مارك كارني مواجهة حاسمة مع اقتصاد ترامب القوي
رئيس وزراء كندا مارك كارني يرفض صفقة تجارية مع الولايات المتحدة بعد تجاوز واشنطن خطوطه الحمراء ويعلن فرض تعريفات جمركية تصل إلى 50% على البضائع الأمريكية خطوة جريئة تعكس قوة موقف كندا في مواجهة الضغوط الاقتصادية خَبَرَيْن

رسم Mark Carney خطوطاً حمراء واضحة، وحين تجاوزتها واشنطن، أعلن رسمياً انهيار مفاوضات التجارة مع الولايات المتحدة، وتعهّد بتعريفات جمركية مقابلة على البضائع الأمريكية تصل بعضها إلى 50%.
لكنّ المشهد يمتدّ إلى ما هو أبعد من طاولة المفاوضات. فقبل أن يصبح رئيساً للوزراء، كان Carney حارس مرمى احتياطياً وأحياناً احتياطي الاحتياطي في فريق هوكي الجليد بجامعة Harvard. يتذكّر زميله السابق Mark Benning، المدير التنفيذي في مجال رأس المال الاستثماري والصديق الذي لا يزال على تواصل معه، مباراةً فاصلة في منتصف الثمانينيات حين دخل Carney الملعب بدلاً من لاعبٍ مصاب وأوقف جميع ضربات الفريق المنافس.
يقول Benning: "لم أرَه يتصدّع تحت الضغط في أيّ لحظة."
بعد نحو 40 عاماً، يجد Carney نفسه مجدّداً في الملعب، هذه المرّة في مواجهة الرئيس Donald Trump الذي يستند إلى اقتصادٍ يبلغ حجمه 30 تريليون دولار.
يوم السبت الماضي، رفض Carney صفقةً تجارية مع الولايات المتحدة بعد أن قدّم المسؤولون الأمريكيون في اللحظات الأخيرة مطالب من بينها تقييد حرية كندا في إبرام اتفاقيات مع دولٍ أخرى. وبعد أن تجاوزت واشنطن خطوطه الحمراء، تعهّد Carney بتعريفات جمركية مقابلة على البضائع الأمريكية دولاراً بدولار، بعضها يبلغ 50%.
كانت خطوةً جريئة، تردّد صداها مع خطابٍ ألقاه في منتدى Davos في يناير، دعا فيه "القوى المتوسّطة" في العالم إلى التكتّل في مواجهة Trump وتعريفاته الجمركية. وقال في وصف دول كبلده التي تجد نفسها في مهبّ "قطيعةٍ" مع النظام العالمي القائم على القواعد: "إذا لم نكن على الطاولة، فنحن على القائمة."
وافق الكنديون بأغلبية ساحقة على قراره بالانسحاب من المفاوضات. مرّةً أخرى، في نظر مواطنيه، كان Carney في مستوى اللحظة.
مسيرةٌ صُنعت في أوقات الأزمات
بنى Carney مسيرته المهنية في خضمّ الكوارث. فبعد Harvard، حصل على دكتوراه في الاقتصاد من Oxford، ثمّ قضى أكثر من عقدٍ في Goldman Sachs قبل أن ينتقل إلى العمل الحكومي في الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية. وحين انفجرت الأزمة عام 2008، كان يقود البنك المركزي الكندي.
يتذكّر James Moore، الذي كان جزءاً من الحكومة المحافظة الحاكمة آنذاك وتولّى لاحقاً منصب وزير الصناعة، اجتماعاً طارئاً لمجلس الوزراء في خريف ذلك العام. كان الوضع بالغ الفوضى: كندا كانت قد أجرت للتوّ انتخاباتٍ فيدرالية والاقتصاد العالمي بدأ يترنّح. وصف Moore إحاطة Carney في ذلك اليوم بأنّها كانت "درساً احترافياً" "صريحاً وهادئاً ومطمئناً ومضموناً."
