قصة أوليفيا تحدّت المرض وعاشت حياة طبيعية
قصة أوليفيا التي عاشت منذ ولادتها على تغذية وريدية كاملة رغم تشخيص طبي قاتل تكشف كيف تغلبت على الألم والتحديات لتعيش حياة طبيعية وتخطط لمستقبلها بعزيمة وأمل في خَبَرَيْن.

هل يمكن لامرأة تعيش منذ ولادتها على تغذية وريدية أن تتزوّج، وتُسافر، وتخطّط لتكوين أسرة، بينما تحمل تشخيصاً كان الأطباء يصفونه ذات يومٍ بأنه "شبه مؤكّد" الفتك بها؟ قصة أوليفيا ديكولد (Olivia DeKold)، البالغة من العمر 26 عاماً، تُجيب عن هذا السؤال بطريقةٍ لا تخلو من الألم، لكنها أيضاً لا تخلو من الأمل الحذر الذي يفرضه الطبّ حين يتقدّم خطوة، دون أن يمحو المرض بالكامل.
متى بدأت المعاناة، وما الذي كان يحدث فعلاً في جسدها؟
منذ ولادتها، عانت أوليفيا من القيء المتكرر والإمساك المزمن والنحول الشديد مع انتفاخ بطني ملحوظ. تصف والدتها، شيلا زيدلر، تلك المرحلة قائلة: "كانت ترضع ثم تتقيّأ حليب الثدي، كمياتٍ كبيرة منه". ومع بدء إدخال الأطعمة الصلبة، لم يتغيّر المشهد: "بدأنا بإطعامها الأطعمة الصلبة وكانت تحاول الأكل، لكنه كان إمساكاً مزمناً وقيئاً مزمناً". كانت أوليفيا، بحسب والدتها، "نحيفة جداً، لكنّ بطنها كان منتفخاً جداً"، ما دفع العائلة إلى اللجوء إلى الحقن الشرجية بمعدّل ثمانٍ إلى تسع مرّاتٍ يومياً خلال فترة الرضاعة.
قبيل عيدها الثاني بقليل، توصّل الأطباء إلى التشخيص: فشلٌ هضمي ناتج عن حالةٍ وراثية كانت تاريخياً تودي بحياة 25% من المصابين بها، غالباً في مرحلة الطفولة. وبعد أيامٍ فقط من عيد ميلادها الثاني، خضعت لعمليةٍ جراحية استُؤصل خلالها القولون بالكامل، وأُنشئت ثلاث فتحاتٍ في البطن للتخلّص من الفضلات والغازات والسوائل: فغرٌ لَفَائفي لتفريغ فضلات الأمعاء الدقيقة، وأنبوبٌ صائمي لإيصال السوائل والأدوية، وأنبوبٌ معدي لتصريف الغازات وعصارة المعدة. أمّا التغذية، فأصبحت تصلها عبر قسطرةٍ مركزية توصّل التغذية الوريدية الكاملة مباشرةً إلى إحدى حجرات القلب.
حالة أوليفيا تحمل اسماً طبياً محدداً: العلوص الكاذب المعوي (Intestinal pseudo-obstruction)، وهو شكلٌ نادر من الفشل الهضمي يُحاكي أعراض الانسداد المعوي دون وجود أي عائقٍ فيزيائي فعلي. المشكلة هنا عصبية-عضلية بحتة: عضلات الأمعاء وأعصابها تفشل في دفع الطعام والسوائل والفضلات، فيصبح الأمعاء، كما يصفه جراحها الدكتور بول ويلز، "منخفض التوتر ورخواً تماماً، بحيث لا يستطيع دفع محتوياته". ويشبّه ويلز الأمعاء المصابة بـ"بالون ماءٍ كبير، يمتلئ بالسوائل وينقلب ويتلوّى داخل البطن وهو يتمدّد وكل ذلك قد يسبب ألماً شديداً".
