خَبَرَيْن logo

تفشي الحصبة يهدد حياة الضعفاء في بنسلفانيا

طفل في العناية المركزة يصاب بفيروس الحصبة داخل مستشفى بولاية بنسلفانيا حيث تفشّى المرض بين مجتمعات الأميش والمينونيت. تفشي الحصبة يهدد الضعفاء ويجبر المستشفيات على تعديل بروتوكولات الزيارة خَبَرَيْن

يد تمسك بزجاجة لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، مع التركيز على أهمية التطعيم في مواجهة تفشي الحصبة في بنسلفانيا.
تم إعلان القضاء على مرض الحصبة في الولايات المتحدة عام 2000، وحتى وقت قريب، حافظت معظم أنحاء البلاد على معدلات تطعيم مرتفعة بما يكفي لمنع انتقال المرض المستمر. جو ريدل/صور غيتي
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قضى رضيع بريتاني نيكول سبونينبرغ (Brittany Nicole Sponenberg) قرابة شهرَين في وحدة العناية المركّزة لحديثي الولادة في مدينة دانفيل (Danville) بولاية بنسلفانيا (Pennsylvania)، في انتظار أن تنضج رئتاه وجهازه الهضمي غير المكتملَي النموّ بما يكفي لتحمّل التنفّس الطبيعي والرضاعة.

تقول سبونينبرغ إنّها جلست في الأسبوع الماضي صامتةً على الهاتف بينما كان الطبيب يشرح لها أنّ رضيعها الصغير تعرّض لفيروس الحصبة داخل وحدة العناية المركّزة. والمنطقة التي يُقيم فيها ابنها هي بؤرة تفشٍّ متنامٍ لمرض الحصبة، أشدّ الأمراض المعدية في العالم.

فيروس يصل إلى من لا يستطيعون الحماية من أنفسهم

مع تفشّي العدوى في الأسر غير المطعّمة، بدأت تظهر في أماكن يُضطرّ فيها أشخاص لا يستطيعون الحصول على الحماية إمّا لصغر سنّهم أو كِبرها، أو لأنّ أجهزتهم المناعية لا تستجيب جيّداً للقاحات إلى العيش أو العمل أو الدراسة. وهذا يضع كثيرين أمام خياراتٍ صعبة لحماية أنفسهم أو ذويهم.

تعرّضت سبونينبرغ وابنها للحصبة في مركز Geisinger الطبّي، إذ زار الوحدة شخصٌ بالغ بين يوم الجمعة 14 أغسطس والاثنين 17 أغسطس. وبحسب المعلومات التي أفادها بها الطبيب المعالج لابنها، ظهرت على ذلك الشخص حمّى وطفح جلدي في 17 أغسطس، وجاءت نتيجة فحصه إيجابية للحصبة في اليوم التالي.

وتقول سبونينبرغ إنّها لم تُبلَّغ بالأمر إلّا بعد ثلاثة أيام، بعد أن كان ابنها قد نُقل فعلاً إلى مستشفى آخر أقرب إلى منزلها.

تعلّق سبونينبرغ: "حين أخبرني بكلّ ذلك، قلت في نفسي: هل هذا حقيقي؟"

يقع مركز Geisinger الطبّي في مقاطعة لانكستر (Lancaster County)، التي تضمّ مجتمعاتٍ كبيرة من الأميش (Amish) والمينونيت (Mennonite). وعلى الرغم من أنّ هذه المجتمعات لا ترفض اللقاحات رفضاً قاطعاً، إلّا أنّ معدّلات التطعيم فيها تميل إلى أن تكون أدنى من المتوسّط العام.

من بين نحو 400 حالة حصبة مؤكّدة سجّلتها وزارة الصحة في بنسلفانيا هذا العام، جاء نحو نصفها من مقاطعة لانكستر. وفي يوم الثلاثاء، أعلنت الولاية عن وفاة شخصَين مصابَين بالحصبة في المقاطعة، وهي أولى وفياتٍ مرتبطة بالمرض منذ 35 عاماً.

حياةٌ يعيد الوباء تشكيلها

كيمبرلي رايشنباخ (Kimberly Reichenbach)، البالغة من العمر 50 عاماً من بلدة ليولا (Leola)، أُحيلت إلى التقاعد المبكّر من عملها ضابطةً في مرفق إصلاحي بعد أن أنهكتها مشكلاتٌ صحية، في مقدّمتها الربو الحادّ الذي جعل طبيعة عملها المُجهِدة أمراً متعذّراً.

منذ سنواتٍ عدّة، تكسب قليلاً من المال بتوصيل زبائن من مجتمع الأميش في تنقّلاتهم اليومية، إذ يتجنّب كثيرٌ منهم أنواعاً معيّنة من التكنولوجيا الحديثة ويلجؤون إلى خدمات التوصيل.

غير أنّ رايشنباخ أوقفت عملها كلّياً الأسبوع الماضي، بعد أن أقلّت هي و زوجها المصاب بداء السكّري من النوع الأوّل كلٌّ على حد عملاءً كانوا مرضى أو قد تعرّضوا للحصبة. وفي نهاية إحدى الرحلات، أخبرتها إحدى النساء أنّها ممتنّة لقدرتها على شراء البقالة لأنّ أفراد عائلتها جميعهم مصابون بالحصبة، وأرادت تخزين المؤونة قبل أن تُقعدها هي الأخرى الحمّى.

تقول رايشنباخ، التي تقطن في المنطقة منذ 30 عاماً: "إنّه لمكانٌ صعبٌ حقّاً أن تعيش فيه وأنت تعاني ضعفاً مناعياً. إن مرضتُ، فمن سيرعى عائلتي؟"

وفي الأسبوع الماضي، صعدت إلى سيارتها إحدى عميلاتها التي تعمل في مخبز، وهي تسعل وتعطس. قالت العميلة إنّها تعاني مجرّد نزلة برد آخذة في التحسّن، لكنّ رايشنباخ لم تقتنع بذلك.

"عدتُ إلى المنزل ذلك اليوم وقلت لصديقي: أنا قلقةٌ جدّاً، لأنّني أعلم أنّ الوضع في لانكستر بدأ يتفاقم." وأضافت: "ألغيتُ جميع المواعيد."

المستشفيات تُعيد النظر في بروتوكولات الزيارة

لم يكن مركز Geisinger الطبّي وحده الذي شهد تعرّض مرضى صغار للعدوى دون علمهم. فقد حذّر مستشفى Penn State's Golisano Children's Hospital العائلاتِ من أنّ شخصاً أُثبتت إصابته بالحصبة كان في الردهة الرئيسية للمستشفى لمدّة ساعتَين ونصف يوم 17 أغسطس. كما شهد قسم طوارئ مستشفى UPMC Children's Hospital حوادث تعرّضٍ مماثلة، وفق ما أفادت إدارة الصحة في مقاطعة أليغيني (Allegheny County).

يوم الثلاثاء، حثّ الدكتور Jeffrey Martin، الممارس في Lancaster General Health، كلَّ من يشكّ في إصابته بالحصبة على "الاتصال مسبقاً" قبل التوجّه إلى أيّ مستشفى أو عيادة أو مركز رعاية عاجلة.

قال مارتن: "الاتصال المسبق يُتيح لفرق الرعاية الصحية التحضير وترتيب التقييم الآمن، ممّا يُقلّل من التعرّض للآخرين ويحمي المرضى الأكثر هشاشةً في غرف الانتظار. هذه الخطوة البسيطة يمكن أن تُقلّص خطر الانتشار تقليصاً ملحوظاً."

وصف الطبيب المعالج في Geisinger خطرَ إصابة ابن سبونينبرغ بالحصبة بأنّه منخفض، غير أنّه أوضح أنّ الرضيع يحتاج إلى دواءٍ إضافي يُعطى عبر حقنة في أعلى كلّ فخذ لتوفير الحماية. كما سيُنقل إلى غرفة عزل مزوّدة بنظام تهوية خاصّ يمنع انتشار الجراثيم في حال أُصيب. ولن تنتهي فترة الخطر قبل 28 يوماً، وفق ما أفادت سبونينبرغ.

قالت سبونينبرغ : "أزعجني هذا الأمر كثيراً، لأنّه كان يواجه أصلاً تحدّياتٍ كبيرة. كان عليه أن يتلقّى حقنةً في ساقه لم يكن يحتاجها أصلاً، ولا يجب أن يحتاجها في هذا السنّ الصغير."

وأضافت: "لقد اضطرّ بالفعل إلى تخطّي معاركَ كثيرة. هذه المعركة لم أكن أريد أن تُضاف إلى قائمتها."

