صراع الهوية في كيبيك بين الاستقلال والحكومة الجديدة
حزب كيبيك يعود للسلطة بحكومة أقلية دون أغلبية واضحة للاستقلال وسط تراجع دعم الانفصال. هل هي رسالة رفض للحكومة الحالية أم بداية جديدة لحلم الاستقلال المؤجل؟ قراءة معمقة في واقع السياسة والهوية في كيبيك على خَبَرَيْن.

ثمّة فرضيّةٌ يسهل تصديقها عند قراءة عنوانٍ كهذا: حزبٌ انفصاليّ يفوز بانتخاباتٍ إقليمية متعهّداً بإجراء استفتاءٍ جديد على الاستقلال، فهذا دليلٌ على أنّ المدّ الانفصالي يتصاعد في كيبيك. غير أنّ تفحّص الأرقام والسياق يُنتج صورةً أكثر تعقيداً، بل ربّما معاكسة.
فاز حزب كيبيك (Parti Québécois) يوم الاثنين بالانتخابات الإقليمية في المقاطعة الكندية الناطقة بالفرنسية، لكنّه عاد إلى السلطة لأوّل مرة منذ أكثر من عقد دون أن يحقّق الأغلبية التي كان يطمح إليها. فبحسب العدّ النهائي للأصوات، كان الحزب في طريقه لنيل نحو 60 مقعداً من أصل 127 مقعداً في الجمعية الوطنية، في حين كان يحتاج إلى 64 مقعداً لتأمين أغلبيةٍ مريحة. هذا الفارق البسيط عدديّاً، لكنّه حاسمٌ سياسياً، يعني أنّ حكومة الأقلية المرتقبة ستحتاج إلى دعم المعارضة لتمرير تشريعاتها الأساسية واجتياز تصويتات الثقة.
هل هذا انتصارٌ للاستقلال أم رفضٌ للحكومة القائمة؟
الزعيم بول سان-بيير بلامندون (Paul St-Pierre Plamondon) أقرّ بنفسه بأنّ الناخبين حرموا حزبه من الأغلبية، قائلاً: "لقد انتخب سكان كيبيك حزب كيبيك طالبين منه العمل مع الأحزاب الأخرى، وقد سمعتُ هذه الرسالة." هذا التصريح، في ظاهره تواضعٌ سياسيّ معتاد، لكنّه في جوهره اعترافٌ بأنّ التفويض الشعبي لم يكن تفويضاً صريحاً لمشروع الاستقلال.
وهنا يأتي تفسير دانيال بيلاند (Daniel Béland)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماكغيل (McGill University) في مونتريال، ليقدّم قراءةً مختلفة جوهرياً عن الرواية الانفصالية: "لم تكن هذه انتخاباتٍ حول الاستقلال، فهو غير شعبيّ في كيبيك حالياً، بل كانت حول التخلّص من حكومة ائتلاف مستقبل كيبيك (Coalition Avenir Québec)، الحزب الحاكم منذ 2018." والشاهد الأقوى على هذا التفسير هو ما جرى لحزب الائتلاف نفسه: دخل الانتخابات بـ79 مقعداً، وخرج منها دون مقعدٍ واحد في الهيئة التشريعية، بينما خسرت زعيمته كريستين فريشيت (Christine Fréchette) مقعدها في تروا-ريفيير، ووصفت النتيجة بأنّها "نتيجةٌ صعبة" وتحمّلت مسؤوليتها.
لكن لنمنح الفرضية المقابلة فرصتها: أليس فوز حزبٍ انفصاليّ، أياً كانت دوافع الناخبين، خطوةً عملية نحو الاستفتاء، بصرف النظر عن نيّاتهم المعلنة؟ هذا صحيحٌ من الناحية الإجرائية، لكنّه يتجاهل أنّ التأييد الفعلي لفكرة الاستقلال، بحسب بيلاند، ما زال عند نحو 30 بالمئة، وهي نسبةٌ متدنّية قياساً بالمعايير التاريخية. والفارق بين تصويتٍ احتجاجيّ على أداء حكومة، وتفويضٍ شعبيّ حقيقيّ لمشروع انفصال، هو بالضبط ما يُحدّد ما إذا كان هذا الحدث نقطة تحوّل أم مجرّد إعادة توزيعٍ للمقاعد.
ظلّ 1995 الذي لم يغب
كيبيك، التي يبلغ عدد سكانها 9.1 مليون نسمة وتتحدّث الفرنسية بنسبة 80 بالمئة تقريباً، صوّتت مرّتين على الانفصال ورفضته في المرّتين، كانت آخرهما عام 1995 بفارقٍ ضئيلٍ للغاية. وهذا القياس التاريخي ليس تفصيلاً عابراً، بل هو الخلفية التي يجب أن تُقرأ في ضوئها كل وعودٍ جديدة باستفتاء: فالمقاطعة التي تتمتّع أصلاً باستقلاليةٍ واسعة تجبي ضرائب الدخل الخاصة بها، وتنتهج سياسات هجرةٍ تُفضّل الناطقين بالفرنسية، وتُعطي قوانينها الأولوية للغة الفرنسية على الإنجليزية لم تجد في كل هذا الاستقلال الداخلي ما يكفي لحسم الخيار النهائي قبل ثلاثة عقود، فلماذا نفترض أنّ الظروف نضجت الآن؟
