هل نتيجة فحص الدم تكشف السرطان حقاً
هل النتيجة السلبية لفحص الدم تعني أنك خالٍ من السرطان؟ تعرف على قصص حقيقية وتجارب فحوصات الكشف المتعدد وكيف تؤثر النتائج على قراراتك الصحية في خَبَرَيْن.

هل تعني النتيجة السلبية لفحص دمٍ واحد أنّك خالٍ من السرطان؟ هذا هو السؤال الذي يواجهه اليوم كل من يفكّر في إجراء فحوصات الكشف المتعدد عن السرطان (Multicancer Early Detection)، المعروفة أيضاً باسم "الخزعة السائلة" (Liquid Biopsy)، وسط إعلاناتٍ تعِد باكتشاف أكثر من 50 نوعاً من السرطان من عيّنة دمٍ واحدة. قصّة جراح أعصاب أميركي خضع لفحص Galleri من شركة Grail، ودفع نحو 1000 دولار لقاءه، تكشف أن الإجابة أكثر تعقيداً بكثير من "نعم" أو "لا".
نتيجة سلبية لا تعني الأمان الكامل
الجراح، الذي خضع لفحوصات دمٍ متكررة لأكثر من 50 عاماً، وصف توقّعه للنتيجة بأنها "روتينية، من المرجّح أن تعود طبيعية"، لكنّه أقرّ بأنّ الفحص "سيكون إمّا لا شيء، أو سيغيّر كل شيء في الطريقة التي سأعيش بها السنة المقبلة من حياتي". النتيجة جاءت سلبية، فقرّر الاستمرار بجدوله المعتاد من الفحوصات، بما فيها تنظير القولون المقرَّر قرب عيد ميلاده هذا العام، رغم شكوكه في مدى منطقية إجراء الفحص أساساً، وما يرافقه من ترقّبٍ نفسي مقلق أثناء انتظار النتيجة.
هنا تكمن نقطة الالتباس الأهم: النتيجة السلبية تعني فقط أن الفحص لم يرصد شيئاً في ذلك اليوم، وليس أن السرطان غائبٌ بالضرورة. فالأورام تُفرز أحياناً شذرات من الحمض النووي (DNA) في مجرى الدم عند نموّها، وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه الخزعة السائلة لكن غياب هذه الشذرات في لحظة الفحص لا يضمن غياب المرض لاحقاً أو حتى في اللحظة نفسها.
عندما تنجح النتيجة الإيجابية: قصة الدكتورة كاترينا فيرليك
في المقابل، تقدّم تجربة الجراحة العصبية كاترينا فيرليك مثالاً على الجانب الآخر من القصة. كانت فيرليك سليمةً وخالية من الأعراض حين أظهر فحص Galleri نتيجة إيجابية غير متوقّعة قبل أشهر قليلة. أظهر التصوير بالإصدار البوزيتروني (PET) كتلةً في صدرها وصفتها بأنها "كأنّها لمبة إضاءة"، وتبيّن أنها ليمفوما هودجكن (Hodgkin Lymphoma) في مرحلة مبكرة بشكل غير معتاد. أنهت فيرليك علاجها قبل أن تظهر عليها أي أعراض على الإطلاق في حين أن السعال المستمر عند سن الخمسين، أو ضيق النفس أثناء المشي في الجبال عند الستين، كانا من الأعراض المحتملة التي قد تظهر لاحقاً لو لم يُكتشف المرض مبكراً.
وصف الجراح الصدري المعالج فيرليك بأنها "أسعد شخصٍ غير محظوظ قابله على الإطلاق"، وهي تصف تجربتها بقولها: "لم أضطر لأن أنجو من أزمة سرطان. حصلت على فرصة تجاوزها كلياً". وحين سألت طبيبها الجراح "هل تحب أن تجد السرطان مبكراً؟"، أجابها الأخير: "من لا يحب ذلك؟".
حين تُصمت النتيجة السلبية أجراس الإنذار الحقيقية
لكن التجربة الأكثر تحذيراً تأتي من برنامج فحص السرطان لرجال الإطفاء في أريزونا، بقيادة الدكتورة فيرشالي شوكلا. يواجه رجال الإطفاء معدلات إصابة مرتفعة بالسرطان بسبب التعرّض المزمن للسموم والمواد المسرطنة المهنية، ما يجعل الكشف المبكر بالنسبة لهم أولوية حقيقية.
أجرى فريق شوكلا نحو 10,000 خزعة سائلة خلال السنوات الخمس الماضية، لم تكشف سوى أقل من اثنتي عشرة حالة سرطان. وفي أسبوعٍ واحد، جرى فحص 500 من رجال الإطفاء، وجاءت جميع النتائج سلبية. المشكلة لم تكن في السلامة الظاهرة، بل في ما تبعها: النتائج السلبية دفعت رجال الإطفاء إلى العزوف عن حضور فحوصاتهم الدورية المعتادة، معتقدين أنهم في مأمنٍ. استغرق فريق شوكلا نحو عامَين لاستعادة الالتزام بالفحوصات الروتينية، وحين عادوا إليها، عُثر على 15 حالة سرطان بين هؤلاء الأفراد أنفسهم.
