملٍ — سواءٌ أكانت مادّيةً أم رقمية — تُتيح الإنتاجية دون أن تُضحّي بالحاجة الإنسانية الأساسية إلى الشعور بأنّك مرئيٌّ ومُقدَّر؟ الإجابة لن تأتي من إلزامٍ بالحضور ولا من تمجيدٍ للعمل المنزلي، بل من فهمٍ أعمق لما يجعل التواصل الاجتماعي ذا معنىً فعليّ. وللعاملين عن بُعد الذين يشعرون بأعراض العزلة أو الضائقة النفسية، يبقى التشاور مع مختصٍّ في الصحة النفسية خطوةً لا غنى عنها.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
