اتفاقية مكة المشتركة تغير موازين القوى في الشرق الأوسط
اتفاقية مكة للدفاع المشترك تجمع السعودية وتركيا وباكستان لتشكيل درع أمني إقليمي يعزز الاستقرار ويواجه التحديات المتصاعدة في الشرق الأوسط مع فرص توسع مستقبلية لدول خليجية أخرى خَبَرَيْن

في قصرِ الصفا بمكة المكرمة، وتحت صورة الملك سلمان بن عبد العزيز، تبادل ثلاثة زعماء ملفّاتٍ وُقِّعت عليها اتفاقيةٌ لم تمرّ منطقة الشرق الأوسط بما يشبهها منذ سنوات: اثنتان باللون الأخضر وواحدة بالأحمر القاني، حملها محمد بن سلمان وليّ العهد السعودي، ورجب طيب أردوغان رئيس تركيا، وشهباز شريف رئيس وزراء باكستان أمام عدسات الكاميرات، والحبر لم يجفّ بعد على صفحاتها.
ما جمع هؤلاء الثلاثة ليس مجرّد مراسمٍ دبلوماسية، بل هو «اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك»، التي تعدّ أيّ اعتداءٍ على أيٍّ من الدول الثلاث اعتداءً على جميعها. جاء توقيع هذا الميثاق الدفاعي المشترك بعد أكثر من خمسة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي حربٌ أمطرت الصواريخ والمسيّرات على دول الخليج المصدِّرة للنفط، بما فيها السعودية، وأغلقت معظم الملاحة في مضيق هرمز.
تستند هذه الاتفاقية إلى اتفاقيةٍ ثنائية سعودية-باكستانية وُقِّعت قبل أقلّ من عام، غير أنّها توسّعت هذه المرة لتضمّ الصناعة الدفاعية التركية وجيشها المنضوي تحت معايير حلف NATO.
وصف شريف الاتفاقية بأنّها «درعٌ للسلام» في المنطقة، فيما أكّد أردوغان أنّها «لا تستهدف أيّ دولة» وأنّها «مفتوحةٌ لمشاركة جميع الدول الأخوية الساعية إلى السلام والازدهار والاستقرار». وفي السياق ذاته، أكّد المسؤولون السعوديون أنّ الاتفاقية لا تشكّل أيّ تهديد للأمن الإقليمي، ولا تأتي على حساب علاقات المملكة مع حلفائها الآخرين، بما فيهم الولايات المتحدة ودول الخليج.
بيد أنّ توقيع الاتفاقية أثار تساؤلاتٍ جدية حول التحوّلات الجارية في موازين القوى الإقليمية.
قال محمد فيصل، المحلّل في الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية، إنّ قيمة الاتفاقية «تكمن في إيجاد حالةٍ من الغموض أمام الخصوم وتعزيز الردع الجماعي، لا في تحديد التزاماتٍ عسكرية ثابتة على غرار التحالفات الغربية».
وأيّد كامران بوخاري، الباحث الأول المقيم في مجلس سياسة الشرق الأوسط (Middle East Policy Council) في واشنطن، هذا التقدير، معتبراً أنّ التحوّل العملي في هذه المرحلة محدود، وأنّ الاتفاقية «إشارةٌ استراتيجية» لا «تحالفٌ عملياتي»، مشيراً إلى أنّ بناء قدرةٍ عسكرية مندمجة حقيقية يحتاج إلى سنوات.
اتفاقيةٌ نضجت على مدى عام
المسار الثلاثي ليس وليد اللحظة.
تُدير السعودية وتركيا وباكستان منتدىً رسمياً للصناعات الدفاعية منذ عام 2022 على الأقل، وضع أسسه قبل توقيع الاتفاقية الثنائية العام الماضي وقبل أن تُشعل الحرب على إيران فتيلَ التوترات الإقليمية المتصاعدة.
قال سردار مسعود خان، السفير الباكستاني السابق لدى واشنطن وبكين، إنّ الاتفاقية السعودية-الباكستانية «كانت ولا تزال النواة»، مضيفاً أنّ دولاً كتركيا ومصر وقطر والكويت أبدت اهتمامها بها بعد وقتٍ قصير من توقيعها في سبتمبر 2025.
وقال: «تركيا هي الأولى التي حسمت قرارها. وقد يتوسّع هذا الإطار مستقبلاً».
أشارت دانيا ظافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي (Gulf International Forum)، إلى أنّ الكويت وقطر هما المرشّحتان الأكثر ترجيحاً للانضمام، مستندةً إلى العلاقات الدفاعية الكويتية الناشئة مع باكستان والعلاقة القطرية-التركية الراسخة.
وقالت: «ثمّة فرصٌ حقيقية، لا سيّما مع قطر والكويت، لتوسيع هذه الاتفاقية، ومصالح مشتركة تدفع في هذا الاتجاه. إنّه ملفٌّ يستحق المتابعة الدقيقة».
