كيف تزيل الوحدة بتفاعلات بسيطة يومية
هل تحية بسيطة أو انضمام لمجموعة جري يمكن أن تخفف شعور الوحدة؟ اكتشف كيف تبني التفاعلات اليومية جسور التواصل الاجتماعي وتحديات التكنولوجيا في مواجهة العزلة مع نصائح عملية من خبراء في خَبَرَيْن.

هل يمكن أن تُغيّر تحيةٌ عابرة لباريستا المقهى، أو انضمامٌ متردّد إلى مجموعة جري في الحيّ، مسار شعورك اليومي بالوحدة؟ يبدو السؤال بسيطاً، لكنّ إجابته باتت تشغل الباحثين النفسيين بجدّية متزايدة، بعدما كشف استطلاعٌ لمؤسسة Gallup أُجري عام 2024 أنّ ما يصل إلى واحدٍ من كلّ خمسة بالغين في الولايات المتحدة يشعر بالوحدة «لجزءٍ كبير من اليوم». هذا الرقم، المستمَدّ من استطلاعٍ واسع وليس من تجربةٍ سريرية، دفع خبراء إلى وصف المشكلة بأنها «وباء» مستمرّ وصفٌ يعكس حجم الانتشار أكثر مما يصف آليةً بيولوجية واحدة وراءه.
لماذا تبدأ المعالجة من أصغر التفاعلات؟
تقول الدكتورة لين بوفكا، كبيرة الأخصائيين النفسيين للممارسة في الجمعية الأمريكية لعلم النفس، إنّ العلاقات الضعيفة أو العابرة ليست بلا قيمة؛ فهي غالباً ما تسبق العلاقات الأعمق وتبقى مفيدة بذاتها. تسوق بوفكا أمثلة يومية بسيطة: تحية الباريستا، الانتظار في طابور الدفع، الدردشة بعد حصة الفخار، أو الانضمام إلى نادي جري. هذه التفاعلات العابرة، كما تقول، قد تُخفّف الشعور بالوحدة وتفتح فرصاً للقاء أشخاص مهمّين لاحقاً. وتوضح: «ليس بالضرورة أن يكون الجميع صديقاً مقرّباً لنا... البعض قد يكونون فقط أشخاصاً ودودين نراهم من حولنا بانتظام»، مضيفةً أنّ رؤية وجوهٍ مألوفة وودودة «يعني أنني أنتمي إلى مجتمعٍ يرى فيه الناس بعضهم بعضاً».
المقال يصف هذه التفاعلات الصغيرة بأنها تمرينٌ يبني الثقة الاجتماعية تدريجياً؛ فالمهارات الاجتماعية قد تضعف مع الروتين، لكنها قابلة للتنشيط مجدداً بالممارسة. تنصح بوفكا بتحمّل شيءٍ من عدم الارتياح عند الخروج من منطقة الأمان، وبمعاملة محاولة التواصل كـ«تجربة» لا كمخاطرةٍ برفضٍ محتمل فذلك أسهل نفسياً من افتراض الأسوأ. وتشير إلى أنّ جزءاً من الحلّ هو «الخروج من الذات، وعدم تفسير ردود فعل الآخرين على أنها دليلٌ على أنّ التواصل غير مرغوب»، وتختم بأنّ المطلوب أحياناً هو «إيجاد الشخص المناسب لتلك المحادثة» لا أكثر.
هل تُقرّب الشاشات أم تُبعِد؟
في المقابل، تحذّر الدكتورة شيري تركل، أستاذة الدراسات الاجتماعية للعلم والتكنولوجيا في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، من أنّ الشاشات ومواقع التواصل وحتى روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي قد تُفاقم الانفصال الاجتماعي بدلاً من علاجه. تُقرّ تركل بأنّ التواصل الإلكتروني لم يخلق ميل الناس إلى الراحة أو تجنّب المخاطرة أصلاً، لكنه لم يُساعد على تقليصه أيضاً. وتصف ما تسمّيه محاكاة العلاقة: «كانت التكنولوجيا محفّزاً كبيراً لذلك، لأنها أتاحت الشعور بالصداقة من دون متطلّبات الهشاشة، والشعور بالحميمية من دون متطلّبات الهشاشة» لتضيف بحسم: «لكن تبيّن أنه لا يمكن أن تحصل على الصداقة من دون هشاشة».
تقرّ تركل بأنّ مكالمات الفيديو والمحادثات ومنشورات التواصل الاجتماعي تساعد في الحفاظ على التواصل، لكنها لا تُلبّي الاحتياجات الاجتماعية بالكامل؛ فالمجتمع والحضور الجسدي للأشخاص يظلّان مهمّين في السرّاء والضرّاء. أما محادثات الذكاء الاصطناعي، في رأيها، فتمنح تعاطفاً وتواصلاً «مؤدَّيَين» لا حقيقيَّين، لأنّ التواصل الحقيقي يستدعي أشخاصاً يتفاعلون معك، يتعاطفون، يختلفون معك، ويتحدّون مهاراتك الاجتماعية وهو ما فصّلته في كتابها Artificial Intimacy: Who We Become When We Talk to Machines. وتحذّر من أنّ الحياة الافتراضية قد تُضعف مهارات التواصل الواقعي وتزيد الخوف من الرفض، مقترحةً معياراً بسيطاً للحكم على أيّ تقنية: «هذا هو معيار المحكّ: هل يمكنني استخدام هذه التقنية أو هذه التجربة الافتراضية لتحسين نوعية حياتي في الواقع؟».
الفضول تجاه المختلف عنّا
يقدّم سكوت شيغيوكا، الزميل الباحث في «سدّ الفجوات» بمركز العلوم الإيجابية العظيمة في جامعة UC Berkeley، مدخلاً مختلفاً: الفضول كأداة لكسر العزلة داخل الفقاعات الرقمية والعداء بين الجماعات. يشدّد شيغيوكا على أنّ الأفراد لا ينبغي معاملتهم كنسخٍ متطابقة بناءً على انتمائهم الجماعي، بقوله: «لا يوجد شابّان متماثلان، ولا جنوبيّان متماثلان، ولا ديمقراطيّان متماثلان». في رأيه، يمكن للروابط أن تتشكّل عبر التشابه والاختلاف معاً، ولا حاجة للاتفاق على كلّ شيء؛ وينصح بطرح الأسئلة عندما يشعر المرء بالرفض أو عندما يُتحدّى رأيه، وبأن تبدأ المحادثات بأسئلة خفيفة بدل الأسئلة الحميمة المباشرة. وقد جال شيغيوكا، وهو أكاديمي كاليفورني ذو ميول تقدّمية، أنحاء البلاد في السنوات الأخيرة، وروى أنه أقام روابط ذات معنى مع سياسيين جمهوريين ومجتمعات تعمل في مناجم الفحم رغم الاختلاف السياسي الواضح. يختصر فلسفته في كتابه Seek: How Curiosity Can Transform Your Life and Change the World، قائلاً: «هذا الفضول يساعدنا فعلاً على رؤية الشخص الذي أمامنا، ورؤية حقيقته».
متى لا تكفي الإرادة وحدها؟
تعود عالمة النفس أنجيلا داكوورث، أستاذة كرسي روزا لي وإغبرت تشانغ في جامعة بنسلفانيا، لتُدخل بُعداً آخر إلى النقاش: الوحدة وضعف الروابط الاجتماعية لا يرتبطان فقط بالشعور اليومي، بل بنتائج صحية سيّئة أوسع، وقد يحدّان أيضاً من فرص النجاح الشخصي والمهني وهو ارتباطٌ تصفه داكوورث بوصفه ملاحظة عامة لا علاقةً سببية مؤكَّدة قابلة للتعميم على كلّ حالة. صاحبة كتاب Grit: The Power of Passion and Perseverance الأكثر مبيعاً عام 2018، تُراجع في كتابها الأحدث Situated: Find the People and Places That Bring Out Your Best فكرتها المحورية السابقة عن قوّة الإرادة الداخلية، لتؤكّد أنّ النجاح يعتمد أيضاً على الموارد المحيطة، والبيئات، والأشخاص، لا على الدافع الفردي وحده. وتردّ صراحةً على المقولة الشائعة «لا يمكنك التحكّم بالموقف، لكن يمكنك التحكّم بردّ فعلك تجاهه»، قائلة: «لا أعتقد أنّ هذا صحيح. لا أظنّ أنّ هذا صحيح على الإطلاق» فالناس، في رأيها، يمكنهم التأثير في مواقفهم أصلاً عبر اختيار البيئات والمواقف التي يدخلونها منذ البداية.
يذكّرنا هذا التقاطع بين آراء الباحثين الأربعة بأنّ الحياة الحديثة، كما يشير المقال، لم تُبنَ أصلاً لتُسهّل تكوين شبكاتٍ اجتماعية متينة أو حياةٍ سعيدة؛ فكثيرون تمرّنوا على بناء العلاقات في المدرسة أو بدايات حياتهم المهنية، ثم فقدوا تلك العادة تدريجياً مع الروتين.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