يقول Tim Adams، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية إبّان إدارة George W. Bush، الذي كثيراً ما جمعته بـCarney الغرفة ذاتها: "كان Mark دائماً يمتلك القدرة على استشراف المسار الذي تتّجه إليه القضية، وفهم التداعيات من الدرجة الثانية والثالثة. يميل إلى الاستعداد الجيّد والانضباط، وهو مرتاحٌ جداً للعمل تحت الضغط."
Carney يقود اليوم حزب الليبراليين الكندي، لكنّ Moore أكّد أنّه وزملاءه السابقين في الحكومة المحافظة "يحملون له تقديراً بالغاً ويرون أنّه يؤدّي عمله بصورةٍ رائعة بوصفه رئيساً لوزراء كندا في هذه الأوقات العسيرة."
بعد سنواتٍ قليلة، استقطبه بنك إنجلترا (Bank of England) وعيّنه أوّل محافظٍ أجنبي في تاريخ المؤسّسة الممتدّ 330 عاماً. وقد أسهم في توجيه بريطانيا عبر اضطرابات Brexit، إذ ظهر سريعاً عقب تصويت 2016 ليطمئن الأسواق والمواطنين بأنّ لديه خطّة. كان قد حذّر علناً من المخاطر الاقتصادية، ما جلب عليه انتقادات المؤيّدين لـBrexit الذين رأوا فيه تجاوزاً للحدود الفاصلة بين الاقتصاد والسياسة.
'هادئٌ' لكنّه 'مطالِب'
في الأيام التي سبقت انسحاب Carney من المفاوضات التجارية، كان Howard Lutnick، وزير التجارة الأمريكي، يراسله ويتّصل به. لم يكن هذا الخطّ المباشر جديداً، وكانت وزارة Lutnick صاحبة الاختصاص في الملفّات المطروحة. ومع ذلك، فإنّ دخوله المتأخّر على المفاوضات الجارية بين الفريقين الأمريكي والكندي كان مزعزِعاً، وفق ما أفاد به شخصان مطّلعان على الملفّ.
Lutnick أكثر ودّاً وأقلّ صخباً مع Carney في الجلسات الخاصّة ممّا توحي به صورته العلنية، بحسب أحد المطّلعين. غير أنّه عارض بشدّة بنوداً في الاتفاقية المقترحة كانت ستُخفّض بصورةٍ جوهرية التعريفات الأمريكية على واردات الصلب والألومنيوم والسيارات الكندية.
كان ذلك واحداً من تراجعاتٍ عدّة وصفها Carney في خطابٍ يوم السبت بأنّها "غير اقتصادية وغير عادلة، وتنتقص من صافي الفوائد لكندا، وتُشكّك في موثوقية أيّ اتفاق."
ردّ المسؤولون الأمريكيون على Carney في الأيام التالية. فقد رفض Lutnick يوم الخميس الرواية الكندية لملابسات انهيار المحادثات، مدّعياً أنّ Carney "افتعل" الأزمة لرفع رصيده السياسي في الداخل. وفي يوم الأربعاء، وصف مستشار التجارة في البيت الأبيض Peter Navarro انتصار Carney الانتخابي المبني على مواجهة Trump العام الماضي بأنّه "أسوأ ما حدث لكندا"، مضيفاً على CSPAN أنّه "في كلّ مرّة يهاجم فيها Carney Trump، يكافئه الشعب الكندي بمزيدٍ من الدعم السياسي."
يوم الخميس، وقّع Trump مرسوماً تنفيذياً يُعيد تسمية بحيرة Ontario إلى "Lake America" للجهات الفيدرالية الأمريكية، وقال دون أن يذكر Carney بالاسم: "لقد عاملنا المسؤولون الكنديون بسوءٍ شديد. إنّهم أناسٌ حاقدون." وأضاف أنّ كندا هي "الأصعب تعاملاً في التجارة"، مدّعياً أنّها "تشعر بالاستحقاق." وحذّر Navarro يوم الأربعاء من أنّ "ممارسة السياسة" مع الولايات المتحدة "لن تنتهي بخيرٍ لكندا."