سان-بيير بلامندون نفسه يبدو مدركاً لحساسية التوقيت، إذ أعلن أنّه سينتظر حتى لا يعود دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة قبل طرح الاستفتاء، واصفاً مشروع الاستقلال بأنّه "مسألة بقاء" ضروريةٌ للحفاظ على الهوية الفرنسية لكيبيك. وقال: "كيبيك تريد فقط أن توجد بذاتها مثل دول العالم الأخرى"، مضيفاً: "ما زلتُ أحلم وأتخيّل ذلك البلد... سيتحقّق ذلك الحلم يوماً ما." وفي محاولةٍ لطمأنة باقي الكنديين، أوضح: "مشروع الاستقلال لا يستهدف إقصاءكم"، و"كيبيك لن تُغيّر موقعها الجغرافي أبداً، لذا لدينا مصلحةٌ في العمل معاً."
هذا التناقض الظاهري التمسّك بمشروع الاستقلال مع تأجيله حتى زوال ترامب يكشف في الواقع عن أهمّ عاملٍ معاكسٍ للسردية الانفصالية اليوم: فسياسات ترامب التعريفية وخطابه عن "الولاية الحادية والخمسين" عقّدا الحجّة الانفصالية بدل أن يُقوّياها، إذ أذكت هذه التهديدات نزعةً وطنيةً كندية طالت حتى بعض الناطقين بالفرنسية في كيبيك، وأصبحت قضيةً محوريةً في الانتخابات الفيدرالية الكندية لعام 2025، التي فاز بها حزب الأحرار بقيادة مارك كارني (Mark Carney) بعد أن كان متأخراً بفارقٍ كبير قبل عودة ترامب إلى منصبه.
وهذا يطرح سؤالاً منطقياً: كيف يمكن لمشروعٍ يقوم على فكرة أنّ كيبيك ستكون أكثر أماناً بمفردها، أن يزدهر في لحظةٍ تتجه فيها الهوية الكندية الجامعة نحو التصلّب في مواجهة تهديدٍ خارجي؟ القياس هنا يستحضر منطقاً معروفاً في نظرية الألعاب: التهديد الخارجي المشترك عادةً ما يُضعف الحوافز المركزية للانفصال الداخلي، لا يُقوّيها.
ماذا يعني هذا لألبرتا ولأوتاوا؟
مع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بالبعد الرمزي للتوقيت. فبعد أسبوعين فقط من نتيجة كيبيك، سيصوّت سكان ألبرتا في 19 أكتوبر على ما إذا كانوا سيُجرون استفتاءً على الانفصال عن كندا. وبيلاند يرى في هذا التزامن دلالةً تتجاوز الحدث نفسه: "رؤية حزبٍ مؤيّدٍ للاستقلال يفوز في كيبيك قبل أسبوعين بالكاد من إجراء استفتاءٍ متعلّقٍ بالانفصال في ألبرتا، قد يُوحي لإدارة ترامب بأنّ الوحدة الوطنية ما زالت قضيةً كبرى في كندا رغم شعبية مارك كارني." بعبارةٍ أخرى، المسألة هنا ليست ما إذا كانت كيبيك ستنفصل فعلاً، بل كيف ستُقرأ هذه الإشارات في واشنطن، وما إذا كانت ستُغذّي خطاباً أمريكياً يرى في كندا كياناً هشّاً قابلاً للتفكّك.
من جهته، بادر كارني إلى تهنئة سان-بيير بلامندون وعرض التعاون الفيدرالي، قائلاً: "بناء كيبيك أقوى هو جوهر مهمّتنا في بناء كندا أقوى"، وتعهّد بدعم الشركات والعمّال المتضرّرين من التعريفات الجمركية الأمريكية، والعمل على خلق فرص العمل وبناء المساكن. لكن بيلاند يُذكّرنا بأنّ وجود حكومةٍ انفصالية في كيبيك يُشكّل تحدّياً حقيقياً للوحدة الوطنية بالنسبة لكارني، بصرف النظر عن لغة التهنئة الدبلوماسية.
أما داخل الجمعية الوطنية، فالمعادلة الحسابية تزيد المشهد تعقيداً: زعيما الليبراليين والمحافظين أعلنا معارضتهما لأيّ جهودٍ لإجراء استفتاءٍ على السيادة، في حين قد يملك حزب كيبيك المتضامن (Québec solidaire)، المؤيّد للاستقلال هو الآخر، مفتاح التوازن البرلماني، وقد يدعم حزب كيبيك في مسعاه نحو الاستفتاء إذا ما احتاج الأصوات لتمريره.
فما الذي ينبغي أن يُعيد القارئ النظر فيه إذن؟ ليس وقوع الفوز الانتخابي، فهذا حدثٌ مؤكّد، ولا وعد الاستفتاء، فهذا أيضاً معلن. السؤال الحقيقي هو: هل نخلط بين تصويتٍ عقابيٍّ ضدّ حكومةٍ متآكلة الشعبية، وبين تفويضٍ شعبيٍّ متجدّدٍ لمشروع انفصالٍ لم يتجاوز تأييده 30 بالمئة منذ عقود؟ التاريخ يميل إلى الحذر هنا: ففي 1995 بدت كيبيك على شفا الانفصال بفارقٍ ضئيل، ثم مرّت ثلاثون عاماً دون أن يتكرّر ذلك الاقتراب. أما ما سيحدث في ألبرتا بعد أسبوعين، وكيف ستُقرأ الإشارتان معاً في أوتاوا وواشنطن على حدٍّ سواء، فذلك ما لم يُكتب بعد.
أخبار ذات صلة

فلافيو بولسونارو يرث حركة والده اليمينية.. هل يصل للرئاسة البرازيلية؟

محطّة كوبا النووية: من حلم الاستقلال إلى رمز الخيبة

الطائرات بدون طيار: سلاح الجريمة المنظمة الجديد في أميركا اللاتينية والحكومات تتخبط
