مرض النوم القهري بين الحقيقة والتشويه في الإعلام
مرض النوم القهري يُساء تمثيله في الأفلام والمسلسلات حيث تُبالغ في نوبات النوم والسخرية منه مما يضر المصابين ويزيد من سوء الفهم. تعرف على الحقيقة وكيف تؤثر هذه الصور الخاطئة على المرضى وعائلاتهم عبر خَبَرَيْن.

شاهدت كاندي ويلموت، وهي أمٌّ مصابة بالنوع الأول من مرض النوم القهري (Narcolepsy)، فيلم "Snow White" بنسخته الحيّة لعام 2026 برفقة ابنتها أديلين البالغة من العمر 9 سنوات. كانت تتوقّع أمسية عائلية هادئة، لكنّ الفيلم قدّم شخصية القزم "سليبي" بوصفه مصاباً بـ"نوبات النوم القهري المصحوبة بالسكتة الانفعالية"، فراح يشخر في منتصف الحديث، ويغفو أثناء مشاهد القتال، ويتجمّد فجأة ليسقط أرضاً في مشاهد أُريد لها أن تكون طريفة، حتى كاد يسقط إلى الخلف داخل فجوة منجم لولا أن أمسك به أحد الأقزام. تقول ويلموت: "كان يُفترض أن تكون تجربة ممتعة بين أمّ وابنتها، لكنّها لم تكن كذلك على الإطلاق"، مضيفةً: "لم أسمع من قبل بمصطلح 'نوبات النوم القهري المصحوبة بالسكتة الانفعالية' الذي قُدِّم به سليبي... لا شيء من ذلك يحدث في مرض النوم القهري الحقيقي، لم يكن الأمر مضحكاً، ولم يكن واقعياً بالتأكيد".
الأدهى أنّ ما تلا العرض كان أثقل من العرض نفسه: سألت أديلين والدتها بعد الفيلم: "ماما، لو توقّفتِ عن أخذ دوائك، هل ستصبحين مثله؟". تصف ويلموت شعورها حينها قائلة: "شعرتُ بالإهانة من الشخصية، وأدركتُ أنّ طفلتي قد ترى هذا السلوك وتتساءل عن حالتي الصحية"، وتضيف أنّ ابنتها "قلقت من أن يرى أطفال آخرون في الصالة هذا المشهد ويظنّوا أنّ المصابين بمرض النوم القهري يُعرِّضون أنفسهم أو غيرهم للخطر".
هذه الحادثة الفردية ليست استثناءً، بل عيّنة من نمطٍ متكرّر رصده تحليلٌ جديد، أعدّه مركز نورمان لير التابع لكلية أنينبرغ للتواصل والصحافة في جامعة جنوب كاليفورنيا (USC Annenberg) بالتعاون مع منظمة Project Sleep. حمل التقرير عنوان "دعوة لإعادة النظر في التمثيل: مرض النوم القهري في السرديات الترفيهية الخيالية"، وصدر يوم الثلاثاء بالتزامن مع اليوم العالمي لمرض النوم القهري، بعد فحص 56 إنتاجاً هوليوودياً صدرت بين عامَي 1983 و 2026.
ماذا يعني مرض النوم القهري فعلاً؟
قبل الخوض في أخطاء الشاشة، تجدر الإشارة إلى أنّ مرض النوم القهري اضطرابٌ عصبيٌّ مزمن لا شفاء منه حتى الآن، يصيب نحو واحد من كل 2000 أميركي وملايين الأشخاص حول العالم. تشمل أعراضه النعاس الشديد أثناء النهار، والهلوسات، وشلل النوم، والسكتة الانفعالية (Cataplexy) وهي ضعفٌ أو شللٌ عضليٌّ مفاجئ. غير أنّ هذه السكتة، بحسب جولي فلايغار، رئيسة منظّمة Project Sleep التنفيذية، لا تشبه إطلاقاً ما تعرضه الشاشة: "هذا لا يحدث. نحن لا نسقط كأننا لوحٌ خشبيٌّ على الأرض، ولا نتوقّف فجأة عن الكلام لنشخر، ولا ننكبّ على طعامنا". وتوضح أنّ إرهاق مرض النوم القهري أقلّ وضوحاً للمراقب الخارجي مما تصوّره الأفلام: "يحدث عادة خلال دقائق عدّة، بما يتيح وقتاً للجلوس أو الاستلقاء. أمّا مع السكتة الانفعالية، فقد تنهار ركبتانا ونسقط أرضاً، لكننا نبقى واعين تماماً".