كيف بدت حياة طفلةٍ "متصلة بأنابيب" في كل مكان؟
رغم كل ذلك، تصف صديقة طفولة أوليفيا، كيتا جو، بطن صديقتها بأنه "أشبه بجسدٍ آلي"، مضيفةً: "كانت لديها أنابيب متشابكة من منطقةٍ إلى أخرى، تضطر لتوصيل أشياء بنفسها. كنا نرى ذلك بشكلٍ منتظم كأطفال، لأنها كانت تغيّر أنابيبها بنفسها وتتخلص منها، أو تستبدل الحشوات القطنية بين الأنبوب والجلد". لكنّ الأمر لم يكن يُقلق الأطفال من حولها: "كنا نقول فقط، هذه أوليفيا، هذه أغراض أوليفيا، حسناً. ثم كانت تتسلّق أشجار البلوط وأنابيبها معلّقة عليها. كانت تسحبها في الفناء وأنا أتبعها في أي لعبةٍ صغيرة كنا نلعبها".
كيشا ماكيو، صديقة العائلة ووالدة كيتا، تتذكر مرونة أوليفيا الاستثنائية: "كانت لدى أوليفيا مرونةٌ خاصة بها"، وتضيف: "كانت على الأرجح أكثر فتاةٍ صغيرة حيوية عرفتها في حياتي. كانت تذهب إلى حفرةٍ أثناء اللعب وتتقيّأ أو تفرغ كيس الفغر اللفائفي ثم تعود للعب فوراً".
الفضل في هذا الشعور بالطبيعية يعود إلى حدٍّ كبير لوالدتها. تقول أوليفيا: "أمّي فعلت عملاً رائعاً في ألا يكون كل شيء متمحوراً حول مرضي. أتذكر مرةً أن أنبوب المعدة انتُزع مني"، وكان ردّ الأم: "حسناً، لنعد الأنبوب فحسب، لا شيء مهم". أما زيدلر نفسها فتتواضع في وصف دورها: "لم أكن أمّاً استثنائية"، لكنها تُقرّ بأنها حرصت على أن تعيش ابنتها طفولةً طبيعية قدر الإمكان: "كانت أوليفيا دائماً تملك روح المغامرة. كانت تحب تسلّق الأشجار وركوب الدراجة، وأردت أن تحظى بذلك، فكنا نضع كل المضخات والأنابيب في سلة الدراجة". وتضيف أنّ إصرار ابنتها على الاعتناء بأنابيبها بنفسها، رغم صعوبته عليها وعلى زوجها، كان في محلّه: "كنت أفكر دائماً، عليها أن تفعل هذا لبقية حياتها".
ماذا حدث حين اقتربت الأمعاء من الانفجار الفعلي؟
في سن الثامنة، مرّت أوليفيا بأزمةٍ كادت تودي بحياتها. تصف تلك اللحظة بقولها: "كنت أتلوّى، في عذابٍ رهيبٍ حقيقي". استغرق الأطباء نحو أسبوعين لتحديد السبب: تضخّم الأمعاء الدقيقة إلى نحو عشرة أضعاف حجمها الطبيعي. تصف ماكيو تلك الفترة بقسوة: "كانت أوليفيا تصرخ، أريد أن أموت، أريد أن أموت، مراراً وتكراراً"، مضيفةً أن الأطباء المقيمين "كانوا يعطونها أعلى جرعات مسكّنات الألم الممكنة دون أن تقتلها، ومع ذلك لم تكن كافية".
الموقف تعقّد أكثر حين تردّد أحد الأطباء في إجراء الجراحة. تروي زيدلر: "كان هذا الطبيب لا يريد إجراء العملية، وكان يقول أشياء مروّعة عمّا سيحدث لها إن فعلوا ذلك"، إلى أن تدخّل طبيبٌ مقيم آخر: "أخيراً قرّر طبيبٌ مقيم مختلف أخذها إلى الجراحة". وفي مفارقةٍ تختصر قسوة تلك الليلة ومرارتها الممزوجة بشيءٍ من السخرية اللاحقة، تتذكر الأم: "الطبيب الذي كان يعطينا كل السلبية كان حاضراً. حين رفع أمعاءها للفحص، انفجرت على حذائه الجديد الذي كلّفه 200 دولار"، وتضيف ضاحكة: "نضحك على ذلك الآن، لكنني لن أنسى تلك الليلة أبداً".