هذا الاهتمام المُبلَّغ عنه لم ينبثق من فراغ. فمنذ أكتوبر 2023، شنّت إسرائيل ضرباتٍ على ما لا يقلّ عن ستّ دول في المنطقة، من بينها الضربة التي استهدفت في سبتمبر 2025 قيادات حركة Hamas في الدوحة، وهي أولى ضرباتها المعلومة داخل دولةٍ خليجية.
وفي الشهر الماضي، صادقت الكويت على اتفاقية دفاعية مع باكستان كانت قد وُقِّعت أصلاً عام 2023. ويتضمّن النصّ العربي المعتمد، المنشور في الجريدة الرسمية، 11 مجالاً للتعاون تشمل التدريب والإمداد وتبادل المعلومات الاستخباراتية، دون أن يتضمّن أيٌّ منها بنودَ دفاعٍ مشترك. وتنصّ مادّته التاسعة على أنّ الاتفاقية لا تمسّ التزامات أيٍّ من الطرفين بموجب اتفاقياتٍ دولية أخرى.
رأى فيصل أنّ اتفاقية مكة ينبغي قراءتها بمنطقٍ مماثل في الوقت الراهن، فيما أكّد بوخاري أنّ غياب تسمية تهديدٍ بعينه في نصّها كان خياراً مقصوداً لا إغفالاً عارضاً.
وقال بوخاري: «الجميع يدرك أنّ الاتفاقية تستهدف في جوهرها احتواء إيران وشبكة الفاعلين من غير الدول التي رعتها في المنطقة، من Hezbollah إلى الحوثيين والميليشيات الشيعية العراقية»، مضيفاً أنّ أيّاً من الموقّعين الثلاثة ليس «مستعدّاً بعد لمواجهةٍ استراتيجية مكشوفة مع طهران».
ما يُقدّمه كلّ طرف
جاء توقيع الاتفاقية في وقتٍ استأنف فيه الحوثيون اليمنيون هجماتهم على البنية التحتية النفطية السعودية وناقلات النفط في البحر الأحمر، مهدّدين بفرض حصارٍ بحري على المملكة. وردّت السعودية، الداعمة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بضرباتٍ جوية على مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين.
قال عزيز الغصن، الباحث السعودي والزميل غير المقيم الأول في منتدى الخليج الدولي، إنّ التهديد الحوثي للسعودية لم يكن السبب المباشر للاتفاقية، بل كان «المُعجِّل» لها.
واصفاً إياها بـ«الردع السعودي المحوري»، أوضح الغصن أنّ المملكة تسعى إلى بناء قدراتها الذاتية جنباً إلى جنب مع تشييد التحالفات، بدلاً من الاكتفاء بالاتكاء على الضمانات الأمنية الأمريكية.
يرى المحلّلون أنّ كلّ طرفٍ يُقدّم ورقةً مختلفة في هذا التحالف: السعودية رأس المال، وباكستان وضعها النووي وقوّتها البشرية، وتركيا صناعتها الدفاعية سريعة النموّ. غير أنّ الغصن يرى أنّه من منظور سعودي، يبالغ من يضع إسلام آباد في مقدّمة الشركاء ذوي القيمة.
وأضاف: «تركيا شريكٌ محوري في تطوير القدرات الدفاعية السعودية الذاتية، وأعتقد أنّ هذا الجانب يستأثر باهتمام السعوديين أكثر بكثيرٍ من البُعد الباكستاني».
أما غوكهان إيريلي، الخبير في العلاقات الدولية والأستاذ المساعد في جامعة ابن خلدون، فيرى أنّ ما تكسبه تركيا من هذه الاتفاقية هو «العمق الاستراتيجي» و«حضورٌ مُقنَّن في الخليج وجنوب آسيا لم يكن أيّ تحالفٍ أوروبي ليمنحها إيّاه».
وقال إيريلي: «أنقرة لا تُقايض NATO بمكة. تركيا تستثمر في وثيقة تأمينٍ ثانية في جوارٍ توقّفت فيه الوثيقة الأولى عن الإيفاء بضماناتها بصورةٍ موثوقة».
في المقابل، تتشكّل هامش المناورة الباكستاني جزئياً من حجم اعتمادها على المساعدات المالية الخارجية. فقبل أيامٍ من القمة، أكّد البنك المركزي الباكستاني أنّ السعودية مدّدت ودائعها البالغة أكثر من 5 مليارات دولار لثلاث سنواتٍ إضافية، وهي جزءٌ من 8 مليارات دولار تدعم حالياً الحسابات الخارجية لباكستان.
ملفّ الوساطة
تأتي الاتفاقية في أعقاب صفقة تعاونٍ نووي مدني وقّعتها السعودية والولايات المتحدة الشهر الماضي، في إطار سعي المملكة الطويل الأمد للحصول على تقنياتٍ نووية للاستخدام السلمي بهدف التنويع عن الوقود الأحفوري.
وكتب رائد كريملي، نائب وزير الخارجية السعودي للدبلوماسية العامة، في منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، أنّ اتفاقية مكة «لا صلة لها بأيّ طموحاتٍ نووية أو سباق تسلّح».
رأى فيصل أنّ هذه التصريحات تعكس قيوداً حقيقية لا مجرّد حذرٍ دبلوماسي.
وقال: «تركيا لا تحتاج إلى مظلّةٍ نووية باكستانية لأنّها عضوٌ في NATO وعلى أراضيها أسلحةٌ نووية أمريكية، فيما تسعى السعودية إلى تعاونٍ نووي مدني مع الولايات المتحدة»، مضيفاً أنّ الوضع النووي لباكستان «لا يؤدّي دوره إلّا بوصفه ثقلاً استراتيجياً ضمنياً».
هذا الغموض بالذات يُثير تساؤلاتٍ إضافية بشأن إسلام آباد، التي أمضت أشهراً تؤدّي دور الوسيط بين واشنطن وطهران. ويعتقد بوخاري أنّ هذا الدور قد يتأثّر بعد توقيع الاتفاقية.
وقال: «مصداقيّتها بوصفها وسيطاً ستتراجع حتماً، لكنّها لن تنعدم».
وكان فيصل أقلّ تشاؤماً، مشيراً إلى أنّ الوساطة الباكستانية «جهدٌ جماعي أيضاً» تشارك فيه قطر.
أما الغصن فيرى أنّ الحضور الباكستاني في الاتفاقية كان خياراً مقصوداً يهدف إلى استباق أيّ انتقادات.
وقال: «حين يكون الوسيط طرفاً داخل ترتيبٍ دفاعي ثلاثي، يصبح من العسير جداً تصوير هذا الترتيب بأنّه موجّهٌ ضدّ إيران. أعتقد أنّه كان قراراً مدروساً وذكياً إشراك باكستان في الاتفاقية. هذا ما يمنحها عازلها الدبلوماسي».
في المقابل، قالت ظافر إنّ منطق الردع يعمل تحديداً لأنّ باكستان وتركيا تتشاركان حدوداً مع إيران مباشرةً، ممّا «يرفع الرهانات بشكلٍ ملحوظ إذا ما فكّرت إيران في أيّ عملٍ مباشر ضدّ السعودية».
وأضاف إيريلي أنّ تركيا بدورها لديها من الحوافز ما يجعلها أكثر حرصاً من شركائها على إبقاء طهران في دائرة الحوار لا الاستنفار.
وقال: «مهمّة أنقرة، كما هو دأبها دائماً، هي الردع دون الاستفزاز. وهو توازنٌ لتركيا من الحوافز لصونه أكثر من أيّ طرفٍ آخر في هذا التكتّل».
ردّ إيران
جاء أوّل ردٍّ علني إيراني من البرلمان.
كتب إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، في منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، أنّ «اتفاقيةً ورقية مع تركيا وباكستان» لن تجلب الأمن للسعودية، «تماماً كما لم يجلبه سنواتٌ من الاعتماد الأحادي على الأمريكيين».
وصف الغصن هذا الردّ الإيراني بأنّه «متوقّعٌ» في نبرته التهوينية، مضيفاً: «هذا النوع من المواقف بات متوقّعاً منهم».
قال رضا خانزاده، المحلّل في شؤون الشرق الأوسط في جامعة George Mason، إنّ الردّ المحدود الصادر على المستوى البرلماني قد لا يستمرّ على هذا النحو، وإنّ إيران على الأرجح ستسعى إلى الجمع بين الدبلوماسية والردع معاً لا الاختيار بينهما.
وقال: «طهران لن تتعامل مع هذه الاتفاقية باعتبارها مجرّد ثلاث علاقاتٍ ثنائية جُمعت في وقتٍ واحد»، محذّراً من أنّ بند الدفاع الجماعي يغيّر طريقة عمل هذه العلاقات المنفصلة.
يتوقّع خانزاده أن تكون باكستان أولى أولويات طهران الدبلوماسية نظراً للحدود المشتركة والدور الوساطي لإسلام آباد، إذ ستسعى طهران على الأرجح للحصول على ضماناتٍ بشأن أيّ انتشارٍ عسكري وما قد يترتّب على الاتفاقية من أبعادٍ نووية تتعلّق بالأمن السعودي.
بيد أنّه أشار أيضاً إلى حالة الغموض السائدة داخل القيادة الإيرانية ذاتها.
وقال: « المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لم يظهر علناً حتى الآن، ممّا يُثير تساؤلاتٍ حول هوية صاحب القرار الفعلي الأخير داخل النظام، وهو ما يفتح الباب أمام حتى أصغر المجموعات لرفع اعتراضاتها ومخاوفها إزاء هذه الاتفاقية».
أخبار ذات صلة

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين
