خَبَرَيْن logo

لغز وفاة تقنية الطاعون في سيبيريا يثير القلق والشكوك

بعد وفاة تقنية مختبر في سيبيريا تُثير شكوك الطاعون، الجهات الصحية تتحدث عن التهاب رئوي مجهول والناس تشتري مضادات حيوية خوفاً من العدوى. غموض المعلومات يزيد القلق وسط تباين ردود الفعل في المجتمع خَبَرَيْن

عائلات تسير بهدوء في شارع بمدينة إيركوتسك بسيبيريا وسط أجواء طبيعية رغم الشائعات حول وفاة تقنية مخبرية بالطاعون.
يمرّ الناس بجانب سياج مبنى معهد إركوتسك للأبحاث المضادة للطاعون في سيبيريا والشرق الأقصى بمدينة إركوتسك في روسيا، يوم الأربعاء. وكالة أسوشيتد برس
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

بعد ستة أيام على انتشار الخبر، لا يزال السؤال الأهم بلا جواب رسمي: هل ماتت داريا شيبيلوفا، التقنية المخبرية البالغة من العمر 28 عاماً، بالطاعون؟ الجهات الصحية الروسية لم تؤكد ذلك، لكنّها لم تنفِه بالشكل الذي يُطمئن السكان أيضاً، وهذا بالضبط ما يجعل القصة مثيرة للقلق أكثر من أي تشخيصٍ مؤكَّد: فجوة المعلومات نفسها.

شيبيلوفا، التي كانت تعمل في معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون، توفيت يوم الجمعة في مستشفى مدينة شيليخوف، الواقعة على بعد 12 ميلاً جنوب غرب إيركوتسك في سيبيريا. ومع انتشار الخبر، تحدّثت هيئة الرقابة الصحية الروسية (Rospotrebnadzor) عن "التهاب رئوي مجهول السبب" بوصفه سبب الوفاة، ونفت وجود رابط مباشر بين إصابتها ومهنتها، واصفةً إياها بأنّها "غير مرتبطة بنشاطها المهني". في الوقت نفسه، بادرت الهيئة سريعاً إلى عزل المخالطين لشيبيلوفا، وهو إجراءٌ احترازي، لكنه أيضاً إجراءٌ لا يفسّر تضارب الروايات بين "التهاب رئوي عادي" وبين سرعة العزل التي أثارت الشكوك لدى كثيرين.

لماذا يصعب تأكيد التشخيص بهذه السرعة؟

من الناحية العلمية، ليس من المستغرب أن يستغرق الجزم بسبب الوفاة وقتاً. طبيبٌ روسي تحدّث إلى منصة "لودي بايكالا" الإخبارية أوضح أنّ التأكيد المخبري الكامل قد يستغرق حتى 10 أيام، وأنّه "من المستحيل تحديد العامل الممرض بشكلٍ قاطع بعد يومٍ واحد فقط من التشريح". هذه نقطةٌ جوهرية يغفل عنها كثيرون في لحظات الهلع: غياب التأكيد الرسمي ليس بالضرورة دليلاً على تستّر، بل قد يعكس ببساطة المراحل الطبيعية للفحص المخبري، الذي يحتاج إلى زرع العيّنات وتحليلها جينياً قبل الجزم بهوية الميكروب المسبّب. المشكلة هنا ليست في زمن الفحص بحدّ ذاته، بل في غياب أي تواصلٍ شفّاف مع الجمهور أثناء هذه الفترة، وهو ما ترك فراغاً ملأته الشائعات بدل البيانات.

موقف هادئ لسكان شيليخوف أمام محطة حافلات مع مباني خلفية وسط مخاوف من وفاة تقنية مخبرية بالطاعون في سيبيريا.
Loading image...
يُرى أشخاص ينتظرون في موقف حافلات بمدينة شيلخوف الروسية قرب إيركوتسك يوم الخميس، في خلفيتهم مستشفى المنطقة والمركز الطبي المتخصص في علاج الأمراض المعدية.

صيدليات تنفد مخزونها في يوم واحد

على الأرض، تُرجم القلق إلى سلوكٍ ملموس وإن كان قصير الأمد. صيدلانية في إيركوتسك تدعى إيكاترينا، 27 عاماً، روت أنّ السبت شهد إقبالاً كثيفاً على شراء "الكمامات والمطهّرات ومضادات حيوية من نوع التتراسيكلين"، مؤكدة أنّ الناس اشتروها "احتياطاً"، وأنّ "الناس كانوا بالطبع خائفين من العدوى". لكنها أضافت أنّ هذه الموجة لم تدم: "لا ذعر الآن. استمر الأمر يوماً واحداً فقط. لم نعد نراه. كل شيء هادئ وساكن كما كان".

وبالتوازي مع ذلك، أفاد سكان من منصة "لودي بايكالا" بأنّهم رأوا ليلة الجمعة ثلاث مركبات تصل إلى مبنى سكني في إيركوتسك يُعتقد أنّه مقرّ سكن شيبيلوفا، حيث قام أشخاصٌ يرتدون أقنعة غاز وبدلات برتقالية بحمل حاويات عدّة وتعقيم مداخل المبنى.

وقالت امرأة مقيمة في العقد الرابع من عمرها إنّ سكان المبنى أُبلغوا بأنّ "امرأة شابة توفيت بفيروس قاتل"، واصفة الرائحة بأنها "لا تُحتمل وحادّة جداً"، ونقلت عمّا قاله عمّال التعقيم: "قيل لنا إنّ امرأة شابة توفيت بفيروسٍ قاتل، لكنهم لم يعرفوا شيئاً آخر. قالوا: 'جئنا إلى العمل، وطُلب منا الذهاب لتعقيم المكان، فجئنا وفعلنا ذلك'".

شابة روسية تعمل في مختبر مكافحة الطاعون بإيركوتسك وسط جدل حول سبب وفاتها بين الطاعون والتهاب رئوي مجهول.
Loading image...
تُظهر الصورة داريا شيبيلوفا التي حددتها وسائل الإعلام المحلية كباحثة متوفاة. VK/داريا شيبيلوفا

"لا نثق بالمعلومات على أي حال"

خارج هذا المشهد، بدت الحياة اليومية في شيليخوف لسكانٍ آخرين وكأنّ شيئاً لم يحدث. إيفغينيا، المقيمة في شيليخوف البالغة 36 عاماً، وصفت الأجواء بأنها "طبيعية، وكأن شيئاً لم يحدث"، لكنها أشارت إلى أنّ صديقة لها تعمل صيدلانية أبلغتها بأنّ أشخاصاً كانوا يكدّسون المضادات الحيوية بسبب شائعات الطاعون. وأضافت بصراحة: "لا توجد معلومات رسمية، ولا نثق بها على أي حال. هناك الكثير من الشائعات، لكن ما يحدث فعلاً يبقى غير واضح".

أما إيكاترينا، 26 عاماً، فرأت أنّ "الأمور ليست سيئة على الإطلاق"، موضحةً أنّ المخالطين لشيبيلوفا عُزلوا، وأنّ "الناس لا يستسلمون للذعر ويواصلون حياتهم كالمعتاد". وفي مقارنةٍ لافتة، فرّقت بين الطاعون وجائحة كوفيد-19 بقولها: "نحن في القرن الحادي والعشرين، وهناك علاج للطاعون. هذا ليس مثل كورونا، الذي كان شيئاً مجهولاً بالنسبة للناس. التوقعات أفضل بكثير. باختصار: كل شيء على ما يرام. نحن نتبع إجراءات السلامة ولا نستسلم للجنون". وفي الاتجاه نفسه، قالت أليناء، 38 عاماً، إنّ الوضع "عادي" باستثناء تزايد التغطية على وسائل التواصل الاجتماعي، واصفة الهلع بأنه "ليس له علاقة بالواقع".

هذا التباين بين من يشعر بالقلق ومن يعتبر الأمر عادياً يعكس، بحسب ما توثّقه التقارير، نمطاً أوسع: سكانٌ اعتادوا غياب المعلومات الواضحة. يوليا، 25 عاماً، عبّرت عن ذلك بوضوح: "لم نعد نتفاجأ بأي شيء. المعلومات محدودة دائماً. أعتقد أنّ هذا هو الحال في كل منطقة". وقد تداول مستخدمون على منصة "تلغرام" تعليقات ساخرة تعكس هذا الشك العميق في الخطاب الرسمي، من بينها تشبيهٌ لاذع: "الانفجار دويّ. الركود نموٌّ سلبي. الانهيار هبوطٌ حاد. الحريق دخان. التراجع بادرة حسن نية"، وتعليقٌ آخر أكثر قسوة: "الطاعون هو التهاب رئوي مجهول السبب... من يُصاب بهذا الالتهاب الرئوي المجهول عليه أن يلتفّ بملاءة ويزحف إلى المقبرة. لكن ببطء، لأنّ المهم ألا نُسبّب مشاكل للسلطات".

مبنى مستشفى في مدينة شيليخوف بسيبيريا حيث توفيت التقنية المخبرية داريا شيبيلوفا وسط غموض حول سبب الوفاة والطاعون المحتمل.
Loading image...
مستشفى الأمراض المعدية في مدينة شليكهوف، حيث توفي موظف معهد إركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون، تظهر في صورة التقطت يوم الثلاثاء في منطقة إركوتسك. وكالة فرانس برس/صور غيتي

أمّ تنتظر دفن ابنتها

وسط هذا الجدل، تبقى الحقيقة الإنسانية الأشدّ إيلاماً هي حال سفيتلانا شيبيلوفا، والدة داريا، التي وُضعت هي نفسها قيد الحجر الصحي في مستشفى بإيركوتسك. وقالت لوسيلة إعلام محلية تدعى "غلوبينا" إنّ ابنتها لم تُدفن بعد، وعبّرت عن ألمها بكلماتٍ مباشرة: "من سيدفنها ونحن جالسون هنا في الحجز؟ كانت عاملة مجتهدة جداً. روح نقية، نقية جداً".

هذا التأخر في الدفن، إلى جانب الحجر المفروض على الأم نفسها، يضيف بُعداً آخر إلى حالة الغموض: فبينما تصرّ الجهات الرسمية على أنّ سبب الوفاة لا يزال "مجهولاً"، تُتّخذ على الأرض إجراءات احترازية مشدّدة لا تتناسب، في نظر كثيرين، مع هذا التوصيف المُبهم.

منظمة الصحة العالمية والولايات المتحدة طالبتا كلتاهما بمزيد من المعلومات حول الحادثة، بينما استمرت الكرملين في حثّ المواطنين على الاعتماد حصراً على تحديثات هيئة الرقابة الصحية الروسية. وإلى أن يصدر تأكيدٌ مخبري قاطع إن صدر أصلاً بشكل علني يبقى التشخيص الرسمي "التهاب رئوي مجهول السبب"، فيما تظل كلمة "الطاعون" مجرّد احتمالٍ متداول لا دليل علمي منشور يثبته أو ينفيه. وهذا بالتحديد ما يستحق المتابعة: ليس فقط ما إذا كان العامل الممرض بكتيريا الطاعون، بل كيف ستُدار المعلومة حين يصدر الجواب أخيراً، وهل سيُعاد بناء الثقة التي بدت، من خلال شهادات السكان أنفسهم، مهتزّة منذ البداية.

أخبار ذات صلة

Loading...
حارس أمن كيني يرتدي كمامة وقفازات في مطار جومو كينياتا الدولي وسط إجراءات الفحص الصحي لمواجهة فيروس الإيبولا.

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

فيروس بونديبوغيو يختبر فعالية فحوص الإيبولا في مطارات كينيا وأوغندا، ما يسلط الضوء على تحديات الكشف المبكر وانتقال العدوى عبر الحدود. اكتشف المزيد الآن.
صحة
Loading...
امرأة نائمة على أريكة مغطاة ببطانية وردية تحيط بها ثلاثة أطفال صغار، تعكس تعب الأم المصابة بالتغفيق من النمط الأول.

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

هل يمكن أن تعيش مع مرض نادر مثل التغفيق لعقود دون تشخيص؟ قصة إيمي تكشف معاناة الهلوسات والنعاس المفرط التي شوهت حياتها. اكتشف التفاصيل وكيفية التعرف على هذا المرض النادر الآن!
صحة
Loading...
بكتيريا يرسينيا بيستيس المسببة للطاعون تحت المجهر، مع خلايا دم حمراء وبيضاء تظهر تفاصيل العدوى المحتملة في معهد إيركوتسك الروسي.

الطاعون الرئوي بالأرقام

وفاة موظفة في معهد إيركوتسك الروسي تثير قلقاً عالمياً بسبب التهاب رئوي غامض مرتبط بالطاعون. منظمة الصحة العالمية تبحث التفاصيل وتراقب الوضع بدقة. اكتشف المزيد عن هذا اللغز الصحي وتأثيره المحتمل.
صحة
Loading...
طبيبة في عيادة صغيرة بوسط بنسلفانيا تجلس على كرسي في غرفة مضاءة، تعكس تحديات تفشي الحصبة في المجتمع المحلي.

الحصبة تتفشّى... وعيادةٌ تراهن على الثقة المكتسبة لحماية الأضعفاء

في قلب بنسلفانيا، تفشّي الحصبة يهدد مجتمع الأميش و"البسطاء" وسط تحديات صحية غير مسبوقة ومعدلات تطعيم متراجعة، ما يضع العيادات الصغيرة في مواجهة مباشرة مع الفيروس. اكتشف التفاصيل واحصل على أحدث المعلومات للحماية والوقاية.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية