خَبَرَيْن logo

فيروس القراد الخفي يهدد حياتك ويغيرها للأبد

قصة صيدلاني أصيب بفيروس Powassan النادر بعد لدغة قُراد تكشف خطورة هذا الفيروس سريع الانتقال وتأثيره الدماغي الشديد. زيادة أعداد القُراد تهدد الصحة العامة ورحلة التعافي طويلة وصعبة في مواجهة هذا الخطر. خَبَرَيْن

قُراد صغير جداً وقُراد أكبر على أطراف أصابع اليد، يرمزان لخطر انتقال فيروس Powassan عبر لدغات القُراد وانتشاره المتزايد.
يرقد قرصان أسودا الأرجل على إصبع السبابة الأيسر لشخص ما: أنثى بالغة على اليسار وصغار على اليمين. مجموعة سميث/جادو/صور غيتي
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

لم يكن John Reagan، الصيدلاني المتقاعد البالغ من العمر 66 عاماً من مدينة Concord في ولاية New Hampshire، يتخيّل حين أزاح قُراداً (حشرة القراد) عن جسده في مطلع مايو أنّ تلك اللحظة العابرة ستُفضي إلى شهرٍ كاملٍ في وحدة العناية المركّزة، وجهازٍ للتنفّس الاصطناعي، وأنبوبٍ للتغذية، وطريقٍ شاقٍّ نحو استعادة القدرة على الكلام والحركة والتوازن. قصّته ليست مجرّد حالةٍ طبّية نادرة — إنّها تحذيرٌ صريح من تنامي خطرٍ صامت تُغذّيه أعدادٌ متزايدة من القُراد في مناطق أوسع من ذي قبل.

رجل يمارس الصيد في الهواء الطلق ممسكاً بسمكة كبيرة، يعكس نشاطه قبل معاناته من فيروس Powassan الناقل عن طريق القراد.
Loading image...
جون ريغان، صيدلي متقاعد من نيوهامبشاير، كان يعشق الصيد، الصيد البري، والتنزه الطويل مع "أحفاده الكلاب". جيف ريغان

فيروسٌ يسبق التشخيص

بدأت الأعراض بعد أسابيع من لدغة القُراد: صداعٌ، وآلامٌ في الجسم، وحمّى، وغثيان، وإسهال. في منتصف مايو، توجّه Reagan إلى غرفة الطوارئ، لكنّه عاد إلى المنزل دون تشخيصٍ محدّد، بعد أن تلقّى سوائل وأدويةً مضادّة للغثيان. ثمّ تدهورت حالته بشكلٍ مفاجئ: فقد القدرة على الكلام والحركة وفتح عينيه، وجاءت نتائج الفحوصات الأولى سلبية. نُقل حينها إلى Massachusetts General Hospital في بوسطن، وأُرسلت عيّنات دمه إلى Mayo Clinic للتحليل المتخصّص. في التاسع من يونيو، جاء التشخيص: فيروس Powassan.

هذا الفيروس النادر ينتمي إلى عائلة الفيروسات الفلافية (Orthoflavivirus)، وهي العائلة ذاتها التي تضمّ فيروسَي West Nile وZika. رُصد لأوّل مرّة في خمسينيات القرن الماضي في مقاطعة Ontario الكندية، وينتقل عبر القُراد ذي الأرجل السوداء (القُراد الغزالي)، وهو النوع ذاته الناقل لمرض Lyme. لكنّ ما يجعله أشدّ خطورةً هو سرعة انتقاله: يكفي أن يلتصق القُراد بالجلد نحو 15 دقيقة لنقل العدوى، في حين يستغرق مرض Lyme نحو 36 ساعةً من الالتصاق قبل أن ينتقل. أي أنّ إزالة القُراد فور اكتشافه — كما فعل Reagan — لا تمنح ضمانةً كافية في مواجهة Powassan.

يُفسّر الدكتور Greg Ebel، أستاذٌ في Colorado State University، آليّة الضرر الذي يُلحقه الفيروس بالدماغ قائلاً: «في نسبةٍ ملحوظة من الحالات، يتكاثر الفيروس بفعاليّةٍ حقيقية داخل الخلايا العصبية وخلايا الدماغ الأخرى، وهنا يحدث الضرر الدماغي». ويُضيف: «ثمّة مشكلتان في آنٍ واحد: الفيروس يقتل الخلايا العصبية وغيرها، والجهاز المناعي بدوره يُفاقم الوضع».

