وكيل الذكاء الاصطناعي الجديد يغير حياتك اليومية
تطبيق Muse من Meta يغير مفهوم المساعد الرقمي بتنفيذ مهام يومية حقيقية مثل حجز مواعيد وتنظيم رحلات والتواصل عبر البريد الإلكتروني. رغم نجاحه الكبير، يواجه تحديات في الثقة ودقة المعلومات. اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

ماذا لو أطلقتَ على مساعدك الرقمي اسماً شخصياً، ثم طلبتَ منه حجز موعد عشاء مساء الجمعة، وصياغة جدول تعبئة أغراض لانتقالك القادم، وإرسال بريد إلكتروني لصديق بخصوص رحلة الشهر القادم؟ هذا بالضبط ما فعله أحد مستخدمي تطبيق Muse، وكيل الذكاء الاصطناعي الجديد من Meta، بعدما اختار أن يسمّيه "Pip". لم يكتفِ الوكيل بحجز موعد العشاء، بل أنشأ أيضاً وثيقة تضمّ أماكن مقترحة للزيارة خلال رحلة إلى Cape May في نيوجيرزي، محوّلاً توصيات مطاعم إلى مستند Google Doc مع بدائل جاهزة.
هذا المشهد اليومي البسيط يختصر الرهان الذي تخوضه Meta منذ أطلقت Muse في 8 سبتمبر: إقناع المستخدمين بأنّ وكيلاً اصطناعياً يمكن أن يتولّى تفاصيل حياتهم اليومية، من التخطيط إلى التواصل وحتى الشراء، لا أن يكتفي بالإجابة عن أسئلتهم كما تفعل روبوتات المحادثة التقليدية.
نجاحٌ سريع في المتاجر... لكن هل هو نجاحٌ في الاستخدام؟
الأرقام الأولية مشجّعة بالنسبة لـMeta. فقد أصبح Muse التطبيق المجاني الأكثر شعبية على App Store الخاص بأجهزة آيفون، وتجاوزت تنزيلاته 2.5 مليون تنزيل منذ إطلاقه، وفق بيانات شركة Sensor Tower المتخصّصة في تحليل بيانات السوق. وقد وضعت Meta التطبيق صراحةً في مواجهة ChatGPT من OpenAI وGemini من Google، في محاولةٍ توصف بأنّها الأقوى حتى الآن من الشركة على صعيد المنافسة في سباق الذكاء الاصطناعي.
يعتمد Muse على واجهة مقسّمة إلى خمس علامات تبويب: المحادثة، وخلاصة قابلة للتخصيص حسب اهتمامات المستخدم، وقسم "الأفكار" الذي يقترح أوامر جاهزة، وقسم لتتبّع الأهداف بناءً على محادثات سابقة، وأخيراً قسم للملفات والوسائط. والأهم تقنياً أنّ التطبيق ينفّذ مهامّه عبر حاسوب افتراضي قائم على السحابة الحوسبية، يستطيع تصفّح المواقع الإلكترونية فعلياً بدلاً من مجرّد استرجاع معلومات عنها، مع إمكانية أن يراقب المستخدم العملية ويتدخّل فيها في أيّ لحظة. كما يمكن ربطه بتطبيقات Google الخاصة بالمستخدم، وهو ما فسّر قدرته على التعامل مع البريد الإلكتروني ومهام الجدولة في المثال السابق.
في تجربة استخدام واقعية، تمكّن Muse من إنشاء مهامّ تعبئة يومية خلال أسبوع الانتقال، مع توصية بمدد زمنية يومية للتعبئة حسب الوقت المتاح، واقترح تجهيز حقيبة أساسيات لليلة الأولى بعد الانتقال تفاصيل عملية تُظهر أنّ التطبيق مصمَّم لتقديم إرشاد أوضح للمستخدم من نظيريه ChatGPT وGemini، وإن كان هذان الأخيران يقدّمان أحياناً إجابات أكثر تفصيلاً في بعض السياقات.
حين يصطدم الوكيل بحدود العالم الحقيقي
لكنّ القدرة على "الفعل" بدلاً من "الإجابة" تكشف أيضاً هشاشة الوكيل في مواجهة قيود لا تخصّه هو بل تخصّ المواقع والمنصّات التي يحاول التعامل معها. فأمازون يحظر على Muse تصفّح متجره الإلكتروني مباشرة، رغم أنّه لا يزال قادراً على استرجاع روابط منتجات عبر محرّكات البحث. وفي حالة Target، استطاع الوكيل تصفّح الموقع لكنّه لم يستطع إتمام خطوات الدفع بشكل مستقلّ، إذ يشترط الموقع إدخال المستخدم لبياناته الشخصية يدوياً. وفي مثال آخر، اصطدم Muse بعقبة عند محاولة شراء شامبو من موقع متخصّص بمستلزمات التجميل، حين تبيّن أنّ الموقع يشترط رقم ترخيص مهني لإتمام عملية الشراء.
الأخطاء لا تقتصر على القيود التقنية. فقد أوصى Muse مرتين بمكانَين لموعد عشاء رومانسي تبيّن أنّهما مغلقان منذ سنوات وهو تذكيرٌ بأنّ دقّة المعلومات لا تزال تحدّياً قائماً أمام وكلاء الذكاء الاصطناعي مهما بلغت قدرتهم التنفيذية.
