وكيل الذكاء الاصطناعي يغير قواعد التسوق والحجز الإلكتروني
تطبيق Muse من Meta يغير قواعد التسوق والحجز عبر الذكاء الاصطناعي وينافس كبار الشركات مثل Amazon التي رفضت التعاون. تعرف كيف سيؤثر هذا الوكيل الذكي على مستقبل التجارة الإلكترونية وحجوزات السفر عبر خَبَرَيْن.

ماذا لو طلبتَ من تطبيقٍ على هاتفك أن يحجز لك طاولة عشاء، ويشتري لك حذاءً رياضياً، ويقارن بين عروض شركات التأمين، دون أن تفتح متصفحاً واحداً أو تُدخل بيانات بطاقتك أكثر من مرّة؟ هذا بالضبط ما يعد به «Muse»، وكيل الذكاء الاصطناعي الجديد الذي أطلقته Meta، والذي تحوّل خلال أسابيع قليلة من تجربةٍ تقنية إلى نقطة خلافٍ حقيقية بين كبرى شركات التجارة الإلكترونية والحجوزات. فبينما رحّبت شركات مثل Walmart وExpedia بالفكرة، اختارت Amazon أن تُغلق الباب في وجهه تماماً.
القصة هنا ليست عن تطبيقٍ جديد بقدر ما هي عن سؤالٍ أعمق: من سيتحكم في العلاقة بين المستهلك والمتجر حين يصبح الوسيط بينهما ذكاءً اصطناعياً لا إنساناً يتصفّح بنفسه؟
كيف تختلف «الوكلاء» عن روبوتات المحادثة التقليدية؟
الفارق الجوهري أنّ الوكلاء (AI Agents) لا يكتفون بالإجابة عن الأسئلة أو تنظيم البريد الإلكتروني أو توليد الصور، بل يقومون فعلياً بمهامٍ متعددة الخطوات على الإنترنت: التسوّق، حجز المواعيد، تعبئة النماذج، وحتى إتمام عمليات الدفع نيابةً عن المستخدم. وهذا بالتحديد ما تسعى إليه شركات مثل OpenAI وGoogle وApple وAmazon وMeta منذ سنوات، كلٌّ بحسب استراتيجيتها الخاصة.
أطلقت Meta تطبيق Muse في 8 سبتمبر، وخلال 10 أيام فقط تصدّر قائمة التطبيقات المجانية الأكثر تحميلاً على متجر Apple، ليتجاوز لاحقاً 2.5 مليون تحميل وفق بيانات شركة Sensor Tower المتخصصة في تحليل الأسواق. ويرى Francisco Jeronimo، المحلل في شركة International Data Corporation، أنّ نجاح Muse لا يعود فقط إلى قدراته التقنية، بل إلى الترويج المباشر الذي حظي به أمام المستهلكين: "لم تكن الشركات الأخرى بهذا القدر من الوضوح في الترويج لاستخدام الوكلاء للتسوّق كما فعلت Meta مع Muse، وأعتقد أنّ هذا هو الفارق الأساسي."
وقد استفاد Muse من حضور Meta الواسع أصلاً عبر Instagram وFacebook وWhatsApp، إضافةً إلى واجهته السهلة نسبياً، ونجح في عقد شراكات مع شركات معروفة مثل Walmart وGameStop وSephora وExpedia وOpenTable وShopify. وقد اختبرت CNN التطبيق فعلياً وتمكّنت من إتمام حجزٍ عبر Muse بعد إدخال رقم هاتف ورمز تأكيد فقط، ما يعني أنّ القدرة على إتمام معاملات حقيقية لم تعد وعداً تسويقياً بل خاصية فعلية تعمل.
لماذا رفضت Amazon فتح الباب؟
على النقيض من هذا الترحيب، أغلقت Amazon متجرها أمام Muse تماماً. وبرّرت الشركة موقفها بموقفٍ رسمي واضح: "نعتقد أنّه من البديهي تماماً أن تعمل التطبيقات الخارجية التي تعرض الشراء نيابةً عن العملاء من شركاتٍ أخرى بشفافية، وأن تحترم قرارات مزوّدي الخدمة بشأن المشاركة من عدمها." وأوضحت Amazon أنّ Meta لم تُخطرها مسبقاً ولم تمنحها خيار المشاركة في وصول Muse إلى منصّتها.
ولم يقتصر اعتراض Amazon على مسألة الإشعار المسبق، بل امتد إلى مخاوف تتعلق بكيفية تعامل الوكيل مع بيانات الحسابات وبيانات الدخول الحساسة، إضافةً إلى نقطةٍ تجارية مباشرة: هذه الوكلاء لا توفّر التوصيات الشخصية التي تُميّز تجربة Amazon، وهي توصياتٌ مبنية على سنواتٍ من بيانات سلوك المستخدم. ويلخّص Mandeep Singh، المحلل الأول في Bloomberg Intelligence، جوهر القلق التجاري بقوله: "أنت تتصفّح Amazon بحثاً عن ذلك الشيء الذي تريده، لكنّك في الوقت نفسه ترى أشياء أخرى قد تنتهي بشرائها." بعبارة أخرى، حين يقوم الوكيل بالمهمة نيابةً عنك، تخسر المنصّة فرصة العرض العابر الذي يُترجم عادةً إلى مبيعاتٍ إضافية وعمولات لم تكن مخطّطة أصلاً.
