ثورة البصريات الوراثية تفتح آفاق علاجية جديدة
تقنية البصريات الوراثية تفتح آفاقاً جديدة لفهم الدماغ والتحكم في خلاياه باستخدام الضوء. اكتشافات علمية تقود لعلاجات واعدة للعمى والاضطرابات النفسية تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

حين استعاد شخصٌ فقد بصره تماماً القدرة على تمييز الأشياء ومسكها من فوق طاولة، بفضل نظارةٍ خاصة تُصدر ضوءاً وبروتين شبيه بـ"channelrhodopsin" زُرع في شبكية عينه، لم يكن ذلك خيالاً علمياً، بل ثمرة تقنيةٍ بحثية استغرق تطويرها أكثر من عقدين من الزمن، ونالت اليوم أرفع تكريمٍ علمي في العالم. فقد منحت لجنة جائزة نوبل، في إعلانٍ من السويد يوم الاثنين، جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء لعام 2026 لكلٍّ من كارل ديسيروث وبيتر هيغيمان وجورج ناغل، تقديراً لتطويرهم تقنية البصريات الوراثية (Optogenetics)، التي أتاحت للمرة الأولى دراسة النشاط العصبي والتحكّم فيه باستخدام الضوء.
من طحالب مجهرية إلى مفتاحٍ ضوئي للخلايا العصبية
تبدأ القصة العلمية من كائنٍ مجهري بسيط هو طحلب "Chlamydomonas"، القادر على السباحة باتجاه مصدر الضوء بفضل بروتينٍ حسّاس للضوء يحمل اسم "channelrhodopsin"، موجود على سطح الخلية ويُولّد نبضات كهربائية عند تعرّضه للإضاءة. في أوائل الألفينيات، اكتشف الباحثان الألمانيان بيتر هيغيمان (71 عاماً) وجورج ناغل (73 عاماً) هذا البروتين، في خطوةٍ وصفتها لجنة نوبل بأنها "وضعت الأساس لعصرٍ جديد في علم الأعصاب".
لكن الانتقال من هذا الاكتشاف الأساسي إلى أداةٍ بحثية فعلية جاء على يد العالم الأمريكي كارل ديسيروث (54 عاماً)، الذي حوّل البروتين إلى ما وصفته اللجنة بـ"مفتاح يُتحكّم فيه بالضوء للخلايا العصبية". أدخل ديسيروث الجين المسؤول عن إنتاج هذا البروتين إلى خلايا عصبية في فئران تجارب، فأصبحت هذه الخلايا حسّاسة للضوء، بصرف النظر عن نوعها الأصلي. وفي عام 2007 تقريباً، نجح في إثبات فعالية هذه التقنية عملياً عبر التحكّم بحركة شعيرات الفأر باستخدام الضوء فقط.
عضو لجنة نوبل آنا ويدل اختصرت جوهر الإنجاز بوصفها التقنية بأنها "مفتاح حسّاس للضوء"، مضيفةً أن ما تتيحه هذه الأداة هو القدرة على "رسم خريطة للخلايا المسؤولة عن كل وظيفة" في الدماغ وهي مهمة ظلّت لعقود من أصعب الألغاز في علم الأعصاب.
رؤية الدوائر العصبية بدقة الليزر
لم يعد الباحثون يكتفون بمراقبة الدماغ من الخارج؛ أصبح بإمكانهم تنشيط دوائر عصبية محدّدة أو إسكاتها بشعاع ليزر موجّه، ومراقبة الأثر السلوكي مباشرة. حدّدت لجنة نوبل أمثلة على دوائر تم اكتشافها بهذه الطريقة، تشمل الدوائر المسؤولة عن الألم، والسلوك الاجتماعي، والعطش، وتناول الطعام، والمكافأة، والانتباه. وبحسب بيانٍ صادر عن اللجنة نفسها، فإن هذه التقنية سمحت بتحديد "ذكريات ومشاعر وسلوكيات محدّدة ذات صلة بالاضطرابات العصبية والنفسية".
أندريا بينوتشي، أستاذ علم الأحياء وعلم النفس التجريبي في جامعة كوين ماري بلندن، لخّص الأثر العملي لهذا التحوّل بقوله إن البصريات الوراثية "غيّرت طريقة دراسة الدوائر العصبية المختلّة في الاضطرابات النفسية"، مضيفاً أن "القدرة على تنشيط أو إسكات الخلايا العصبية في الدماغ باستخدام ضوء الليزر فتحت الباب أمام دقةٍ غير مسبوقة".
أما ديفيد بندلبيري، رئيس تحليل الأبحاث في معهد المعلومات العلمية التابع لشركة Clarivate، فوصف التكريم بأنه انعكاسٌ لـ"الأثر العميق لحقلٍ غيّر جذرياً طريقة فهم العلماء للدماغ والجهاز العصبي"، مشيراً إلى أن "اعتراف لجنة نوبل يؤكّد التأثير الاستثنائي لهذا العمل الذي حوّل علم الأعصاب من خلال تمكين الباحثين من استخدام الضوء للتحكّم الدقيق في النشاط العصبي ودراسته".
أمل حذر لمرضى العمى والاضطرابات النفسية
هذا التحكّم الدقيق على المستوى الخلوي هو ما يفتح الباب أمام تطبيقاتٍ علاجية يتابعها الباحثون بحذرٍ علمي معتاد، أبرزها استعادة البصر لدى المصابين بالعمى الناجم عن التهاب الشبكية الصباغي (retinitis pigmentosa)، وهو مرض يُدمّر الخلايا العصوية والمخروطية في العين. وقد وثّقت لجنة نوبل حالةً فعلية في بيانها الرسمي: "حين أدخلوا بروتيناً شبيهاً بـ channelrhodopsin في شبكية شخصٍ أعمى، استعاد الشخص بعض البصر. وباستخدام نظارات خاصة تُصدر ضوءاً، تمكّن الشخص من تمييز الأشياء ومسكها فوق طاولة".
إلى جانب هذا المسار، يستكشف باحثون آخرون إمكانية توظيف البصريات الوراثية لتحسين أداء زرعات القوقعة الخاصة بضعاف السمع. أما على الصعيد النفسي والعصبي الأوسع، فتُراهن الأبحاث على هذه التقنية لتعميق فهم اضطراباتٍ تشمل الاكتئاب والقلق والفصام، إضافة إلى مرضَي الزهايمر وباركنسون، بهدف دعم تطوير علاجاتٍ أكثر استهدافاً في المستقبل وإن كان الفارق بين "فهم الآلية" و"إيجاد العلاج" لا يزال فارقاً كبيراً تتطلّب تجاوزه سنواتٌ من البحث السريري.
ولا تخلو خلفية الاكتشاف من لمسةٍ إنسانية: فقد عمل هيغيمان في عيادةٍ نفسية قبل أن يتحوّل مساره نحو الجراحة العصبية، وهي رحلةٌ تختصر المسافة التي قطعها حقل علم الأعصاب من الملاحظة السريرية إلى التدخّل الجزيئي الدقيق.
لحظة الإعلان ومسيرة الأسبوع النوبلي
كشف توماس بيرلمان، الأمين العام للجنة نوبل، عن تفاصيل طريفة من لحظة إبلاغ الفائزين، قائلاً إنه كان "متفاجئاً جداً" من ردود أفعالهم، وروى: "كان كارل ديسيروث متعباً جداً حين أجاب، وكان نائماً بالتأكيد، لكنه استيقظ... وقال الثلاثة جميعاً الشيء نفسه، إنهم وجدوا الأمر رائعاً تماماً أن يتلقّوا الجائزة مع الاثنين الآخرين".
سيتقاسم الفائزون الثلاثة قيمة الجائزة البالغة 12 مليون كرونة سويدية (ما يعادل 1,200,000 دولار) بالتساوي فيما بينهم. ويأتي هذا الإعلان في بداية أسبوعٍ حافل بالجوائز النوبلية، إذ من المقرر الإعلان عن جوائز الفيزياء والكيمياء والآداب والسلام لاحقاً هذا الأسبوع، تليها جائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية يوم الاثنين المقبل.
وبينما يبقى السؤال عن مدى قرب تحوّل هذه النتائج المخبرية إلى علاجاتٍ سريرية واسعة الانتشار مفتوحاً، فإن ما تؤكده هذه الجائزة هو أن قدرة العلماء على "رؤية" الدماغ من الداخل بدقة الخلية الواحدة لم تعد حلماً نظرياً، بل أداة بحثٍ فعلية تُعيد تشكيل فهمنا لأكثر أعضاء الجسم تعقيداً.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