يد شخص بالغ يمسك قدم رضيع صغير جدًا في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة، مع توصيلات طبية تظهر هشاشة وضعف الرئة والهضم.
Loading image...
وُلد ابن بريتاني نيكول سبونينبيرغ قبل موعده، وأخبرها المستشفى الأسبوع الماضي بأنه تعرض لحصبة في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة.

أفادت سبونينبرغ بأنّها تحدّثت مع أولياء أمور آخرين كانوا غاضبين هم أيضاً.

"بعض الأطفال لا يتحمّلون ضجيج الضغط في غرف العزل، فيمرّون بوقتٍ عسير، لا سيّما الأصغر منهم سنّاً."

الخطر الحقيقي على الأطفال المبتسرين

الأطفال المبتسرون هم من بين أكثر المرضى عُرضةً للخطر في المستشفى، يقول الدكتور Buddy Creech، أخصّائي الأمراض المعدية لدى الأطفال في جامعة Vanderbilt في مدينة Nashville.

"الأطفال المبتسرون عُرضةٌ للعدوى لأسبابٍ متعدّدة" يوضح كريك فهم يُولدون قبل أن تنتقل الأجسام المضادّة، وهي البروتينات الواقية التي تتعرّف على الجراثيم الوافدة، من الأمّ إلى الجنين في المراحل الأخيرة من الحمل.

وأضاف: "كثيراً ما يعتمدون على أجهزة طبّية مساعِدة، وبالنسبة للأطفال المبتسرين جدّاً، لا تؤدّي جلودهم بعدُ وظيفتها كحاجزٍ واقٍ فعّال."

والأطفال دون سنّ الخامسة المصابون بالحصبة أكثر عُرضةً لتطوير مضاعفاتٍ خطيرة كالالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ مقارنةً بالأكبر سنّاً.

استجابةً للحادثة، عدّل مركز Geisinger بروتوكولات الفحص عند الدخول. وأعلن المستشفى في بيانٍ أنّه لن يُسمح بعد الآن بالدخول إلى وحدة العناية المركّزة لحديثي الولادة أو مستشفى الأطفال المجاور إلّا للوالدَين أو الأوصياء القانونيين، وبشرط ألّا تظهر عليهم أعراض الحصبة، مع توصيتهم بارتداء كمّامة جراحية عند الدخول.

وقال المركز في بيانه: "هذه الإجراءات مُطبَّقة لحماية مرضانا وزوّارنا وكوادرنا في ظلّ تصاعد حالات الحصبة في المنطقة."

تساءلت سبونينبرغ عن سبب عدم اشتراط المستشفى على الزوّار تقديم سجلّات التطعيم قبل الدخول. وأوضح خبراء الأمراض المعدية لدى الأطفال أنّ المستشفيات نادراً ما تمنع الوالدَين من الوصول إلى طفلَيهما، وأنّه في حالات العدوى الشديدة العدوانية كالسلّ، يُوضع الوالد والطفل في غرفة عزل مخصّصة بنظام تهوية خاصّ لاحتواء الجراثيم.

وقال الدكتور Michael Fitzpatrick، كبير المسؤولين الطبّيين في المنطقة المركزية لـ Geisinger، في بيانٍ نشره موقع المستشفى: "أدركنا أهمّية وجود الوالدَين وأفراد الأسرة المباشرين مع ذويهم في وحدة العناية المركّزة لحديثي الولادة، ولم نتّخذ هذا القرار باستخفاف. درسنا بعناية تأثيره على الأسر قبل أن نُقرّر أنّ هذه القيود المؤقّتة ضروريةٌ لحماية مرضانا الأشدّ هشاشةً."

تآكل الحصانة الجماعية

أُعلن القضاء على الحصبة في الولايات المتحدة عام 2000، وظلّ معظم البلاد يحافظ على مستوياتٍ تطعيمية كافية لمنع الانتشار المستمرّ للمرض. لكنّ هذه الشبكة الأمان بدأت تتآكل في مناطق عدّة، مع تزايد الإعفاءات بدواعٍ شخصية التي تُتيح لأطفالٍ غير مطعّمين الالتحاق بالمدارس.

في الوقت ذاته، شكّك مسؤولون حكوميون في سلامة اللقاحات، ممّا أضاف عاملاً آخر يُحبّط الإقبال على التطعيم. ومطلع هذا الشهر، وقّع الرئيس Trump أمراً تنفيذياً يوجّه وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية للبحث في إمكانية تقسيم لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) إلى ثلاث جرعاتٍ منفصلة.

