المستوطنون يدمّرون منازل الفلسطينيين بلا رحمة
في أريحا مستوطنون يدمرون منازل فلسطينية ويمنعون السكان من دخول بيوتهم بحجج مزيفة وسط صمت رسمي. قصة عن تهجير ممنهج واستيلاء على أراضٍ تحت حماية الدولة خَبَرَيْن تكشف تفاصيل الانتهاكات والبلطجة التي يعيشها السكان.

حيث كانت تقوم منازل فلسطينية وسط بساتين وحمامات سباحة على الطرف الجنوبي الغربي من أريحا، لا يبقى اليوم سوى أرضٍ مسوّاة بالجرّافات.
تحت التراب المدكوك تقبع بيوتٌ بأكملها، أُلقيت في حفرٍ وطُمرت. لا يدلّ على أنّ أحداً عاش هنا سوى بضعة أنابيب مياهٍ مقطوعة، وأكوامٌ من الأنقاض التي لم تنتهِ منها جرّافة المستوطن بعد.
يقول خليل الرزيم، 60 عاماً، وهو مقدسيٌّ يقضي صيفه على قطعة أرضٍ في منطقة عين الدّيوك منذ أكثر من عقد: "لماذا تخفون الجريمة التي ترتكبونها؟"
بجانب منزل الرزيم، تسدّ كومةٌ من الأنقاض يتجاوز ارتفاعها مترَين مدخلَ منزل جاره محمد صالح، الذي وقف أمامها برفقة أحد أبنائه الأربعة. بات صالح يتسلّق سياج منزله للوصول إلى بيته.
قبل ستة أشهر، في فبراير الماضي، خلال أول هجومٍ للمستوطنين اجتاح المنطقة إذ هُدمت منازل وتعرّض السكان للاعتداء والسطو وصل مستوطنٌ بجرّافة وبدأ بهدم الأسوار والمنازل في الحيّ، بما فيها أجزاء من منزل صالح. وهذا الصيف، استُؤنفت الأعمال ذاتها تحت ذريعة "إزالة" ركام تلك الهجمات السابقة، فيما أقدمت الجرّافة الإسرائيلية على ردم أكوامٍ من الأنقاض أمام منزله.
"كيف يُفترض بي أن أدخل بيتي؟" تساءل صالح مخاطباً المستوطن.
فأجابه الأخير، وفق ما يرويه صالح: "هذه ليست مشكلتي كيف تدخل بيتك. لا تستطيع الدخول؟ اذهب من طريقٍ آخر. هذه الأرض لن تعود إليك."
منذ 19 يوليو، لا تكاد الجرّافات التي يشغّلها المستوطنون تتوقف بحجّة "إزالة النفايات" غير أنّ ما تفعله يتجاوز ذلك بكثير. والمستوطن الذي يقف خلف هذه الهجمات، الذي حدّده السكان وأوراق المحاكم الإسرائيلية باسم Hanan Herbst، يُرافقه جنودٌ في كل زيارة. ولم يُعرض على السكان أيّ أمرٍ رسمي قطّ لا ورقةٌ يستطيع محامٍ رفعها أمام المحكمة. يقول صالح: "ليس أمراً رسمياً. كلّه بلطجة. قوّة عارية، لا شيء غير ذلك."
ما يجري هنا، وفق ما يؤكده السكان والمحامون وأوراق المحاكم الرسمية، هو تحايلٌ ممنهج على الإجراءات القانونية أفضى إلى محو الحدود الفاصلة بين طموح المستوطنين وسلطة الدولة. وقد أعطت السلطات الإسرائيلية المستوطنين في الواقع العملي يداً شبه مطلقة على حيٍّ فلسطيني بأكمله.
يقول صالح: "هذه دولةٌ بلا قانون. لا كرامة فيها. دولة بلطجية."
وزيرٌ وبوغروم
يمتلك Herbst بؤرةً استيطانية إسرائيلية تُعرف بـ Armonot Farm، أُقيمت دون ترخيص على تلّةٍ تُشرف على عين الديوك في صيف 2024. وكانت غير قانونية حتى بموجب القواعد الإسرائيلية ذاتها، قبل أن تعترف بها الحكومة الإسرائيلية رسمياً بوصفها مستوطنةً تحت اسم Daya في نهاية مارس الماضي.