وقد عانى Reagan فعلاً من هذا السيناريو الأشدّ وطأةً: تورّم في الدماغ وفشلٌ تنفّسي أجبرا الأطبّاء على توصيله بجهاز التنفّس الاصطناعي وأنبوب التغذية. قضى قرابة شهرٍ في العناية المركّزة قبل أن يبدأ تدريجياً في استعادة قدرته على التواصل والحركة.

أرقامٌ تُقلق وفجواتٌ تُخيف

يُشكّل مرض Lyme الجزء الأكبر من الأمراض المنقولة بالقُراد في الولايات المتحدة، إذ تُقدّر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) عدد حالاته بنحو 500,000 حالةٍ سنوياً. غير أنّ نحو 90% من الأمراض المرتبطة بلدغات الحشرات في الولايات المتحدة تُسبّبها القُراد بأنواعها المختلفة، ممّا يجعل هذه الحشرة الصغيرة مصدر قلقٍ صحّي عام بالغ الأثر.

أمّا Powassan، فيُشخَّص في أقلّ من 100 حالةٍ سنوياً في الولايات المتحدة، وقد بلغت الحالات المُبلَّغ عنها 76 حالةً في عام 2025 وحده، أسفرت 10 منها عن وفاة. ومع ذلك، تبقى نسبة الوفيات حول 10%، فيما يُعاني نحو 50% من الناجين من مضاعفاتٍ طويلة الأمد. هذه الأرقام الصغيرة نسبياً هي ذاتها التي تُعيق تطوير علاجٍ نوعي أو لقاحٍ للفيروس — إذ لا يوجد حتّى اليوم أيٌّ منهما.

ويُحذّر الدكتور Stephen Rich، عالم الأحياء الدقيقة في University of Massachusetts Amherst، من أنّ المشهد آخذٌ في التفاقم: «ثمّة قُرادٌ أكثر في أماكن أكثر. وكلّما تزايدت أعداد الناقلات، فإنّك حتماً ستجد مزيداً من مسبّبات الأمراض».

رجل يرتدي نظارات شمسية وقميص برتقالي مزخرف يجلس على متن قارب في بحيرة تحيط بها الأشجار والسماء صافية مع غيوم متناثرة، يعكس مشهد رحلة تعافي من فيروس نادر ينتقل عبر القُراد.
Loading image...
يصف جيف ريغان تجربة والده بأنها كانت "رحلة مليئة بالتقلبات". جون ريغان

رحلةٌ شاقّة نحو التعافي

في مطلع يوليو، نُقل Reagan إلى Spaulding Rehabilitation Hospital في بوسطن، حيث يخضع لبرنامجٍ مكثّف لاستعادة قدرته على المشي والكلام والتنسيق الحركي والتوازن والوظائف الإدراكية. كانت العودة إلى المنزل مخطّطاً لها في أغسطس، غير أنّ ظهور آلامٍ جديدة أخّر ذلك. منزله جرى تهيئته مسبقاً بمنحدرٍ للكرسي المتحرّك وقضبان إمساكٍ لدعم الحركة، ومن المرجّح أنّه سيحتاج إلى أنبوب التغذية لفترةٍ بعد خروجه. ومن بين اللحظات الصغيرة التي تعكس مسار التعافي: أنّه حصل على إذنٍ بتناول الآيس كريم خلال فترة إقامته في مركز التأهيل.

يصف نجله Jeff Reagan المسيرة بقوله: «كانت رحلةً متقلّبة. لكنّه أحرز تقدّماً ملموساً، لا سيّما على صعيد القدرات الإدراكية». ويُضيف في مكانٍ آخر: «أعتقد أنّه بات يُدرك الآن أنّه كان في غيبوبةٍ شبه تامّة لقرابة شهر، وأنّه كاد يموت. وقد بات يشعر بمشاعر عميقة حيال ذلك، وهذا مؤشّرٌ جيّد على أنّ الدماغ يتعافى بشكلٍ سليم».

وفي رسالةٍ يوجّهها Jeff إلى كلّ من يتعامل مع حالةٍ مشابهة: «دافع عن نفسك أو عن ذويك إذا تعرّضتم مؤخّراً للدغة قُراد. لأنّ ليس كلّ المختصّين الطبّيين على دراية بفيروس Powassan».