أمّا في قسم "الأفكار"، فقد ادّعى Muse قدرته على التفاوض على أسعار في Facebook Marketplace، قائلاً: "حين يظهر العرض المناسب، أراسل البائع، وأفاوض على السعر مقارنةً بعروض مشابهة، وأحدّد وقتاً ومكاناً للقاء". غير أنّ الوكيل نفسه أوضح لاحقاً للمستخدم أنّه لا يستطيع مراسلة بائعي Facebook Marketplace مباشرة، وأنّ ما يمكنه فعله هو تقييم الإعلانات وصياغة رسائل تفاوض جاهزة يرسلها المستخدم بنفسه. من جهتها، أوضحت Meta أنّ Muse يمكنه التفاوض ضمن معايير يحدّدها المستخدم مسبقاً وهو تفصيل يكشف الفجوة بين الوعد التسويقي وما يُنجَز فعلياً على أرض الواقع.
أمّا مسألة الدفع، فيعتمد Muse على محفظة Link الرقمية من Stripe، والتي تُصدر بحسب ما تفيد به التقارير بطاقة صالحة للاستخدام مرة واحدة فقط، في محاولة لتقليل مخاطر تسريب بيانات الدفع.
الثقة: العقبة الحقيقية أمام أيّ وكيل ذكاء اصطناعي
في مذكرة بحثية صدرت يوم الثلاثاء، أشار محلّلو Bank of America إلى أنّ ردود الفعل الأولية على Muse كانت إيجابية، لكنّهم حذّروا من أنّ "الخصوصية والثقة تبقيان اعتبارَين رئيسيَين لتحقيق تبنٍّ أوسع" للتطبيق. هذا التحذير لا ينفصل عن سياق أوسع يتعلّق بموقف الأمريكيين من الذكاء الاصطناعي عموماً، ومن Meta تحديداً بعد فضيحة Cambridge Analytica السابقة المتعلّقة بالخصوصية.
فبحسب تقرير مركز Pew للأبحاث الصادر في يونيو، يرى نحو ثلثَي البالغين الأمريكيين أنّ تطوّر الذكاء الاصطناعي يسير بوتيرة سريعة جداً، فيما يفوق عدد الأمريكيين الذين يتوقعون أثراً سلبياً لهذه التقنية على المجتمع عدد من يتوقعون أثراً إيجابياً. وفي يوليو، نشرت مؤسسة Gallup استطلاعاً وجد أنّ 41% من الأمريكيين لا يثقون كثيراً، أو لا يثقون على الإطلاق، بشركات التكنولوجيا الكبرى.
هذا المناخ من التشكّك يضع Meta أمام تحدٍّ مضاعف، إذ سبق لنظّاراتها الذكية أن أثارت جدلاً وقلقاً يتعلّق بالخصوصية. وتعلّق ميراندا بوغن، مديرة مختبر حوكمة الذكاء الاصطناعي التابع لمركز الديمقراطية والتكنولوجيا (Center for Democracy & Technology)، على هذه الإشكالية بقولها: "غالباً ما تُقدَّم وكلاء الذكاء الاصطناعي كمساعدين شخصيين مفيدين، لكن لكي ترتقي إلى مستوى إمكاناتها المفترضة، فإنّها عادةً ما تحتاج إلى كمّ هائل من البيانات الخاصة لتعمل". وتضيف أنّ قدرة هذه الوكلاء على التصرّف بناءً على معلومات شخصية تفرض متطلبات ضمانات أكبر من تلك المطلوبة من روبوتات المحادثة التقليدية.
من جانبها، تصف Meta تطبيقها بأنّه "آمن ومحمي" و"خاص"، موضحةً أنّ Muse يعمل على حاسوب سحابي مخصّص لا يستطيع أيّ وكيل آخر الوصول إليه، وأنّه لا يمكنه رؤية كلمات مرور المستخدمين أو وسائل الدفع الخاصة بهم. لكنّ هذه الطمأنات تصطدم بواقع السوق: فوفق دراسة لشركة Gartner البحثية، يعتقد 64% من المستهلكين أنّ وكلاء التسوّق القائمين على الذكاء الاصطناعي يفيدون الشركات أكثر مما يفيدونهم هم أنفسهم.
المنافسة لا تزال بعيدة عن الحسم
رغم زخم Muse في متجر التطبيقات، فإنّ ChatGPT وGemini لا يزالان المساعدَين الأكثر استخداماً في الولايات المتحدة على نطاق أوسع بكثير. فبحسب بيانات نشرتها شركة Emarketer في يوليو، فضّل أو استخدم 33.7% من المستجيبين ChatGPT بشكل رئيسي، مقابل 18.2% لصالح Gemini، ونسبة متواضعة لا تتجاوز 4.7% لصالح Meta AI. هذه الفجوة تضع نجاح Muse الأولي في متجر آيفون في سياقه الصحيح: بداية واعدة، لا انتصاراً محسوماً.
يُنتظر أن يتحدّث مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، عن Muse وخطط الشركة في الذكاء الاصطناعي خلال مؤتمر Connect يوم الأربعاء. وستكون كلماته اختباراً مبكراً لما إذا كانت Meta ستعالج هواجس الخصوصية والثقة التي أشار إليها محلّلو Bank of America، أم ستكتفي بالتركيز على أرقام التنزيلات المتصاعدة. فبين وعد "طلب مشترياتي الأسبوعية" الذي بات ممكناً تقنياً، وواقع القيود التي تفرضها مواقع مثل أمازون وTarget، لا يزال الفارق بين ما يستطيع الوكيل فعله وما يثق المستخدمون بأن يفوّضوه إليه هو الحدّ الفاصل الحقيقي في هذا السباق.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
