الذهان النفاسي خطر خفي يهدد الأمهات بعد الولادة
الذهان النفاسي حالة نفسية نادرة وخطيرة تصيب بعض الأمهات بعد الولادة وتختلف عن الاكتئاب النفاسي. تعرف على أعراضها وأسبابها وكيفية التمييز بينها لضمان التدخل المبكر وحماية الأم والطفل من مخاطرها في خَبَرَيْن.

حين لا تعرف الأمّ ما تفعله: ماذا يقول العلم عن الذهان النفاسي؟
انتهت محاكمة الممرّضة الأمريكية Lindsay Clancy بمأزقٍ قانوني نادر: هيئة المحلّفين عجزت عن التوصّل إلى حكمٍ بشأن مسؤوليتها الجنائية، فأعلن القاضي بطلان المحاكمة. لكنّ ما بقي عالقاً في الأذهان لم يكن تفاصيل القضية وحدها، بل السؤال الأعمق الذي أثارته: هل يمكن لمرضٍ نفسيٍّ أن يدفع أمّاً إلى ما لا يُتصوَّر؟
Lindsay Clancy، البالغة من العمر 36 عاماً، كانت ممرّضةً في قسم التوليد بولاية Massachusetts الأمريكية. في عام 2023، خنقت أطفالها الثلاثة، ثمّ حاولت إنهاء حياتها بجرح معصميها وحنجرتها، قبل أن تقفز من نافذةٍ في الطابق الثاني. قال فريق دفاعها أنّها كانت تعاني الذهان النفاسي (Postpartum Psychosis)، وهو حالةٌ نفسيةٌ نادرة لكنّها بالغة الخطورة. في المقابل، أصرّ المدّعون العامّون على أنّها كانت تدرك خطأ ما تفعله وكان بإمكانها الامتثال للقانون. انتهت المحاكمة إلى طريقٍ مسدود، وأُعلن بطلانها يوم الجمعة.
القضية فتحت نقاشاً طبّياً وأخلاقياً واسعاً حول اضطرابٍ لا يزال يُساء فهمه، حتّى في الأوساط الطبّية.
ما الذهان النفاسي وكيف يختلف عن «الكآبة بعد الولادة»؟
كثيرٌ من الناس يخلطون بين مستوياتٍ متعدّدة من الاضطرابات النفسية التي قد تصيب المرأة بعد الولادة، وهذا الخلط بحدّ ذاته يُشكّل خطراً. فالطيف يبدأ بما يُعرف بـ«كآبة الأمومة» (Baby Blues)، وهي حالةٌ مؤقّتة تصيب نحو 80% من الأمّهات الجدد وتزول تلقائياً دون علاج، وتتجلّى في تقلّبات عاطفية وبكاءٍ عابر في الأيام الأولى بعد الولادة.
أشدّ من ذلك تأثيراً هو الاكتئاب النفاسي (Postpartum Depression)، الذي يصيب نحو امرأةٍ من كلّ سبعٍ بعد الولادة، وتشمل أعراضه الحزن المستمرّ وصعوبة التركيز والعجز عن بناء رابطةٍ عاطفية مع المولود. وتتضمّن خياراتُ علاجه العلاجَ النفسي بالكلام ومجموعات الدعم والأدوية كـ Zoloft و Prozac وتعديلات نمط الحياة. وإلى جانبه، يظهر قلقٌ نفاسي (Postpartum Anxiety) يطال نحو امرأةٍ من كلّ خمسٍ، وكثيراً ما يتداخل مع الاكتئاب، وأعراضه الأرق والقلق المفرط والتوتّر وتسارع ضربات القلب، ويُعالَج بالعلاج المعرفي السلوكي وأدوية SSRIs كالسيرترالين والإيسيتالوبرام.