على الصعيد الشخصي، رصدت مجلّة Maclean's الكندية في تقريرٍ نشرته في أكتوبر، استناداً إلى مصدرٍ حكومي لم تُسمِّه، أنّ Carney سريع الاستثارة مع بعض زملائه. وأشارت المجلّة إلى أنّ الأجواء في إدارته أكثر توتّراً ممّا كانت عليه في عهد سلفه الليبرالي Justin Trudeau، الذي كان يدير الأمور بأسلوب "المعلّم المشجّع".
تقول Supriya Dwivedi، المستشارة الأولى السابقة لـTrudeau التي شاركت مع Carney في مجلس استشاري لمنظّمة Canada 2020 الليبرالية: "أعتقد أنّه مطالِبٌ وواضحٌ جداً في معاييره. ولأنّه مجتهدٌ بالغ العمل، فهو يتوقّع ذلك ممّن حوله وهذا ليس عيباً لكن حين تعمل ساعاتٍ طويلة في السياسة لا في المال، تحتاج أحياناً إلى لمسةٍ أخفّ وطأة."
وقد وثّقت صحيفة The Globe and Mail الكندية نزعة Carney نحو الغطرسة في تحقيقاتٍ صحفية سبقت دخوله عالم السياسة بسنواتٍ طويلة. وقد ظهرت هذه النزعة علناً في مؤتمرٍ صحفي بعد أيامٍ قليلة من توليّه رئاسة الوزراء، حين قالت له Rosemary Barton إنّه "من الصعب جداً تصديق" أنّ سنواته الطويلة في القطاع الخاص لم تُفرز أيّ تضاربٍ في المصالح المالية. بدا عليه الانزعاج.
قال لها: "انظري في داخلك يا Rosemary"، مضيفاً: "لقد تركت أدواري في القطاع الخاص في وقت أزمةٍ لبلدنا. أنا ملتزمٌ بجميع القواعد."
تكاليف المواجهة
واجه Carney دائماً خطر أن يبدو بعيداً عن هموم الناس العاديين. فمسيرته في البنوك المركزية تتوسّطها سنواتٌ قضاها في الاستثمار الخاص، في Goldman ثمّ في Brookfield، شركة إدارة الأصول الكندية، حيث عمل حتى ترشّحه لقيادة الحزب الليبرالي في مطلع 2025.
وعلى الرغم من نشأته المتواضعة ابن معلّمَين، وُلد في بلدةٍ صغيرة في الأقاليم الشمالية الغربية وترعرع في Edmonton بمقاطعة Alberta وزواجٍ يمتدّ لأكثر من 30 عاماً وأربع بنات، ظلّ من الصعب على "رجل المال" أن يتحوّل إلى "رجل الشارع".
تابع المحلّل والمستطلِع Nik Nanos حملة انتخابات 2025. وقال أنّه حين تصدّرت أزمة غلاء المعيشة الاهتمامَ العام، كان المحافظون بقيادة Pierre Poilievre يكسبون زخماً. لكن حين يُقدم Trump على خطوةٍ فوضوية أو استفزازية مباشرة ضدّ كندا كوصفها بـ"الولاية الحادية والخمسين" كان الدعم لحزب Carney الليبرالي الحاكم يرتفع.
يقول Nanos، كبير علماء البيانات في Nanos Research: "في 2025، خرجنا من عشر سنواتٍ تحت حكومة Justin Trudeau الليبرالية، وبحلول نهاية ولايتها كان الناس يتوقون إلى تغييرٍ جذري." لكنّ المشهد تحوّل سريعاً. فجأةً، لم يعد السؤال عمّن تُحبّ أو أيّ حزبٍ تُفضّل، بل "تحوّل إلى سؤال صندوق الاقتراع: من يستطيع إدارة العلاقة مع Donald Trump على أفضل وجه؟"
ومع ذلك، فإنّ الكنديين، رغم غضبهم من إدارة Trump، يريدون علاقةً تجارية تعاونية مع الولايات المتحدة، وفق Nanos. الاختبار السياسي الحقيقي لـCarney سيأتي لاحقاً، حين تتّضح التداعيات الاقتصادية للتعريفات المتبادلة من تسريحٍ للعمّال وإفلاسٍ للشركات.
