كييف تقسم نفسها جسران تحت نار الحرب
في كييف جسران رئيسيان تحوّلا إلى أهداف روسية مما قسم المدينة إلى نصفين وأعاق تنقل السكان بين الضفتين وسط تصاعد الهجمات والمخاطر على البنية التحتية. كيف تواجه العاصمة هذه الأزمة؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

في الضفة اليسرى من كييف، حيث تتكدّس الأحياء السكنية على امتداد نهر الدنيبر، بات سكانٌ كُثر يجدون أنفسهم عالقين دون طريقٍ آمن للوصول إلى أعمالهم أو مكاتبهم الحكومية الواقعة على الضفة اليمنى. فجأة أصبحت رحلة عبور النهر، التي كانت أمراً اعتيادياً، مغامرةً محفوفة بالمخاطر، بعدما حوّلت الضربات الروسية المتكرّرة جسرَي المدينة الرئيسيّين إلى هدفٍ متكرّر خلال أيامٍ قليلة فقط.
فقد أصاب قصفٌ روسي، صباح السبت، الجسر الشمالي (Northern Bridge) في العاصمة الأوكرانية، ما أسفر عن إصابة شخصَين، بحسب ما أعلنه عمدة كييف فيتالي كليتشكو. الضربة ألحقت أضراراً بالطريق وبشبكة إمداد الطاقة الخاصة بحافلات الترولي الكهربائية، وأدّت إلى تعليق جزءٍ من حركة المرور عبر نهر الدنيبر. وجاء ذلك بعد أقلّ من 24 ساعة على استهداف الجسر الجنوبي (Southern Bridge) خمس مرّات متتالية يوم الجمعة، وهو الجسر الذي يخدم حركة النقل البرّي وشبكة مترو الأنفاق في العاصمة.
مدينةٌ تُقسَم إلى نصفَين
يقول مسؤولون أوكرانيون إنّ هذه الضربات المتلاحقة باتت، عملياً، تقطع كييف إلى شطرَين. فنهر الدنيبر يفصل العاصمة إلى ضفّةٍ يمنى تضمّ معظم المراكز التجارية والمكاتب والمؤسسات الحكومية، وضفّةٍ يسرى ذات طابعٍ سكني في الغالب، يقطنها ما لا يقلّ عن 30% من سكان المدينة. وبينما لا يزال الجسر الجنوبي مغلقاً بالكامل، فُرضت قيودٌ مشدّدة على حركة المرور عبر الجسر الشمالي، في وقتٍ تتواصل فيه الاضطرابات الكبرى في حركة التنقّل داخل كييف منذ يوم الخميس الماضي، دون أن تلوح في الأفق أيّ مؤشّرات على عودة الحياة إلى طبيعتها قريباً.
وصف العمدة كليتشكو الوضع بأنّه بالغ الخطورة، قائلاً: "العاصمة في وضعٍ بالغ الصعوبة. ولم يعد ممكناً التظاهر بأنّنا نستطيع أن نعيش كما كنّا نعيش في زمن السلم". وأضاف في تصريحٍ أكثر تفصيلاً عن حجم الدمار: "العدوّ يدمّر كييف. البنية التحتية، البنية التحتية الحيوية، الخدمات اللوجستية، المساكن، المرافق الاجتماعية. كما استأنف المعتدي تدمير قطاع الطاقة. نحن نبذل كلّ ما في وسعنا لإبقاء المدينة قادرةً على العمل في ظلّ هجماتٍ تدميرية مستمرّة، حين لم يعد الأمر يتعلّق بالراحة المعتادة، بل بالسلامة والبقاء". ودعا كليتشكو سكان العاصمة إلى التلاحم، مستحضراً لحظةً سابقة من تاريخ المدينة، إذ طالبهم بأن "يتّحدوا، كما فعلنا في فبراير 2022"، في إشارةٍ إلى الأيام الأولى من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
رواية موسكو المختلفة
من جهتها، أكّدت وزارة الدفاع الروسية مسؤوليتها عن ضربة السبت على الجسر الشمالي، قائلة أنّ الجسر يُستخدم لنقل القوات الأوكرانية والإمدادات العسكرية، وأنّ الهجوم استهدف أيضاً مركزاً لوجستياً في إقليم كييف. غير أنّ الرواية الأوكرانية الرسمية تتحدّث عن أثرٍ مدني مباشر؛ إذ أعلن تيمور تكاتشينكو، رئيس إدارة إقليم كييف، أنّ قصفاً أصاب السبت مستودعاً ومنشأة إنتاجية، ما أدّى إلى إصابة أربعة أشخاص. هذا التباين بين الروايتَين الرسميتَين البنية التحتية العسكرية بحسب موسكو، والمدنيون والمستودعات بحسب كييف يعكس حجم الغموض الذي يلفّ كلّ ضربة جديدة تطال العاصمة الأوكرانية.
وإزاء تصاعد وتيرة الاستهداف، عقد مجلس الدفاع في كييف اجتماعاً طارئاً يوم الجمعة لبحث سبل مواجهة الموجة الأخيرة من الهجمات، في مؤشّرٍ على أنّ السلطات المحلية تتعامل مع الوضع باعتباره تحوّلاً نوعياً لا حادثةً عابرة.
ثغرةٌ في الدفاعات الجوية
تأتي هذه الضربات في سياق تصعيدٍ أوسع، إذ سرّعت روسيا حملتها العسكرية ضدّ كييف منذ أواخر أغسطس الماضي، مستفيدةً من نقصٍ أوكراني في أنظمة الاعتراض، ومن محدوديةٍ في وسائل الدفاع الأخرى المتاحة لمواجهة المسيّرات التي تعمل بمحرّكاتٍ نفّاثة. وفي الليلة التي سبقت ضربة السبت، أطلقت روسيا 157 مسيّرة هجومية وأخرى خادعة باتجاه الأراضي الأوكرانية، بحسب ما أعلنته القوات الجوية الأوكرانية، التي تمكّنت من إسقاط أو تحييد 131 منها.
هذا الرقم وحده يختصر حجم الرهان الذي تخوضه كييف كلّ ليلة: دفاعاتٌ جوية تعمل على مدار الساعة لاعتراض معظم الطائرات المسيّرة، فيما يكفي جزءٌ صغير مما يتسلّل منها لتعطيل جسرٍ أو حيّ أو خطّ مترو بأكمله. وبين جسرَين متضرّرَين وشبكة طاقةٍ مهدّدة، يبقى السؤال الذي يشغل سكان الضفّتين على حدٍّ سواء: كم من الوقت يمكن أن تصمد مدينةٌ مقسومة فعلياً إلى نصفَين قبل أن تتحوّل هذه القسمة الجغرافية إلى قطيعةٍ يومية تمسّ كلّ تفصيل من تفاصيل الحياة فيها؟
أخبار ذات صلة

ترامب يؤكد اتفاق أوكرانيا وروسيا على وقف طاقة مؤقت

لماذا ترسل روسيا الأمراء والقديسين الراحلين إلى المعارك

زيلينسكي: ترامب اتّخذ قراراً نهائياً بالسماح لكييف بتصنيع صواريخ باتريوت