لماذا عاشت سنواتٍ من الرعب من بلوغ الخامسة والعشرين؟
مع تقدّمها في سنوات الدراسة الجامعية، جاء تشخيصٌ جديد بفشل الكبد، وتوقّع الأطباء أنها ستحتاج إلى زراعة أعضاءٍ متعددة خلال خمس سنوات. الإحصاءات التي عُرضت عليها كانت قاسية: احتمال شبه مؤكّد للوفاة خلال 10 سنوات من الزراعة. تقول أوليفيا بمرارة: "الإحصاءات حول هذه الزراعات كئيبة جداً يكاد يكون مؤكداً أنك ستموت بعد 10 سنوات من الزراعة".
كانت في العشرين من عمرها حين استولى عليها اليأس: "كنت في العشرين وأضع كل هذه الخطط لمستقبلي، وبصراحة، انهرت تماماً. أمضيت السنوات التالية في رعبٍ مطلق من بلوغ الخامسة والعشرين". تعترف أوليفيا اليوم بندمٍ صريح على تلك المرحلة: "لم أعانِ بأناقة. سمحت لمعاناتي أن تقودني إلى اليأس، وهو أمرٌ يتعارض تماماً مع الطريقة التي تربّيت وعشت بها من قبل. أشعر بندمٍ كبير حيال ذلك، لأن هذا ليس أنا على الإطلاق".
الألم تصاعد تدريجياً حتى أصبح لا يُطاق: "كان ازدياداً خبيثاً للألم مع الوقت، إلى درجة أنه أصبح ساحقاً وشاملاً"، وتضيف: "كان من السهل جداً أن أصدّق: هذا هو وضعي الطبيعي الجديد، هكذا سيكون الأمر من الآن وإلى الأبد. لا أمل، أليس كذلك؟". خلال تلك الفترة، قلّصت حضورها الجامعي إلى مادةٍ واحدة في الفصل الدراسي، وأنفقت مدّخراتها على السفر إلى أماكن كانت تخشى ألا تراها أبداً، وعادت للعيش مع والديها مع تفاقم أعراضها، فيما تطوّر شقٌّ إلى جانب أحد أنابيب المعدة.
اللحظة الفاصلة جاءت مع ألمٍ مفاجئ: "شعرت وكأن أحداً طعنني في جنبي. كانت تلك القشة الأخيرة"، تقول أوليفيا. "كانت لديّ كل هذه الأعراض، وسئمت القلق من هذه الزراعة المعلّقة فوق رأسي. قررت أن أجد جرّاح زراعة وأنهي الأمر. سئمت الخوف".
كيف غيّرت جراحةٌ واحدة مسار القصة كلّها؟
هنا يدخل الدكتور بول ويلز، مدير الجراحة في وحدة إعادة تأهيل الأمعاء في مركز سينسيناتي للأطفال الطبي (Cincinnati Children's Hospital Medical Center)، ليقدّم بديلاً لم يكن يعرف الكثيرون بوجوده. أجرى ويلز عمليةً استُؤصل خلالها 250 سنتيمتراً، أي نحو 8 أقدام، من الأمعاء الدقيقة لأوليفيا، وقلّص قطرها من 10 سنتيمترات (نحو 4 إنشات) إلى 3 سنتيمترات (إنش واحد). يصف ويلز العملية بقوله: "أخذت أمعاء أوليفيا الدقيقة الشبيهة بالأناكوندا وأزلت 250 سنتيمتراً، أو نحو 8 أقدام، لتقليص الطول". والهدف من ذلك، كما يشرح: "خلق أمعاءٍ أصغر أقل عرضةً للتمدد والتقلّب والتسبّب بالألم".