يقع الحيّ أدناه، المعروف محلياً بـ"الستيح"، على بُعد عشراتٍ من الأمتار من أطلال قصور الشتاء الهاشمونية والهيرودية، وهو موقعٌ أثري خصّصته الحكومة الإسرائيلية لتكون نواةً لشبكةٍ مخطّطة من الحدائق التراثية "ذات الطابع اليهودي" في الضفة الغربية. وفي صباح العاشر من فبراير، نشر وزير التراث Amichai Eliyahu مقطع فيديو يظهر فيه عند الأطلال حاملاً العلم الإسرائيلي، قائلاً: "أيّ مكانٍ يُبنى على تراث الشعب اليهودي، سنهدمه."
وفي غضون ساعاتٍ من هذا المنشور، قال السكان الفلسطينيون إنّ عشرات المستوطنين الملثّمين اندفعوا إلى المنطقة قادمين من مستوطنة Armonot وبؤرٍ استيطانية أخرى، في ما وصفه الناشطون والسكان بأنّه "بوغروم" (مجزرة ممنهجة) امتدّ ثماني ساعات. تتجاور في هذا الموقع مجموعتان فلسطينيتان، وقد طالت الهجمات كلتيهما ذلك اليوم: مجموعةٌ من البدو الأقرب إلى الأطلال، من أبناء قبيلة الكعابنة، يبلغ عددهم نحو مئة شخص، وحيٌّ من المنازل ذات الطراز الفيلّي يقطنه فلسطينيون من مناطق مختلفة، من بينهم صالح والرزيم.
علي كعابنة، 40 عاماً، راعٍ بدوي، كان داخل منزله حين بدأ هجوم العاشر من فبراير.
قال: "بدأوا يرموننا بالحجارة. أجبروني وزوجتي على مغادرة المنزل. كنّا 13 عائلة طردونا بالحجارة والأسلحة. كان الأمر تهديداً: إمّا أن أرحل أو أموت."
حين انسحب المستوطنون بعد نحو ثماني ساعات، كانت 150 رأساً من الغنم التي يملكها كعابنة قد تشتّتت، وجرّاره المرخّص قد اختفى، إذ سيق باتجاه المستوطنة. وقال إنّ 13 منزلاً في مجمّع البدو هُدمت ذلك اليوم. وفي الحيّ المجاور، دُمّر ثلاثة منازل كلياً، وفق ما أكّده حسين طه، أحد السكان القدامى.
ومنذ تلك الأحداث، يعيش كثيرٌ من عائلات البدو في أنقاض منازلهم المهدومة جزئياً، أو دون مأوى على الإطلاق، وفق ما يؤكده كعابنة.
"إزالة النفايات"
يقول طه إنّه في الأشهر التي أعقبت الهجوم، "ساد نوعٌ من الهدوء"، وإن واصل المستوطنون خلاله سرقة ممتلكات السكان وقلع الأشجار. "لكن من أراد إصلاح جداره، كان Herbst يأتي ويمنعه."
غير أنّ تطوّراتٍ كانت تسير خلف الكواليس. ففي مارس، أصدر الجيش الإسرائيلي أمراً بمصادرة شريطٍ من الأراضي الفلسطينية لإنشاء طريق وصولٍ إلى الموقع الأثري وهو أمرٌ لم يُسلَّم للسكان المتضرّرين إلا بعد أسابيع من إصداره وذلك في سياق تصاعدٍ حادّ في مثل هذه الأوامر، تقول منظّمتا Emek Shaveh وKerem Navot الإسرائيليتان غير الحكوميتين إنّها باتت تخدم مصالح المستوطنين في معظمها لا اعتباراتٍ أمنية.
انتهى ذلك "الهدوء" في 19 يوليو، الساعة الثامنة والنصف صباحاً، حين وصل Herbst بجرّافة في الظاهر لطمر ركام هجمات فبراير، لكنّه سرعان ما انتقل إلى إلحاق الضرر بممتلكاتٍ تتجاوز نطاق ذلك بكثير. ففي اليوم الأول وحده، هُدمت جدران أربعة منازل أو تضرّرت، وفق ما يؤكده طه. وحين تواصل السكان والناشطون الإسرائيليون المتضامنون مع الشرطة والجيش ومكتب التنسيق والارتباط المدني الفلسطيني والإدارة المدنية ذلك اليوم، أُبلغوا بأنّ أحداً لا يعلم شيئاً عن الأمر.