نمطٌ مشابه من الحذر ظهر لدى منصّة الحجوزات Resy، التي تنص سياستها صراحةً على أنّها "لا تسمح حالياً بالبوتات أو الوكلاء الخارجيين غير المعتمدين". فمطلع هذا الشهر، حاول مساعد ذكاء اصطناعي منفصل يُدعى Instinct تنفيذ مئات الحجوزات في الساعة الواحدة عبر حساب أحد المستخدمين، ما دفع Resy إلى تجميد ذلك الحساب فوراً. وبرّرت المنصّة قرارها بالقول: "النشاط الآلي غير المعتمد قد يُدخل مخاطر على المنصّة ويُخلّ بعدالة تجربة الحجز لروّاد المطاعم"، مع الإشارة إلى أنّها "تواصل تقييم الفرص" المستقبلية. ومن اللافت أنّ Resy تتكامل بالفعل مع ChatGPT وClaude، ما يعني أنّ المسألة ليست رفضاً مطلقاً لفكرة الوكلاء، بل تحفّظاً على من يُسمح له بالوصول وبأي شروط.
هل تشعر أسواق السفر بالقلق فعلاً؟
انعكس هذا التوتر على أرض الواقع بسرعة لافتة: ففي الأسبوع الماضي، تراجعت أسهم Airbnb وExpedia وTrip Advisor بنحو 5% عقب إعلان Meta عن تحديثات جديدة لـMuse، في إشارةٍ إلى أنّ المستثمرين يأخذون تهديد الوكلاء للنماذج التقليدية في التسوّق والحجز على محمل الجد. فحين يتولّى وكيل ذكاء اصطناعي المهمة بالكامل، تفقد الشركات ليس فقط جزءاً من حركة الزوار على مواقعها، بل أيضاً بيانات سلوك العملاء الثمينة وفرص العروض الترويجية والتوصيات المخصصة التي تُبنى عادةً على تلك الزيارات المباشرة.
ومع ذلك، لم تختر Expedia مسار المواجهة، بل انضمت شريكاً لـMuse. وتوضح Kathryn Heinz، نائبة رئيس التحالفات المؤسسية والذكاء الاصطناعي في الشركة، أنّ الهدف هو "الظهور أينما كان المسافرون يبحثون"، مع الإشارة إلى أنّ نحو ثلثي حركة الزوار على Expedia تأتي عبر منصّاتها الخاصة أصلاً، ما يجعل الشراكة مع Muse خطوة استباقية لتأمين مستقبل العمل أكثر من كونها تنازلاً عن حصةٍ سوقية حالية. وقد تكون هذه الحسابات مختلفة بالنسبة للعلامات التجارية الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بمنصّة Shopify، إذ يمثّل الوصول إلى ملايين مستخدمي Muse حول العالم فرصة ظهورٍ لا تملك تلك العلامات وسيلة أخرى لتحقيقها بالسهولة نفسها.
من سيربح العمولة حين تتسوّق نيابةً عنك آلة؟
في خضم هذا الجدل، كشف الرئيس التنفيذي لشركة Meta، Mark Zuckerberg، يوم الأربعاء أنّ الشركة تخطط لفرض عمولاتٍ على المعاملات التي تتم عبر Muse مستقبلاً، وهو ما يضع Meta في مواجهةٍ تجارية مباشرة مع الشركات التي طالما جنت تلك العمولات بنفسها، ويُفسّر جزئياً حدّة ردة فعل Amazon تحديداً.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ قدرات هذه الوكلاء لا تقتصر على التسوّق والحجوزات، إذ يمكنها أيضاً البحث في وثائق التأمين ومقارنة خطط شركات الاتصالات، ما يفتح الباب أمام استخدامها لاحقاً في مساعدة المستهلكين على التبديل نحو عروضٍ أفضل في قطاعاتٍ لم تدخل بعد في صلب هذا الجدل.
يرى Jeronimo أنّ ما يجري اليوم ليس سوى بداية تحوّلٍ أعمق في طريقة تفاعلنا مع الإنترنت التجاري: "أعتقد أنّ هذا بالضبط ما سنراه على المدى البعيد: أن تصبح منصّات الذكاء الاصطناعي هي الطبقة والواجهة الرئيسية لمعظمنا حين نتسوّق." وإذا صحّ هذا التوقّع، فإنّ موقف Amazon اليوم قد يبدو استثناءً مؤقتاً، لا قاعدة، في عالمٍ تتفاوض فيه المنصّات الكبرى على شروط دخول الوكلاء إلى متاجرها بدلاً من رفضهم كلياً. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل ستنجح Amazon في فرض شروطها الخاصة على هذا التحوّل، أم أنّ رفضها اليوم سيتحوّل غداً إلى عزلةٍ عن الطريقة الجديدة التي يتسوّق بها الناس؟
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