ورغم هذا التباين الجوهري بين الواقع الطبي والتصوير الدرامي، وجد التحليل أنّ 82% من الشخصيات المصابة بمرض النوم القهري في الإنتاجات المدروسة تعرّضت لنوبات نومٍ مبالغ فيها، وأنّ 68% من أصل 41 شخصية ظهرت بمظهر العاجز أو غير الموثوق به. والأخطر أنّ 80% من هذه الإنتاجات استخدمت المرض كنكتةٍ متكرّرة، رغم أنّ أقلّ من نصف الأعمال المدروسة كانت أعمالاً كوميدية أصلاً أي أنّ السخرية تسلّلت حتى إلى أنواعٍ درامية لا تُصنَّف كوميدية.
من "سكرابس" إلى "ديوس بيغالو": نمطٌ متكرّر عبر عقود
يعود هذا النمط إلى عقودٍ خلت. ففي الموسم الثاني من مسلسل "Scrubs" الطبي الكوميدي، تُعرَض حلقة يقول فيها الطبيب المقيم جاي دي لزملائه: "هل تريدون الذهاب لنضحك على الرجل المصاب بالنوم القهري؟". وفي فيلم "Deuce Bigalow: Male Gigolo" لعام 1999، تنكفئ شخصية كارول برأسها فوق طبق حساء ، ثم تفقد وعيها لاحقاً في مضمار البولينغ بعد أن تسجّل ضربة كاملة. تقول كارول في الفيلم: "هذا أمرٌ رائع، لطالما أردتُ تجربة الحساء لكنني كنتُ أخشى ذلك لكي لا أغفو واتأذى"، وتضيف في موضعٍ آخر: "ليس أسوأ ما يمكن أن يُصاب به المرء، فقط لا يُسمح لي بقيادة طائرة أو سيارة أو العمل في ميدان رماية".
يستذكر جوش أندروز، لاعب كرة القدم الأميركية السابق الذي لعب مع فريق Philadelphia Eagles قبل أن يُشخَّص بمرض النوم القهري في السادسة والعشرين من عمره، هذا الفيلم تحديداً بوصفه المرجع الثقافي الأول الذي يتبادر إلى ذهنه: "حين أفكّر في مرض النوم القهري، أفكّر في 'Deuce Bigalow: Male Gigolo' الفتاة تنام فجأة على الطاولة، وأقول في نفسي: حسناً، أنا لا أعاني من ذلك". وهذا بالضبط جوهر المشكلة كما تصفها الدكتورة شيلبي هاريس، أخصائية علم نفس طب النوم: "لا أحد يريد أن يكون هدفاً للنكتة"، وتضيف بعد اطّلاعها على عيّنة من هذه الأعمال: "كان مذهلاً حقاً أن أرى إلى أيّ حدٍّ يمكن لصناعة الترفيه أن تكون قليلة الحسّ... لو كنتُ مريضة بالنوم القهري وشاهدتُ هذه الأعمال، لشعرتُ بالخجل والاستصغار".
النمط لم يتوقف عند الأفلام القديمة. ففي الحلقة الأولى من مسلسل "The Recruit" على Netflix عام 2022، يغفو المحامي جانوس فيربر أثناء العمل، فيصرخ به رئيسه: "اسمع، كفى. لا أحد يصدّق هراء النوم القهري هذا، ولا يهمّني ما تقوله ورقة طبيبك". أُلغي المسلسل بعد موسمه الثاني. وحتى مسلسل "The Pitt" الطبي، الذي نال جائزة نورمان لير لعام 2025 تقديراً لدقّته في تصوير طب الطوارئ، لجأ في حلقة نهاية الموسم الثاني عام 2026 إلى مصطلحٍ فكاهيٍّ مختلَق هو "فرط النوم القهري" ضمن مشهدٍ يقول فيه أحد الشخصيات: "يبدو ميّتاً بالفعل". وتفسّر إيريكا روزنتال، مديرة الأبحاث في مركز نورمان لير، هذا التناقض: "فريقنا للصحة والمجتمع في هوليوود يعمل مع 'The Pitt' في كلّ حلقة تقريباً، والمسلسل يستعين بعدّة مستشارين طبيين أثناء التصوير، لكنّ طبّ النوم تخصّصٌ قائمٌ بذاته، والمسلسل يركّز على الدقّة في طب الطوارئ تحديداً".