قانونٌ يحمل اسم ضحيّة

لا يختلف مصير Reagan كثيراً عن مصير السيناتورة Kay Hagan، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية North Carolina، التي فارقت الحياة عام 2019 جرّاء مضاعفات فيروس Powassan. واستجابةً لتنامي هذا الخطر، أقرّ الكونغرس الأمريكي قانون Kay Hagan Tick Reauthorization Act، الذي يُخصّص 150 مليون دولار على مدى خمس سنواتٍ لأبحاث الأمراض المنقولة بالنواقل والوقاية منها.

يرى السيناتور Jack Reed، الديمقراطي عن ولاية Rhode Island وأحد رعاة القانون، أنّ هذا لا يكفي بعد: «مشكلة القُراد في أمريكا تتفاقم، والاستثمار الفيدرالي في مواجهتها يجب أن يواكب هذا التنامي. لقد حسّن قانون Kay Hagan Tick Act بالفعل من المعرفة الصحّية العامة واستراتيجيات الوقاية، لكن علينا أن نفعل المزيد».

تُشير البيانات التاريخية لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى اتجاهٍ تصاعدي في حالات Powassan، فيما تُوثّق نشرات الصحة العامة المتخصّصة طيفاً واسعاً من المضاعفات التي يعانيها الناجون. ويبقى الإطار الأشمل للأمراض المنقولة بالقُراد في الولايات المتحدة سياقاً ضرورياً لفهم حجم التحدّي.

ما تكشفه قصّة Reagan في نهاية المطاف هو فجوةٌ مزدوجة: فجوةٌ في الوعي الطبّي بفيروسٍ قد لا يخطر على بال الطبيب المناوب في الطوارئ، وفجوةٌ في التمويل البحثي لمرضٍ نادرٌ بما يكفي لإبقائه خارج أولويات صناعة الدواء. وما دامت هذه الفجوتان قائمتَين، فإنّ كلّ لدغة قُراد — في أيٍّ من المناطق التي تنتشر فيها هذه الحشرات — تظلّ مجهولة العواقب. القرار الوقائي يبقى في يد الفرد وطبيبه المعالج، لكنّ القرار البحثي والتمويلي مسؤوليةٌ جماعية لا تحتمل التأجيل.

أخبار ذات صلة

Loading...
حارس أمن كيني يرتدي كمامة وقفازات في مطار جومو كينياتا الدولي وسط إجراءات الفحص الصحي لمواجهة فيروس الإيبولا.

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

فيروس بونديبوغيو يختبر فعالية فحوص الإيبولا في مطارات كينيا وأوغندا، ما يسلط الضوء على تحديات الكشف المبكر وانتقال العدوى عبر الحدود. اكتشف المزيد الآن.
صحة
Loading...
امرأة نائمة على أريكة مغطاة ببطانية وردية تحيط بها ثلاثة أطفال صغار، تعكس تعب الأم المصابة بالتغفيق من النمط الأول.

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

هل يمكن أن تعيش مع مرض نادر مثل التغفيق لعقود دون تشخيص؟ قصة إيمي تكشف معاناة الهلوسات والنعاس المفرط التي شوهت حياتها. اكتشف التفاصيل وكيفية التعرف على هذا المرض النادر الآن!
صحة
Loading...
عائلات تسير بهدوء في شارع بمدينة إيركوتسك بسيبيريا وسط أجواء طبيعية رغم الشائعات حول وفاة تقنية مخبرية بالطاعون.

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون

توفيت داريا شيبيلوفا، التقنية المخبرية في سيبيريا، وسط غموض حول سبب الوفاة الذي لم تؤكده الجهات الصحية الروسية، مما أثار قلق السكان وانتشار شائعات الطاعون. اكتشف تفاصيل القصة كاملة وكن على اطلاع على آخر المستجدات.
صحة
Loading...
بكتيريا يرسينيا بيستيس المسببة للطاعون تحت المجهر، مع خلايا دم حمراء وبيضاء تظهر تفاصيل العدوى المحتملة في معهد إيركوتسك الروسي.

الطاعون الرئوي بالأرقام

وفاة موظفة في معهد إيركوتسك الروسي تثير قلقاً عالمياً بسبب التهاب رئوي غامض مرتبط بالطاعون. منظمة الصحة العالمية تبحث التفاصيل وتراقب الوضع بدقة. اكتشف المزيد عن هذا اللغز الصحي وتأثيره المحتمل.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية