عطارد يتقلص أكثر مما كنا نعتقد ويكشف أسراره
عطارد يتقلص أكثر مما كنا نعتقد بكثير ما يكشف عن أسرار نواته الضخمة وتكوّن الكواكب الصخرية. اكتشف كيف ستغير بعثة BepiColombo فهمنا لهذا الكوكب الغامض في خَبَرَيْن.

تخيّل كوكباً يتجعّد كالتفاحة الجافّة، تشقّ سطحه جروفٌ شاهقة يبلغ ارتفاعها ميلاً كاملاً وتمتدّ لمئات الأميال، كلّها أثرٌ لعملية تقلّص داخلي بدأت منذ مليارات السنين ولم تتوقّف. هذا هو عطارد، أقرب الكواكب إلى الشمس، الذي يكشف لنا بحثٌ جديد أنّه تقلّص بمقدارٍ أكبر بكثير ممّا قدّرناه ربّما بنسبةٍ تتراوح بين 10% و30% فوق التقديرات السابقة. والأهمّ من الرقم نفسه: ما الذي يعنيه هذا عن قلب هذا الكوكب الغامض، وعن تاريخ تكوّن الكواكب الصخرية بما فيها الأرض؟
حين تخفي الفوهات الحقيقة
نُشرت الدراسة الجديدة في دورية Geophysical Research Letters، وقادها Gaku Nishiyama، عالم الكواكب في German Aerospace Center. يعتمد الفريق على بيانات مسبار MESSENGER التابع لـ NASA، الذي أمضى سنواتٍ يرسم خريطة سطح عطارد منذ عام 2011، لرصد توزيع ما يُعرف بـ«البنى الانضغاطية» (shortening structures) تلك التجاعيد والجروف الناجمة عن تقلّص الكوكب حين يبرد باطنه ويتراجع حجمه.
المشكلة التي اكتشفها Nishiyama وفريقه تكمن في أنّ هذه البنى الجيولوجية ليست ظاهرةً بالكامل. فالفوهات الناجمة عن اصطدام الكويكبات والمذنّبات، إضافةً إلى الحطام المتراكم على السطح، تطمس كثيراً من هذه التجاعيد وتخفيها عن أعين المسابير. يقول Nishiyama: "جعلنا هذا نفكّر في أنّ ثمّة عمليةً تحجب البنى الانضغاطية."
بمعنى آخر، كلّ الأرقام التي اعتمدناها سابقاً كانت تقرأ سطحاً ناقصاً وكأنّك تحاول تقدير عمر شجرةٍ بعد أن أُزيل نصف حلقاتها.
كم تقلّص عطارد فعلاً؟
التقديرات السابقة تفاوتت تفاوتاً لافتاً: أشارت دراساتٌ أولى إلى تغيّر في نصف القطر يتراوح بين 0.6 و1.2 ميل (1 إلى 2 كيلومتر)، فيما رفعت دراساتٌ لاحقة هذا الرقم إلى 4.3 أميال (7 كيلومترات). أمّا البحث الجديد فيقترح أنّ التقلّص ربّما بلغ تغيّراً في نصف القطر يصل إلى 7.2 أميال (11.6 كيلومتراً) وهو رقمٌ يُعيد رسم صورتنا لهذا الكوكب من الداخل إلى الخارج.
ما الذي يعنيه هذا التقلّص الأكبر فعلياً؟ يجيب Nishiyama بوضوح: "مزيدٌ من التقلّص يعني أنّ عطارد ربّما يملك نواةً معدنيةً أكبر، أو عناصر خفيفةً أقلّ كالسيليكون في نواته المعدنية، أو درجة حرارةٍ ابتدائيةً أعلى."
وللتذكير بالسياق: عطارد هو ثاني أكثف الكواكب في المجموعة الشمسية بعد الأرض، وذلك بسبب نواته المعدنية الضخمة. تكوّن الكوكب قبل نحو 4.5 مليار سنة من غازٍ وغبار، ويُكمل دورته حول الشمس كلّ 88 يوماً فحسب. لكنّ حجمه الصغير وبُعده النسبي جعلا استكشافه أصعب ممّا يبدو فلم تزره حتّى الآن سوى بعثتَين فضائيتَين: Mariner 10 عام 1974، و MESSENGER عام 2011.
لماذا يهمّنا عطارد وهو بعيدٌ جدّاً؟
السؤال مشروع: لماذا نُنفق الموارد على كوكبٍ محترق لا يمكن الإقامة فيه؟ الإجابة تقدّمها وكالة NASA ويردّدها الباحثون: عطارد هو مختبرٌ طبيعي فريد لفهم كيف تتشكّل الكواكب الصخرية وكيف تتطوّر. يقول الدكتور Hannes Bernhardt، الباحث المساعد في University of Maryland: "ثمّة دروسٌ حول تكوّن وتطوّر الأجسام الصخرية الكبيرة كأرضنا، يمكن تعلّمها على عطارد بشكلٍ أفضل من أيّ مكانٍ آخر في مجموعتنا الشمسية."
ويُضيف الدكتور Paul Byrne، الأستاذ المشارك في Washington University in St. Louis، موضّحاً الفائدة العملية للقياس الدقيق: "إذا استطعنا قياس مقدار تقلّص عطارد بدقّة، يمكننا تقدير طبقات باطنه، وحجم نواته وتركيبها، وتاريخه التكتوني والبركاني، وكيفية توليد مجاله المغناطيسي، وأشياء كثيرة أخرى."
BepiColombo: المسبار الذي سيُجيب على الأسئلة الكبرى
في نوفمبر المقبل، وبعد ما يقارب ثماني سنوات من الرحلة، ستُطلق بعثة BepiColombo مسبارَيها في مدار حول عطارد. البعثة المشتركة بين وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ونظيرتها اليابانية (JAXA) ستوفّر لأوّل مرّة قياساتٍ طبوغرافية شاملة وعالمية للكوكب، بما فيها نصف الكرة الجنوبي الذي ظلّ بعيداً عن متناول MESSENGER.
تصف الدكتورة Kelsey Crane، الجيولوجية في Seres Engineering and Services، ما ستُقدّمه البعثة: "الأجهزة الموجودة على متنها ستكتشف الشذوذات الجاذبية، وتُحسّن تقديرات سُمك القشرة والبنية الداخلية، وترصد التركيبات العنصرية والمعدنية للسطح."
ويختصر Byrne الرهان العلمي بجملةٍ واحدة: "تلك البيانات الجديدة ستكون مفتاحاً لاختبار ما إذا كانت هذه الدراسة وغيرها من أوراق التقلّص العالمي على صواب."
أمّا Bernhardt فيضع الأمر في سياقٍ أوسع، يتجاوز العلم إلى السياسة العامة والأولويات: "من بين كلّ ما يمكن لأموال الحكومة شراؤه، ربّما يكون دعم أفضل مهندسينا وعلمائنا لوضع أقدامٍ آليّة في غبار عطارد المحترق أحد أكثر الخيارات إلهاماً."
الكوكب الأقرب إلى شمسنا لا يزال يحتفظ بأسراره، لكنّ نافذة نوفمبر المقبل قد تكون اللحظة التي نبدأ فيها فهمه حقّاً وبالتبعية، نفهم شيئاً أعمق عن الأرض نفسها.
أخبار ذات صلة

هذه الجزيرة كانت موطنًا لأكبر مستعمرة للبطريق على الكواكب، لماذا فقدت هذا اللقب للتو؟

المصريون القدماء كانوا يضحّون بالخدم عند وفاة الملوك

علماء الفلك يكتشفون احتمال ولادة كوكب من رماد نجوم ميتة