هذا النوع من الجراحة لا يُطبَّق على كل المرضى المعتمدين على التغذية الوريدية، بل على فئةٍ محدودة منهم فقط، والهدف منه ليس علاج المرض جذرياً إذ يقول ويلز بوضوحٍ علمي لا لبس فيه: "لا يمكننا علاج المرض، لكن يمكننا تحسين جودة حياتهم، وجعل أعراضهم أكثر قابلية للإدارة، وتجنّب الحاجة إلى زراعةٍ فورية وقمع مناعي مدى الحياة". هذا التمييز مهم: البديل الجراحي لا يُلغي احتمال الزراعة مستقبلاً، بل يؤجّلها، مستنداً إلى معطى أن نسبة البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات لدى مرضى التغذية الوريدية تبلغ 90%، وهي نسبةٌ أعلى من نظيرتها بعد زراعة الأمعاء بحسب ويلز.
النتيجة على أرض الواقع كانت لافتة: تراجع الألم المُنهك بشكلٍ كبير بعد الجراحة، واستعادت أوليفيا القدرة على تناول كمياتٍ صغيرة من الطعام، وأكملت دراستها الجامعية. والأهم أن الأطباء باتوا يقدّرون الآن أنها قد لا تحتاج إلى الزراعة قبل بلوغها الأربعين، بعدما كان التوقع السابق يشير إلى خمس سنوات فقط.
ماذا تعني التغذية الوريدية في حياةٍ يومية؟
رغم التحسّن، تبقى التغذية الوريدية الكاملة (TPN) جزءاً لا يتجزّأ من روتين أوليفيا اليومي منذ 24 عاماً. كل ليلة، توصل نفسها بكيسٍ يزن 10 أرطال يحتوي على كربوهيدراتٍ وبروتيناتٍ ودهونٍ ومعادن وفيتامينات مهضومة مسبقاً، تصل مباشرةً إلى مجرى الدم متجاوزةً أمعاءها التالفة، لمدة 12 ساعة. تصف أوليفيا هذا الطقس بعمليةٍ: "أوصل نفسي بكيسٍ كبير من التغذية الوريدية يزن 10 أرطال ليلاً، ويصبح أخفّ بكثيرٍ في الصباح"، مضيفةً: "يمكنني وضعه في حقيبة يدٍ أو حقيبة ظهر لبقية اليوم. معظم الأنابيب مخفية تحت الملابس وحين انتشرت الجينز عالي الخصر كان ذلك أفضل شيءٍ حصل".
لكن هذا الاعتماد الطويل على التغذية الوريدية له كلفته الصحية. تقول أوليفيا بصراحةٍ علمية: "أنا على التغذية الوريدية منذ 24 عاماً الآن، أطول من معظم الناس الذين يصمدون دون دخول في فشل كبدي"، مضيفةً: "لديّ كبدٌ دهني، ومرونة كبدي أشبه بمرونة كبد شخصٍ في الأربعين من عمره مدمنٍ على الكحول". هذا التلف الكبدي يعني أن الزراعة لن تقتصر على الكبد وحده، لأن ذلك سيُبقيها معتمدة على التغذية الوريدية التي ستدمّر الكبد الجديد أيضاً، وفق ما تشرحه: "في النهاية سأحتاج زراعة كبد، لكنني سأبقى على التغذية الوريدية، ما سيقتل ذلك الكبد أيضاً. لذا الخطة هي الحصول على زراعة معدةٍ وكبدٍ وأمعاءٍ دقيقة معاً". إضافةً إلى مخاطر الكبد، تحمل التغذية الوريدية الطويلة الأمد مخاطر أخرى موثّقة طبياً: أمراض الكلى، وأمراض العظام، ومشاكل عصبية-إدراكية، فضلاً عن أن القسطرة المركزية التي توصل التغذية مباشرةً إلى القلب تُشكّل بوابةً مباشرة لعدوى قد تتحول بسرعةٍ إلى إنتانٍ دموي (Sepsis) يهدد الحياة.