أمّا الذهان النفاسي فهو الحالة الأشدّ خطورةً والأندر وقوعاً. تصيب هذه الحالة امرأتَين من كلّ ألفٍ بعد الولادة، وتستوجب تدخّلاً طارئاً. وتقول الدكتورة Lauren M. Osborne، نائبة رئيس البحث السريري في قسم أمراض النساء والتوليد بـ Weill Cornell Medicine: «أعتقد أنّ الاسم لا يساعدنا. يُسمّى ذهاناً نفاسياً، لكنّه في الحقيقة اضطرابٌ مزاجي».
هذا التمييز الدقيق ليس مجرّد تصنيفٍ أكاديمي؛ فهو يؤثّر على كيفية التعرّف على الحالة وتشخيصها. وتُضيف الدكتورة Osborne: «الأعراض الذهانية التي نراها غالباً ما تكون أقلّ وضوحاً ممّا نراه في الأمراض الذهانية الأخرى. قد تعاني المرأة من أوهامٍ — أي اعتقاداتٍ خاطئة راسخة — وأقلّ شيوعاً الهلاوس كرؤية أشياء أو سماع أصوات. وتسير الحالة في مسارٍ متذبذب؛ قد تبدو المرأة بخيرٍ في لحظةٍ ثمّ تنهار في اللحظة التالية، ممّا يجعل اكتشافها أمراً عسيراً».
أعراضٌ تتقنّع بالتعب الطبيعي
تظهر نحو 90% من حالات الذهان النفاسي خلال الأسابيع الأربعة الأولى بعد الولادة، وهي المرحلة التي تكون فيها المرأة أصلاً منهكةً ومثقلةً بالتغيّرات. وتشمل الأعراض التهيّج والمزاجية والأرق وعدم الاستقرار، إضافةً إلى الأوهام والهلاوس والارتباك وعدم تنظيم المشاعر والشعور بالانفصال عن الذات (Depersonalization). المشكلة أنّ كثيراً من هذه الأعراض يمكن أن تُحمَل على حساب إرهاق ما بعد الولادة الطبيعي.
وتُؤكّد الدكتورة Nicole Leistikow، المديرة السريرية لمركز Johns Hopkins للصحة النفسية الإنجابية: «الذهان له تعريفٌ محدّد، لكن في سياق ما بعد الولادة، يمكن أن يكون أكثر دقّةً وأصعب تمييزاً ممّا قد يكون عليه خارج هذا السياق».
ومن أبرز المؤشّرات التحذيرية التي تستحقّ التنبّه: الأرق الذي يستمرّ حتّى حين تُتاح للأمّ فرصة النوم. وتشرح الدكتورة Leistikow: «الآن أصبح لدينا شبكة دعمٍ كاملة تراقب علامات مثل الأرق، حيث تُعطى الأمّ الفرصة للنوم لكنّها لا تستطيع. وإذا حدث ذلك، نريد أن يكون الذهان النفاسي ضمن احتمالاتنا التشخيصية، وأن نتدخّل سريعاً لمعرفة ما يجري وعلاج الأرق قبل أن تتحوّل الشرارة إلى حريقٍ يصعب إخماده».
النساء المصابات باضطراب ثنائي القطب أو اللواتي لديهنّ تاريخٌ عائلي مع الذهان النفاسي هنّ الأكثر عرضةً للإصابة. وحين تُترك الحالة دون علاج، يرتفع خطر قتل الرضيع بنسبة 4%، وخطر الانتحار بنسبة 5%. وعلى الرغم من أنّ الأعراض الحادّة تستمرّ عادةً من أسبوعَين إلى 12 أسبوعاً، فإنّ التعافي الكامل قد يستغرق من 6 إلى 12 شهراً أو أكثر مع العلاج.
فجواتٌ في المنظومة الصحّية
تُشكّل اضطرابات الصحة النفسية السبب الرئيسي الأوّل للوفاة المرتبطة بالحمل في الولايات المتحدة، وهي الأكثر شيوعاً بين مضاعفات الحمل والأمومة. ومع ذلك، تظلّ الفجوات في منظومة الرعاية واسعةً ومقلقة.