بحلول فترة بعد الظهر، تبدّل الموقف الرسمي، وفق ما ترويه Yael Sela، إحدى مؤسّسي تعاونية Palestine Solidarity التي تحتفظ بحضورٍ في المجتمع منذ فبراير: إذ أُبلغت بأنّ مسؤولاً عسكرياً "رفيع المستوى" مجهول الهوية قد أجاز الأعمال بهدف "إزالة النفايات".
وفي الأسابيع التي تلت ذلك، يقول السكان والناشطون إنّ الجرّافات هدمت منازل وأزقّة وبساتين وحدائق إضافية، وحفرت حفراً لطمر الأنقاض داخل المنطقة السكنية. ويُرافق Herbst جنودٌ يُبعدون الناشطين مستندين إلى "منطقة مغلقة" غامضة الحدود، ولم يُقدَّم للسكان أيّ أمرٍ رسمي، فيما اعتُقل ناشطون حاولوا الدخول وتوثيق ما يجري.
تقدّم المحامي توفيق جبارين بطلب حكمٍ مستعجل أمام المحكمة العليا الإسرائيلية في 23 يوليو، ثم عاد بصفةٍ عاجلة في 29 يوليو، حين اشتدّت عمليات الهدم بدلاً من أن تتوقّف.
وفي ليلة 30 يوليو، جاء ردّ الدولة على شكل لائحةٍ حصلت عليها الجزيرة، كشفت عن الكيفية التي وصل بها Herbst إلى هذا الموقع وهي مثالٌ لافت على توظيف الدولة للمستوطنين لتنفيذ عمليات الهدم والاستيلاء على الأراضي.
كشفت اللائحة أنّ ترتيباً مدعوماً من الدولة يمنح المستوطنين الإسرائيليين حقّ الاستخدام الزراعي للأرض كان قائماً قبل هجمات فبراير بوقتٍ طويل. فوفق رواية الدولة، جرى في مارس 2025 إبرام اتفاقٍ بين Herbst ودائرة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية لاستصلاح "أراضي الدولة" زراعياً.
وعقب الهجوم الجماعي للمستوطنين في فبراير الذي أدّى إلى هدم المنازل الفلسطينية في المنطقة، طلب المجلس الإقليمي لبنيامين في مايو من الإدارة المدنية السماح لـHerbst بإزالة "نفايات البناء" الناجمة عن "عمليات هدمٍ سابقة"، دون الإشارة إلى أنّ تلك الهدمات كانت من فعل المستوطنين أنفسهم. ومع ذلك، وافقت الإدارة المدنية على الطلب، ثم أجاز قائد لواء غور الأردن، العقيد Gilad Shriki، تخصيص مرافقةٍ عسكرية لـHerbst.
وبعضٌ من المنازل الفلسطينية في المنطقة يخضع لأمرٍ قضائي إسرائيلي قديم يحميها من الهدم. وقد نصّ الاتفاق على إلزام Herbst بعدم الإضرار بالمباني أو الأشجار والبقاء ضمن المنطقة المخصّصة له وهي تعليماتٌ يقول السكان والناشطون إنّها انتُهكت في كل مرّة، وتحت مرأى المرافقة العسكرية.
قال جبارين، الذي تقدّم بعريضته ضدّ الجيش والمستوطن ونيابة الدولة معاً: "المستوطن يهدم ويواصل الهدم وقلع الأشجار، رغم وجود أوامر قضائية من محكمة القدس تحظر على الجيش هدمها. أي أنّ الجيش التفّ على قرار المحكمة وأرسل المستوطن ليقوم بالهدم عوضاً عنه."
وأضاف: "تدّعي النيابة أنّ دائرة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية أجّرت الأرض للمستوطن، في حين أنّ الإدارة المدنية ذاتها كانت قد منعت المستوطن من هدم أيّ مبنى أو قطع أيّ شجرة."
وخلص جبارين إلى القول: "تحليلي هو أنّ الجيش والإدارة المدنية باتا في قبضة المستوطنين، ولم يعد ثمّة فرقٌ حقيقي بينهما. القانون وأحكام المحاكم لا تعني لهم شيئاً. يؤمنون بأنّ فرض الوقائع على الأرض أقوى من أيّ قرارٍ قضائي."