يقول Nanos: "الأمر يشبه الحرب الكلاسيكية. تُعلَن الحرب، يهتف الجميع حين يخرج الجنود من الباب، حتى يعود الجندي الأوّل جثّة."
ومن المحتمل أن يشارك Carney مصير قادةٍ آخرين تحوّلوا إلى رموزٍ في أوقات النزاع، ثمّ تراجع نجمهم حين انتهى القتال وغاب العدوّ المشترك وعادت الملفّات الداخلية الخلافية إلى الواجهة. وفي كندا، تشمل هذه الملفّات أزمة السكن وجدل الهجرة وإشكاليات السياسة الصحية.
في الوقت الراهن، يتصدّر Carney استطلاعات الرأي الكندية بفارقٍ واضح، بل يكسب بعض الدعم من الجانب الآخر للحدود.
قالت Debbie Dingell، عضو الكونغرس الديمقراطية عن ولاية Michigan يوم الأربعاء إنّها ترى أنّ Carney يمارس حقّه المشروع في مقاومة رئيسها. وأضافت: "نحن متشابكون بعمق. هذا أمنٌ اقتصادي وأمنٌ قومي معاً. إنّهم عائلتنا. ما يفعله الرئيس Trump بكندا ليس مقبولاً. أنا مرتاحةٌ لأن يتمسّك Carney بموقفه."
وقالت Chellie Pingree، عضو الكونغرس الديمقراطية عن ولاية Maine: "لا شيء ممّا يفعله الرئيس Trump يحظى بشعبية." وأضافت أنّ Carney يفعل "الشيء الصحيح بالصمود بحزم."
يوم الخميس، وجد Carney نفسه في الموقف الاستثنائي للدفاع عن اسم إحدى البحيرات الكبرى. كتب على منصّات التواصل الاجتماعي أنّ اسم بحيرة Ontario أقدم من كندا والولايات المتحدة معاً، وأضاف: "نعلم أنّ أمريكا تتغيّر: علاقاتها التجارية، وسياساتها الخارجية، وآثارها الوطنية، وتسمياتها الجغرافية. يعلم الكنديون أيضاً أنّ تسمية الواقع تعني قول Lake Ontario بالأمس واليوم وإلى الأبد."
في Toronto، أخبرت المتقاعدة Diana Bartlett، 75 عاماً أنّها تميل عادةً نحو أحزابٍ أكثر يسارية من الليبراليين، وأنّها تخشى أن يكون Carney قد "نسي قليلاً" القضايا الاجتماعية الحيوية كالرعاية الصحية. ومع ذلك، صوّتت لحزبه في الانتخابات الأخيرة مدفوعةً في ذلك بالتهديد الذي يمثّله Trump وأكّدت أنّها "تدعم بالكامل" قراره باتّخاذ موقفٍ متشدّد مع الرئيس الأمريكي.
قالت وهي تتسوّق يوم الأربعاء: "أتمنّى لو انسحب من المفاوضات في وقتٍ أبكر بكثير. لقد سئمت من أن يتلاعب بنا Trump وأعوانه. أنا مواطنةٌ مسنّة، وسأحمل السلاح للدفاع عن هذا البلد.
أخبار ذات صلة

انفصاليّو كيبيك يفوزون بالانتخابات لكن دون أغلبيّة برلمانيّة

فلافيو بولسونارو يرث حركة والده اليمينية.. هل يصل للرئاسة البرازيلية؟

محطّة كوبا النووية: من حلم الاستقلال إلى رمز الخيبة