الاستثناء النادر: كيف نجح "ذا سيمبسونز" حيث فشل غيره؟
وسط هذا الركام من الصور النمطية، يبرز مثالٌ واحد وصفه التقرير بأنه الأدقّ من بين 56 إنتاجاً: حلقة "Every Man's Dream"، افتتاحية الموسم السابع والعشرين من "The Simpsons" عام 2015. في هذه الحلقة، يخضع هوميروس سيمبسون لخزعة نخاعية (بزل قطني) كجزء من فحوصات تشخيص مرض النوم القهري وهو، بحسب التقرير، الإجراء التشخيصي الوحيد الدقيق طبياً عبر كل الإنتاجات المدروسة. تدور الفكاهة في الحلقة حول استغلال هوميروس تشخيصه للتهرّب من الأعمال المنزلية، لا حول السخرية من المرض نفسه: يقول بارت في أحد المشاهد "اسحبوا القابس"، ويصرخ الطبيب في مشهدٍ آخر "سأوسعكم ضرباً".
يشرح آل جين، منتج ومعدّ مسلسل "The Simpsons"، الفلسفة وراء هذا الاختيار: "ركّزنا الفكاهة على كيفية محاولة هوميروس استغلال التشخيص للتهرّب من العمل هذه طبيعة هوميروس، ومرض النوم القهري ساعدنا فقط في السماح له بأن يكون هوميروس على طبيعته... بهذه الطريقة استطعنا استخدام المرض في مشهدٍ فكاهي من دون إهانة المصابين به". ويؤكد جين أن الدقّة كانت مقصودة: "كان من المهم أن نصوّر مرض النوم القهري بشكلٍ صحيح. في الواقع، حاولنا أن نكون أكثر دقّة من مسلسلاتٍ طبية مثل 'The Pitt'... كثيراً ما قيل لنا إننا أكثر دقّة من مسلسلاتٍ تدّعي أنها واقعية".
سرّ هذه الدقّة، بحسب جولي فلايغار، يعود إلى تعاونٍ مباشر بدأ بعد أن تواصلت معها الجهة المنتجة إثر تغريدةٍ نشرتها عام 2015: "لا أستطيع أن أحصي عدد المسلسلات التي تواصلتُ معها لأعرض عليها إرشادنا حول تصوير مرض النوم القهري. آل واحدٌ من القلائل الذين استجابوا فعلاً وأخذوا اقتراحاتنا بجدّية"، مضيفةً أنّ "آل متواضعٌ جداً بشأن دوره في هذا الأمر". وتقول فلايغار إنها كانت تأمل أن تكون هذه "صورةً جيدة، لا الصورة التلفزيونية النمطية المعتادة عن مرض النوم القهري".
هذا المثال ليس وحيداً تماماً، وإن كان الأبرز. فمسلسل "Hill Street Blues" عام 1983 قدّم تصويراً معقولاً نسبياً للسكتة الانفعالية. ومسلسل Disney بعنوان "The Mysterious Benedict Society" صوّر بدقّةٍ إلى حدٍّ كبير توأمَين متطابقَين مصابَين بالنوع الأول من مرض النوم القهري. وفيلم "Wake" لعام 2023 تناول الهلوسات المرتبطة بالمرض. وهذه الأمثلة تنضمّ إلى موجةٍ أوسع من الأعمال التي كافأتها هوليوود لتصويرها الشامل والدقيق اجتماعياً وطبياً، مثل فيلم "CODA" الذي ضمّ طاقماً غالبيته من الصمّ وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم عام 2021، حين أصبح تروي كوتسور أول ممثلٍ أصمّ يفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد، ومسلسل "Love on the Spectrum" الذي حصد 10 جوائز Emmy.
وصمةٌ تتجاوز حدود الشاشة
لماذا تهمّ هذه التفاصيل؟ لأنّ الصور المشوَّهة لا تبقى حبيسة الشاشة، بل تتسلّل إلى تعامل الناس مع المصابين الفعليين. تقول إيريكا روزنتال إنّ "المصابين بمرض النوم القهري قد يُوصَمون من قِبَل أرباب العمل والزملاء والمعلّمين وحتى ذويهم بأنهم مهملون أو غير أكفاء أو منعزلون اجتماعياً أو أقلّ شأناً من غيرهم". وتضيف أنّ هذه الصور النمطية الراسخة "قد تتسلّل من دون أن يدرك أحد ذلك بالضرورة. نجد أن معظم الكتّاب متجاوبون فهم لا يسعون إلى تهميش أحد، لكن الأمر ببساطة لا يخطر ببالهم أحياناً".
هذا بالضبط ما تختم به كاندي ويلموت شهادتها، إذ تقول: "حين تُصوَّر الحالات الطبية بشكلٍ غير دقيق، يقع على عاتق من يعيشون معها التعامل مع سوء الفهم لاحقاً"، وتضيف: "أريد من الجمهور أن يفهم أنّ الإصابة بمرض النوم القهري لا تعني أنّ الشخص كسول أو عاجز عن البقاء مستيقظاً. إنه اضطرابٌ عصبيٌّ يؤثّر على جوانب مختلفة من حياتنا كلّ يوم".
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