تتطلّب معالجة الذهان النفاسي في الغالب دخول المستشفى والإرشاد النفسي والمراقبة المستمرّة وأدويةً من قبيل مضادّات الذهان من الجيل الثاني ومثبّتات المزاج. لكنّ وحدات علاج الأمّ والطفل معاً — وهي النموذج الأمثل للرعاية — نادرةٌ في الولايات المتحدة. وهذا النقص له ثمنٌ بشري مباشر؛ إذ تقول الدكتورة Leistikow: «أيّ أمٍّ جديدة مستعدّةٌ للمخاطرة بالانفصال عن رضيعها؟ هذا أمرٌ مخيفٌ للغاية، ويجعل طلب المساعدة أكثر صعوبةً».
أمّا على صعيد الكشف المبكّر، فتوصي الكلّية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد (American College of Obstetricians and Gynecologists) بإجراء فحوصات للقلق والاكتئاب مرّتَين على الأقلّ خلال الحمل ومرّةً واحدة بعد الولادة. غير أنّ هذه التوصية، رغم أهمّيتها، تبقى قاصرة. وتُوضّح الدكتورة Osborne: «هذا الأمر صعبٌ من الناحية اللوجستية، وهو لن يكشف إلّا عن الأشخاص الذين يعانون أعراضاً حاليّاً، ولن يكشف عن الأشخاص المعرّضين للخطر».
وتذهب أبعد من ذلك في تشخيص الخلل البنيوي: «في كثيرٍ من الحالات، تكمن المشكلة في مرحلة ما بعد الولادة، حيث يقتصر معيار الرعاية على زيارةٍ واحدة لطبيب النساء بعد ستّة أسابيع من الولادة، في حين أنّ الفترة الأعلى خطورةً هي من ستّة إلى ثمانية أسابيع بعد الولادة. باستثناء هذه اللقطة الزمنية الواحدة، نحن نفوّت كثيراً من الحالات، حتّى لو أجرينا الفحص بالشكل الصحيح».
وفي مواجهة هذه الفجوات، تُقدّم الدكتورة Leistikow نموذجاً عملياً للوقاية: «لنضع خطّةً استباقية مع بالغٍ آخر مسؤولٍ ومحبٍّ ومهتمٍّ لمساعدتنا في إرضاعات الليل، حتّى نجعل من المرجّح أن تحصل الأمّ على أربعٍ إلى ستّ ساعات متواصلة من النوم إضافةً إلى قيلولة».
سؤالٌ مفتوح أمام القانون والطبّ معاً
قضية Lindsay Clancy لم تُغلَق بعد؛ فالمحاكمة الجديدة ممكنة، والجدل قائم. لكنّ ما كشفته هذه القضية يتجاوز قاعة المحكمة: نظامٌ صحّي يُوصي بالفحص لكنّه يُوقّته في اللحظة الخطأ، ومجتمعٌ لا يزال يجد صعوبةً في التمييز بين الأمّ التي تمرّ بـ«كآبة الأيام الأولى» وتلك التي تقف على حافّة انهيارٍ نفسي حقيقي.
اضطرابات الصحة النفسية تصيب ما يصل إلى امرأةٍ من كلّ خمسٍ في الولايات المتحدة خلال الحمل والسنة التي تليه، وهي بذلك أبعد ما تكون عن الاستثناء. والسؤال الذي تطرحه هذه القضية ليس فقط: «هل كانت Lindsay Clancy مسؤولةً جنائياً؟» — بل أيضاً: كم من النساء يمررن بأعراضٍ مبكّرة دون أن يُلاحظها أحد، حتّى تتحوّل الشرارة، كما قالت الدكتورة Leistikow، إلى حريق؟
القرار في أيّ حالةٍ فردية يبقى بين المرأة وطبيبها المعالج. لكنّ المنظومة الصحّية بأسرها معنيّةٌ بأن تسأل: هل نحن فعلاً نصل إلى الأمّهات في الوقت المناسب؟
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