تصف شوكلا المشكلة بوضوح: "إنه لا يرصد السرطانات ببساطة". هذه الحالة تلخّص خطورة ما يسمّيه الأطباء "تسلسل الرعاية" (Cascade of Care) بالمعنى المعكوس حين تُنتج نتيجة سلبية شعوراً زائفاً بالأمان يُبعد المريض عن الفحوصات المُثبتة علمياً.
ما تقوله الأرقام عن الفعالية الحقيقية
القضية المحورية هنا هي ما يسمّيه الأطباء "القيمة التنبؤية الإيجابية" (Positive Predictive Value)، وهي مقياس يحدّد احتمال أن تكون النتيجة الإيجابية تمثّل سرطاناً حقيقياً فعلاً، لا إنذاراً كاذباً. وحتى الآن، لم تُجرَ تجارب سريرية موسّعة وطويلة الأمد تثبت أن فحوصات الكشف المتعدد عن السرطان تُنقذ أرواحاً بالفعل وهذا فارقٌ جوهري بين ما تعِد به الإعلانات التسويقية وما تدعمه الأدلة العلمية الصلبة.
المقارنة مع الفحوصات التقليدية توضّح حجم الفارق: بين عامَي 1975 و2020، منعت جهود الفحص والوقاية في الولايات المتحدة نحو 4.75 مليون وفاة بالسرطان، وتكاد خمسة فحوصات فقط سرطان الثدي، وعنق الرحم، والقولون والمستقيم، والرئة، والبروستاتا تحتسب كل هذا الأثر الوقائي. أما سرطانات الدماغ والبنكرياس والمبيض ومعظم سرطانات الدم، فلا تتوفر لها فحوصات كشف موصى بها حتى اليوم، وهو ما يفسّر جاذبية الخزعة السائلة كأداة تعِد بتغطية هذه الفراغ.
لكن الكشف المبكر ليس خالياً من الأضرار المحتملة أيضاً؛ فقد يستدعي عمليات تصوير وخزعات وفترات انتظار وقلق لا داعي لها، خصوصاً أن بعض الأورام بطيئة النمو قد لا تسبب أي مشكلة طوال حياة المريض. تنظير القولون وتصوير الثدي الشعاعي (Mammogram)، على النقيض من ذلك، يحملان أدلة علمية موثّقة على إنقاذهما للأرواح وهذا ما يجعل الاستمرار بهما، بحسب توصيات الأطباء، أمراً غير قابل للتفاوض حتى بعد فحص خزعة سائلة سلبي.
السوق، التكلفة، وما تنتظره الجهات التنظيمية
تُقرّ شركة Grail، الشركة المصنّعة لـ Galleri، بحدود هذا الفحص بوضوح: "جميع مواد الأطباء والمرضى تنصّ صراحة على أن Galleri ليس بديلاً عن الفحص الروتيني، وأنه ينبغي استخدامه بالإضافة إلى فحوصات الكشف المعتادة". في السوق الأميركية للمستهلكين مباشرة، يوجد حالياً فحصان من هذا النوع: Galleri من Grail، وCancerguard من Exact Sciences، ويعِد كلاهما بالكشف عن أكثر من 50 نوعاً من السرطان من فحص دم. لا يغطّي التأمين الصحي هذه الفحوصات بشكل روتيني، وتتراوح تكلفتها الشخصية بين 700 و1000 دولار.
في 23 سبتمبر، من المقرَّر أن ينظر مستشارو هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) في التوصية بالموافقة على فحص Galleri، وهي خطوة قد تفتح الباب أمام تغطية تأمينية أوسع لهذا النوع من الفحوصات في المستقبل.
في النهاية، تبقى قصة فحص الكشف المتعدد عن السرطان قصة أدلةٍ في طور التبلور، لا حقيقة علمية مكتملة. فالنتيجة السلبية قد تكون مطمئنة، لكنّها ليست ضماناً، والنتيجة الإيجابية قد تنقذ حياة كما حدث مع فيرليك، أو تفتح باب فحوصاتٍ إضافية لا حاجة لها. القرار بشأن الخضوع لهذا النوع من الفحوصات، ومدى الاستمرار بالفحوصات التقليدية الموثّقة علمياً، يبقى في النهاية قراراً شخصياً ينبغي مناقشته مع الطبيب المعالج، الذي يعرف التاريخ الصحي والعوامل الفردية لكل مريض على حدة.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
