كشف شبكة المافيا في نابولي وأسرار الأموال المخفية
في شقة قرب نابولي عُثر على 3.2 مليون يورو مخبأة مع ساعات رولكس وأسلحة ضمن شبكة مافيا تتاجر بالمخدرات والابتزاز. العملية كشفت نفوذ العصابة داخل السجون والمؤسسات المحلية وتطرح تساؤلات عن فعالية مكافحة الجريمة خَبَرَيْن

في شقّةٍ عاديةِ المظهر في مدينة كايفانو، على مقربةٍ من نابولي، كانت الجدران والأرضيات تُخفي ثروةً بالكامل: أوراقاً نقدية من فئة الخمسين يورو، مرصوصة في صفوفٍ منتظمة ومغلّفة بالسيلوفان، دُسّت تحت البلاط وداخل أدراجٍ سرّية في الخزائن وثنايا الأثاث. حين اقتحم عناصر كارابينيري نابولي المكان فجر الاثنين، لم يصدّقوا حجم ما عثروا عليه: 3.2 مليون يورو (3.6 مليون دولار)، نُقلت لاحقاً في دلاءِ ممسحةٍ بلاستيكية وسيارةٍ مصفّحة، إلى جانب 11 ساعة رولكس فاخرة وأسلحة ومعدّات تُستخدم في بيع المخدّرات.
هذا المشهد، الذي وثّق في مقطع فيديو مدّته 56 ثانية يُظهر الأموال مخبّأة داخل جدران الشقة، لم يكن سوى الواجهة الظاهرة لعملية استخباراتية استمرّت أشهراً طويلة، انتهت باعتقال 34 شخصاً يُشتبه في انتمائهم إلى شبكة إجرامية شبيهة بالمافيا، تنشط في تجارة المخدّرات والابتزاز، ويُزعم ارتباطها بعصابة "أنجلينو" المحلية.
كيف كُشفت الشبكة من داخل السجن؟
قاد النائب العام لمكافحة المافيا في نابولي، نيكولا غراتيري، هذه العملية التي استندت إلى تنصّتٍ على هواتف خلوية بحوزة عناصر مافيا مسجونين، يُزعم أن أقاربهم هرّبوها إليهم داخل السجن. وقدّم مخبرون أدلّةً إضافية للمدّعين العامين مقابل الحصول على الحماية.
وقال غراتيري، في تصريحٍ يوم الاثنين: "لإظهار أهمية العملية، في منزلٍ واحدٍ فقط، صادرنا 3.2 مليون يورو نقداً، إضافةً إلى ساعات ثمينة". ويواجه المشتبه بهم الـ34 اتهاماتٍ تشمل الانتماء إلى تنظيمٍ إجرامي على شاكلة المافيا، والاتّجار بالمخدّرات، والابتزاز، وحيازة المخدّرات بقصد التوزيع. ووفق التحقيقات، كانت الشبكة تعتمد نظام نوباتِ عملٍ متداخلة لتوزيع المخدّرات وتنفيذ عمليات الابتزاز، وهو ما وصفه غراتيري بأنه أسلوب عملٍ "استثماري" (entrepreneurial) أقرب إلى إدارة مؤسسة تجارية منه إلى عصابة تقليدية.
هذا التوصيف ليس تفصيلاً عابراً؛ فقد وُضعت الإدارة المحلية في كايفانو تحت الوصاية القضائية العام الماضي، بعد اتهاماتٍ باختراق عصابة "أنجلينو" العميق لمفاصل الحكم المحلي، في مؤشرٍ على أن نفوذ الشبكة لم يقتصر على الشارع، بل امتدّ إلى مؤسسات المدينة نفسها.
"نموذج كايفانو" على المحكّ
لم تكن كايفانو غريبةً عن الأضواء السياسية قبل عملية الاثنين. ففي عام 2023، أطلقت حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ما يُعرف بـ"نموذج كايفانو"، وهو مبادرة تجمع بين إعادة التأهيل العمراني والوقاية من الجريمة، قُدّمت وقتها كنموذجٍ يمكن تعميمه لاحقاً على مناطق إيطالية أخرى تعاني التهميش. وفي مؤتمرٍ صحفي عُقد في سبتمبر 2023، شرح أمين سرّ مجلس الوزراء ألفريدو مانتوفانو فلسفة المرسوم قائلاً: "يهدف مرسوم كايفانو إلى تحديد نموذج تدخّلٍ يُطبَّق فوراً على كايفانو، ثم، متى توافرت الظروف المناسبة، على مناطق متدهورة أخرى في البلاد". وأضاف أن الهدف لا يقتصر على مواجهة "آفة جنوح الأحداث"، بل يشمل أيضاً "عرض بديلٍ إيجابي عن الشارع، وعن الاتّجار بالمخدّرات".
غير أن عملية الاثنين جاءت لتُلقي بظلالٍ من الشكّ على فاعلية هذا النموذج. فقد اعتبر المعارض البرلماني فرانشيسكو بوريلّي، ممثّل تحالف الخُضر واليسار، أن ما كشفته التحقيقات يناقض الخطاب الرسمي، قائلاً: "لأشهرٍ شهدنا مواكب رئيسة الوزراء ووزرائها، يدعون تحقيق (تنظيف) صوّرناه، في رأينا، على أنه انتصارٌ نهائي على الجريمة المنظّمة. لكنّ الواقع الذي كشفه التحقيق مختلف".
أموالٌ مقابل التنصّت
في خضمّ هذا الجدل السياسي، فتح غراتيري ملفّاً آخر لا يقلّ حساسية: تمويل عمل مكافحة المافيا نفسه. فقد واجهت إدارته في الأشهر الأخيرة تخفيضاتٍ في التمويل الحكومي، في وقتٍ تعتمد فيه عملياته على أدواتٍ مكلفة كالتنصّت الهاتفي. وأوضح أن الأموال المصادرة يوم الاثنين ستُحوَّل إلى "صندوق العدالة" الإيطالي المخصّص لدعم ضحايا الجريمة المنظّمة، وأنها كافيةٌ لتمويل عملٍ كاملٍ لتنصّت الشرطة في نابولي لمدة عام.
وقال غراتيري في تصريحه: "أفكّر في اللحظة التي يريد فيها الوزير تقليص عمليات التنصّت لتوفير المال. لكن اليوم بالتحديد، وبفضل الـ3.2 مليون يورو التي عُثر عليها وستذهب مباشرةً إلى صندوق العدالة، دفعنا تكلفة عامٍ كاملٍ من التنصّت في نابولي وحدها. ونحن بحاجةٍ إلى تنفيذ عملياتٍ عديدة أخرى مشابهة".
هذه العبارة الأخيرة تختصر المعضلة التي تواجه السلطات الإيطالية في كايفانو: عمليةٌ واحدة كشفت عن ملايين اليوروهات المخبّأة في جدران شقةٍ سكنية، لكنها في الوقت نفسه ذكّرت بأن الشبكات التي تديرها عقولٌ من داخل زنازين السجون لا تزال قادرة على العمل بمنطقٍ "استثماري" محكم، وأن معركة الدولة معها بعيدة عن الحسم، مهما زُيّنت واجهات المدن التي تنشط فيها.
أخبار ذات صلة

مكسيكو تستجيب لمقتل إسبانية بسرعة... لكن ماذا عن ضحاياها النساء؟

أوروبا تستعدّ للصراع الأوسع: ما وراء أوكرانيا

روسيا تصعّد هجماتها على أوروبا.. والمخاطرة بخطأ قاتل تزداد يومياً