من الناحية العلمية، يوضح ويلز أن التغذية الوريدية ليست الخيار الوحيد المتاح لدعم الجسم؛ فحتى الكميات الصغيرة من الطعام الفموي تدعم البكتيريا النافعة في الأمعاء وتمنع ضمور الأعضاء الهضمية. لكنه يحذّر في الوقت نفسه: "حتى مع القليل من الطعام أو عدمه، يستمر الجهاز الهضمي في إفراز المخاط والسوائل وحتى قليلٍ من البراز، وكل ذلك قد يوسّع الأمعاء ويسبب انتفاخاً مفرطاً وألماً" وهو بالضبط ما استهدفته جراحة تصغير الأمعاء التي أجراها لأوليفيا.
أما ذكريات الطفولة المرتبطة بالحمّى، فتلخّص ثقل هذا المرض على العائلة بأكملها: "كلما أصابتني الحمّى في طفولتي، كان علينا القيادة لمدة ساعتين إلى المستشفى وإجراء فحوصات دمٍ للتأكد من أنني لست في طريقي إلى الإنتان الدموي"، تقول أوليفيا، "كان الأمر يستلزم إقامةً إلزامية لمدة 48 ساعة. وبما أن هناك الكثير من نوبات الحمّى في الطفولة، فقد كنت في المستشفى كثيراً بالتأكيد". لكنها تستدرك بامتنان: "لكن مرةً أخرى، أمّي فعلت عملاً رائعاً في جعل المستشفى مكاناً أقل رعباً... كان لدينا دائماً شيءٌ ممتع نفعله".
كيف بدت الحياة بعد الجراحة: الزواج، والسفر، والأمل الحذر؟
بعد الجراحة، تغيّر مسار حياة أوليفيا بشكلٍ ملموس. التقت بزوجها المستقبلي، كودي كرايمر، وسافرا معاً عبر غرب الولايات المتحدة، وعاشا لفتراتٍ في نيفادا وأريزونا. أمضت 10 أيامٍ في استكشاف لندن، ومارست رياضاتٍ متعددة شملت المشي لمسافاتٍ طويلة، والتخييم، والتزلج، والتجديف بالكاياك، وأكملت سباق ركضٍ بمسافة 5 كيلومترات. اليوم هي متزوجة وتخطط لتكوين أسرة.
لكنّ رحلة الزواج نفسها لم تخلُ من اختبارٍ قاسٍ آخر. قبل أقل من أسبوعين من موعد الزفاف، تحوّلت عدوى في القسطرة المركزية إلى إنتانٍ دموي، ما كاد يجبر العائلة على إلغاء الزفاف بالكامل. يروي زوجها كودي كرايمر تلك اللحظات: "كانت في حالةٍ سيئة جداً لدرجة أنني ظننت أننا قد نضطر لإلغاء الزفاف حتى اليوم السابق له". تصف والدتها صباح يوم الزفاف بحسرة: "صباح الزفاف، حطّم ذلك قلبي"، وتتابع: "كانت متعبة جداً، لم تكن قد غسلت شعرها أو أي شيء. كنت أقودها إلى الكنيسة، وهي تُعلّق المضادات الحيوية الوريدية على واقي الشمس وتحاول فقط أن تصمد". ورغم ذلك، حضرت أوليفيا حفل العشاء التجريبي وحفل الزفاف نفسه وهي تتلقى المضادات الحيوية عبر الوريد. تتذكر والدتها لاحقاً: "بعد ذلك قالت لي، أمي، لا أتذكر الكثير من حفل الاستقبال. أخبرتها أنها كانت شجاعة وجميلة، ولم يخمّن أحد أنها جاءت للتو من المستشفى. وهذا صحيح تماماً كانت تبتسم وتُشعّ رشاقةً تامة".
اليوم، لا تزال أوليفيا تعاني أحياناً من نوباتٍ ألمٍ منهكة أو مهدّدة للحياة، وتتطلّب حياتها اليومية إدارة مستمرة للمستلزمات الطبية والمضخات والأنابيب، ويقظةً دائمة. لكنها تحوّلت أيضاً إلى صوتٍ يقدّم الطمأنينة لمن يمرّون بتجربةٍ مشابهة، عبر قناتها على YouTube التي تجمع بين رسائل التشجيع وهواية الحياكة التي تعلّمتها طفلةً خلال إقاماتها الطويلة في المستشفى ومن ذلك مقطع فيديو تعرض فيه هواية الحياكة وآخر تتوجّه فيه بالحديث مباشرةً إلى جمهورها.
يصف جرّاحها، الدكتور ويلز، إصرارها بقوله: "أوليفيا لا تستسلم أبداً. تدير حالتها ولا تدعها تحدّد هويتها". أما صديقتها كيتا جو فتلخّص شخصيتها بقولها: "إنها مفرقعة نارية بحق. حصلت أوليفيا على أكثر مما حصل عليه معظم الناس من الحياة حتى الآن، وذلك عبر إرادةٍ واعية خالصة"، مضيفةً: "إنها تختار كل يوم كيف تعيش حياتها".
ما الذي يبقى مفتوحاً في هذه القصة؟
جراحة تصغير الأمعاء التي أجراها الدكتور ويلز ليست علاجاً نهائياً للعلوص الكاذب المعوي، ولا تُلغي حاجة أوليفيا المستقبلية إلى زراعة المعدة والكبد والأمعاء الدقيقة معاً وهي تدرك ذلك جيداً حين تقول: "الخطة هي الحصول على زراعة معدةٍ وكبدٍ وأمعاءٍ دقيقة". ما فعلته الجراحة هو تأجيل ذلك الموعد الحتمي من سن العشرين تقريباً إلى ما يقارب الأربعين، مانحةً إياها عقدين إضافيين من حياةٍ أكثر قابلية للإدارة، وفق تقدير طبيبها المعالج.
تنظر أوليفيا اليوم إلى سنوات الرعب التي عاشتها بنظرةٍ مختلفة: "وبالنظر إلى الوراء أشعر بالحماقة، لخوض كل ذلك القلق والتوتر. أعتقد أن ذلك كان يُعدّني لأكون ممتنّةً للغاية للحياة". وتوجّه رسالةً واضحة لمن يواجهون تشخيصاً مشابهاً: "أعرف كم هو مخيف حين تُشخَّص أول مرة، ولا تُخبَر إلا بقصص الرعب. لذا، إن احتجت إلى ذلك، دعيني أكون مثالك. يمكنك أن تعيشي مرضاً مزمناً شديداً، ويمكنك أن تكوني على تغذيةٍ وريدية، ويمكنك أن تكوني موصولةً دائماً بمضخة، ولديك أنابيب في جنبك، ومع ذلك يمكنك أن تزدهري وتعيشي حياةً رائعة". وتختم بما يشبه فلسفتها الشخصية في العيش مع مرضٍ مزمن: "بغض النظر عن شعوري، أبذل جهداً كبيراً لأكون إيجابية، لأن هذه، حرفياً، هي الحياة الوحيدة التي أملكها ولن أكون تعيسةً فيها".
تجربة أوليفيا فردية بطبيعتها، وما ناسب حالتها من جراحةٍ تصغيرية لا يصلح بالضرورة لكل من يعيش مع فشلٍ هضمي مزمن أو اعتمادٍ على التغذية الوريدية؛ فقرار اللجوء إلى هذا النوع من التدخل الجراحي، أو تأجيل الزراعة، يبقى خاضعاً لتقييم الفريق الطبي المعالج لكل حالةٍ على حدة، بحسب شدة المرض ومدى تضرّر الأمعاء ووظائف الكبد.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