"لماذا لا أستطيع العودة إلى بيتي؟"
على امتداد الأرض المسوّاة، لا يبقى قائماً سوى شرائط ضيّقة من النباتات في المساحات المشتركة التي لا يملكها أحدٌ بعينه. ويُشير الردّ الأوّلي للدولة إلى أنّ Herbst يعتزم الشروع في زراعة الأرض المسوّاة في وقتٍ قريب. وتتمسّك الدولة بموقفها من أنّ الأرض ذاتها أرضٌ حكومية مخصّصة الآن لـHerbst للاستخدام الزراعي وإن أشارت Sela إلى أنّه لم يُقدَّم قطّ أيّ خريطةٍ أو حدودٍ لتلك المساحة المخصّصة.
قال حسين طه: "الغرض من هذا التدمير كان إرهاب المجتمع البدوي، وإيهام الرأي العام بأنّ هذه منطقةٌ خالية لا يقطنها أحد مجرّد أكوامٍ من الخرسانة المهدومة. ثم يأتي هذا 'المستوطن الطيّب' ليقوم بـ'تنظيف' المنطقة وزراعتها والاستفادة منها، لأنّه يُفترض أنّه يعشق الزراعة والحدائق الخضراء."
بالنسبة للرزيم، الذي اشترت عائلته أرضاً هنا منذ أكثر من عقد، فإنّ ما يجري يحمل طعم المألوف. فهو من سلوان في القدس الشرقية المحتلّة، حيث يمضي المستوطنون عقوداً في دفع العائلات الفلسطينية إلى الخروج عبر منظومةٍ قانونية لا تتيح أيّ سبيل انتصافٍ فعلي، على حدّ قوله. وقد هدمت السلطات منزلاً كان يستأجره ابنه في سلوان. وبسبب نظام الملكية التقليدي السائد في المنطقة، كثيراً ما تبقى الأراضي التي يحوزها الفلسطينيون إرثاً عائلياً مشاعاً غير مقسّم، يتعذّر تسجيله في ظلّ قواعد تشترط إثباتاتٍ لا تستطيع أيّ عائلة تقديمها.
قال الرزيم: "يعرفون أنّه لا طابو سند ملكية له. لكنّهم يقولون: أحضر الإثبات. فيستغلّون هذه الثغرة."
عجزاً عن الوصول بأمانٍ إلى منزله وخشيةً من هجمات المستوطنين، انتقل صالح بزوجته وأطفاله الأربعة إلى شقّةٍ مستأجرة في بيت لحم بإيجارٍ شهري قدره 2,000 شيكل (667 دولاراً)، في حين يعجز عن إيجاد عملٍ هناك. ويعود إلى ما كان يوماً بيته، وحيداً في الغالب، كلّما أتيحت له الفرصة.
قال صالح واقفاً أمام منزله المسدود: "في كلّ مرّة أثير الموضوع مع زوجتي، تنهار. تقول لي: 'نريد أن نعود إلى بيتنا.' وأطفالي يقولون لي: 'لماذا لا نستطيع العودة إلى بيتنا؟' لا أعرف ماذا أقول لهم."
باءت محاولات التفاهم مع المستوطنين بالفشل. أضاف صالح: "هؤلاء المستوطنون لا يحاولون الحوار. يتكلّمون لغةً واحدة فقط: لغة القوّة."
توقّف لحظة، ثم قال: "أشعر أنّني ضعيف. أمام ابني أنا ضعيف لا أستطيع حمايته، ولا أستطيع إعادته إلى بيته. لا يوجد شعورٌ أسوأ من أن تقف أمام أطفالك وزوجتك عاجزاً عن حماية بيتك."
ألقى صالح نظرةً على ابنه الذي كان برفقته ذلك اليوم، وقال: "كنت دائماً أقول لأطفالي: إن لم تتسبّبوا بمشاكل، لن يؤذيكم أحد. إن لم تثيروا المتاعب، لن تتعرّض لكم الحكومة. وابني يقول لي: 'يا أبي، أنت كذّاب. انظر نحن لم نتسبّب بأيّ مشكلة، ومع ذلك جاؤوا وهدموا بيتنا.'"
أشار صالح إلى الأرض المسوّاة المجاورة لمنزله، خلف كومة الأنقاض، ورفع بصره نحو التلّة فوقه حيث تبدو جرّافة Herbst على منحدر المستوطنة التي باتت معترفاً بها رسمياً.
"ماذا يُفترض أن أقول له؟"
أخبار ذات صلة

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين
