زلزال كوريا الشمالية المستمر يكشف أسرار النشاط النووي
رصد نشاط زلزالي مستمر ومتصاعد تحت جبل Mantap في كوريا الشمالية رغم توقف التجارب النووية هناك تفسير علمي يربط بين الانفجارات وتسرّب المياه التي ترفع الضغط وتزيد من حركة الصدوع تابع التفاصيل على خَبَرَيْن

ثمانية أعوام مرّت على آخر تجربة نووية أجرتها كوريا الشمالية في موقع Punggye-ri، غير أنّ الأرض تحت جبل Mantap لا تزال تتحرّك. بيانات زلزالية رصدها باحثون من جامعتَي Chicago وPusan الوطنية تكشف عن نمطٍ مقلق: 1,399 زلزالاً سُجّلت في المنطقة المحيطة بالجبل بين عامَي 2008 و2025، وبدلاً من أن تتراجع وتيرة هذه الهزّات بعد توقّف التجارب، ازدادت عدداً وشدّةً مع مرور الوقت. هذا ما لم يتوقّعه العلماء، وهو ما يجعل الاكتشاف استثنائياً.
ستّ تجارب وأرضٌ لم تهدأ
أجرت كوريا الشمالية ستّ تجارب نووية تحت الأرض في موقع Punggye-ri بين عامَي 2006 و2017. كانت التجربة السادسة والأخيرة في 2017 الأعنف على الإطلاق، بقوّةٍ تفجيرية مقدَّرة بـ160 كيلوطناً، أطلقت زلزالاً بلغت قوّته 6.3 درجات وأفضت على الأرجح إلى انهيار أنفاق داخل الموقع.
في المناطق التي تشهد تجارب نووية تحت الأرض، تحدث عادةً هزّاتٌ أرضية صغيرة في أعقاب الانفجارات مباشرةً، ثمّ تتلاشى تدريجياً. هذا هو النمط المعروف. لكنّ ما رصده الفريق البحثي في Punggye-ri يخالف هذا المنطق تماماً. يقول Kwang-Hee Kim، أستاذ في جامعة Pusan الوطنية: "في معظم الحالات السابقة، تراجعت الزلازل المُثارة بفعل التجارب النووية تحت الأرض بسرعةٍ نسبية بعد الاضطراب الأوّلي. أمّا هنا، فيبدو أنّ العكس هو ما يحدث: استمرّت النشاطات الزلزالية بل ازدادت مع الوقت".
وتصف Sunyoung Park، الأستاذة المساعدة في جامعة Chicago، ردّة فعل الفريق حين اكتشف هذا النمط بقولها: "كنّا في حالة صدمةٍ حقيقية. كان الاتجاه الزلزالي واضحاً وخطّياً بشكلٍ لافت".
الآلية الفيزيائية: الماء يفتح الصدوع
تقع شبه الجزيرة الكورية على قشرةٍ قارّية مستقرّة، وقد كانت منطقة جبل Mantap تاريخياً شبه خاليةٍ من الزلازل لم تُسجَّل فيها أيّ هزّات تقريباً قبل مطلع هذا القرن. غير أنّ هذه القشرة القديمة تحتضن صدوعاً داخلية (intraplate faults) موروثة من حقب جيولوجية سحيقة، وهي ما أيقظته التجارب النووية.
أوّل هزّة رُصدت في أعقاب تجربةٍ نووية كانت عام 2013، إثر التجربة الثالثة. ومعظم الزلازل المسجَّلة تراوحت بين الدرجتين 2 و3، وكانت ضحلة الأعماق. لكنّ الأهمّ من حجمها هو الاتجاه التصاعدي المستمرّ الذي لم يتوقّف حتى بعد انقطاع التجارب.
تُقدّم Park تفسيراً فيزيائياً لهذه الظاهرة: "ربّما كسّرت الانفجارات حجماً ضخماً من الصخور، ممّا أوجد شقوقاً وممرّاتٍ جديدة لتتحرّك الماء عبرها". وتُضيف: "حين تتسرّب المياه إلى تلك الشقوق، ترفع الضغط المسامي داخل الصخر. هذا الضغط يُبعد الصدوع عن بعضها فعلياً، ممّا يُسهّل انزلاقها".
بمعنى آخر، التجارب النووية لم تُثِر الزلازل مباشرةً فحسب، بل هيّأت البنية الجيولوجية لاستمرار النشاط الزلزالي لسنواتٍ بعدها، عبر آليةٍ تدريجية تتوسّط فيها المياه الجوفية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الدراسة استبعدت الزلازل التي رصدتها أقلّ من ثلاث محطّات مراقبة، ممّا يعني أنّ العدد الفعلي للهزّات قد يكون أعلى من 1,399.
ظاهرة تشبه ما حدث في هولندا وأوكلاهوما
ليست هذه المرّة الأولى التي تُثير فيها أنشطةٌ بشرية تحت الأرض نشاطاً زلزالياً ممتدّاً. في هولندا، أفضى استخراج الغاز الطبيعي منذ ستّينيات القرن الماضي إلى زلازل متكرّرة لا تزال مستمرّة. وفي ولاية Oklahoma الأمريكية، بين عامَي 2009 و2015، تسبّبت عمليات حقن مياه الصرف الصناعي في الأرض في موجةٍ من الزلازل المستحثّة. في كلتا الحالتين، كان الضغط المسامي هو المحرّك الرئيسي.
ما يجعل حالة Punggye-ri مختلفةً هو طبيعة المُحفّز: انفجاراتٌ نووية ضخمة في بيئةٍ جيولوجية كانت ساكنة تاريخياً، وفي منطقةٍ تخضع لرقابة دولية مشدّدة لأسبابٍ أمنية وسياسية.
تلخّص Park الدرس الأشمل من هذه الدراسة بقولها: "أعتقد أنّ الدرس الأوسع هو أنّ الاضطرابات قصيرة الأمد يمكن أن تترتّب عليها عواقب تمتدّ لسنواتٍ أو حتى عقود".
الموقع يُرمَّم والمراقبة تتصاعد
على الرغم من غياب أيّ دليل على إجراء تجارب نووية جديدة في Punggye-ri منذ 2017 وهو ما أكّده الباحثون فإنّ مؤشّرات عدّة تُشير إلى أنّ الموقع لم يُهجَر. ففي مارس 2022، أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بأنّ كوريا الشمالية بدأت ترميم أنفاق الموقع. وفي 2025، أكّد تقرير وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (US Defense Intelligence Agency) أنّ الموقع النووي استُعيدت قدراته.
في السياق ذاته، رصد باحثون كوريون جنوبيون لدى مُنشقّين قادمين من المناطق المجاورة لموقع التجارب علاماتٍ محتملة للتعرّض للإشعاع، وإن ظلّ السبب غير محسوم.
يُشير Kim إلى أنّ المنطقة كانت في الأصل هادئةً جيولوجياً: "لا أستطيع القول إنّه لا توجد زلازل البتّة، لكنّ النشاط الزلزالي هنا كان منخفضاً جدّاً". هذا الهدوء التاريخي هو ما يجعل الاتجاه الراهن أكثر وضوحاً وأشدّ دلالةً.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً الآن: إذا استُؤنفت التجارب النووية في Punggye-ri وهو ما تُلمح إليه تقارير الترميم فكيف ستتفاعل أرضٌ باتت صدوعها مُنشَّطة وقنواتها المائية مفتوحة مع انفجاراتٍ جديدة؟ العلم يُحذّر من أنّ الأرض التي اهتزّت مرّةً قد تهتزّ بسهولةٍ أكبر في المرّة القادمة.
أخبار ذات صلة

هذه الجزيرة كانت موطنًا لأكبر مستعمرة للبطريق على الكواكب، لماذا فقدت هذا اللقب للتو؟

المصريون القدماء كانوا يضحّون بالخدم عند وفاة الملوك

علماء الفلك يكتشفون احتمال ولادة كوكب من رماد نجوم ميتة