قال Trump حين وقّع الأمر: "أعتقد أنّكم ستلاحظون فارقاً كبيراً في معدّلات التوحّد"، وهو ادّعاءٌ لا تسنده الأدلّة العلمية؛ إذ فحصت عشراتٌ من الدراسات الصلةَ المزعومة بين اللقاحات والتوحّد ولم تجد أيّ رابط.

بياناتٌ نشرها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) مؤخّراً تُظهر أنّ 4.2% من أطفال رياض الأطفال حصلوا على إعفاء من لقاحٍ واحد على الأقلّ من اللقاحات المطلوبة خلال العام الدراسي 2025-2026. وقد ارتفعت نسب الإعفاءات في جميع الولايات ما عدا تسعاً، وتتجاوز في ما يقارب نصف الولايات نسبة 5%.

في العام الماضي، بلغت نسبة التطعيم الكامل ضدّ الحصبة في مقاطعة لانكستر نحو 88% لدى أطفال رياض الأطفال و83% لدى طلّاب الصفّ السابع وهي أرقامٌ تقلّ كثيراً عن عتبة الـ 95% اللازمة لتحقيق المناعة الجماعية التي تحول دون انتشار العدوى بسهولة بين الأفراد.

غير أنّ هذه الأرقام متوسّطاتٌ على مستوى المقاطعة بأسرها. فبينما تُفيد بعض المدارس الحكومية بأنّ شبه جميع طلّابها مطعّمون ضدّ الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، تُسجّل بعض المدارس المينونيتية والمسيحية في لانكستر معدّلات تطعيم تقلّ عن 50%.

تقول رايشنباخ إنّها باتت تشعر بالقلق من الاستهتار الذي يُبديه جيرانها حيال الحصبة. كانت تعتزم زيارة ابنة أخيها وابن أخيها الصغيرَين هذا الأسبوع، لكنّ طبيبها نصحها بعدم المجازفة بذلك.

أخبرها الطبيب أنّها هي وصديقها وكلاهما مطعّمان سيكونان على الأرجح بخير بعد تعرّضهما للعدوى، "لكنّهما أطفالٌ رضّع وصغار. لم أكن مستعدّةً للمخاطرة بذلك.".

أخبار ذات صلة

Loading...
حارس أمن كيني يرتدي كمامة وقفازات في مطار جومو كينياتا الدولي وسط إجراءات الفحص الصحي لمواجهة فيروس الإيبولا.

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

فيروس بونديبوغيو يختبر فعالية فحوص الإيبولا في مطارات كينيا وأوغندا، ما يسلط الضوء على تحديات الكشف المبكر وانتقال العدوى عبر الحدود. اكتشف المزيد الآن.
صحة
Loading...
امرأة نائمة على أريكة مغطاة ببطانية وردية تحيط بها ثلاثة أطفال صغار، تعكس تعب الأم المصابة بالتغفيق من النمط الأول.

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

هل يمكن أن تعيش مع مرض نادر مثل التغفيق لعقود دون تشخيص؟ قصة إيمي تكشف معاناة الهلوسات والنعاس المفرط التي شوهت حياتها. اكتشف التفاصيل وكيفية التعرف على هذا المرض النادر الآن!
صحة
Loading...
عائلات تسير بهدوء في شارع بمدينة إيركوتسك بسيبيريا وسط أجواء طبيعية رغم الشائعات حول وفاة تقنية مخبرية بالطاعون.

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون

توفيت داريا شيبيلوفا، التقنية المخبرية في سيبيريا، وسط غموض حول سبب الوفاة الذي لم تؤكده الجهات الصحية الروسية، مما أثار قلق السكان وانتشار شائعات الطاعون. اكتشف تفاصيل القصة كاملة وكن على اطلاع على آخر المستجدات.
صحة
Loading...
بكتيريا يرسينيا بيستيس المسببة للطاعون تحت المجهر، مع خلايا دم حمراء وبيضاء تظهر تفاصيل العدوى المحتملة في معهد إيركوتسك الروسي.

الطاعون الرئوي بالأرقام

وفاة موظفة في معهد إيركوتسك الروسي تثير قلقاً عالمياً بسبب التهاب رئوي غامض مرتبط بالطاعون. منظمة الصحة العالمية تبحث التفاصيل وتراقب الوضع بدقة. اكتشف المزيد عن هذا اللغز الصحي وتأثيره المحتمل.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية