تراجع التبرعات يهدد مستقبل مركز كينيدي للفنون
تراجع كبير في تبرعات ومبيعات تذاكر مركز كينيدي للفنون بعد تولي ترامب رئاسة مجلس الإدارة وتغييرات في البرمجة أثارت جدلاً واسعاً وسط عجز مالي متزايد وإجراءات تقشفية تهدد مستقبل المؤسسة الثقافية الكبرى خَبَرَيْن.

-انخفضت التبرّعات إلى مركز كينيدي للفنون الأدائية بنسبة 42% بين يناير وأبريل الماضيين، فيما تراجعت تعهّدات المانحين بأكثر من 100% خلال الفترة نفسها مقارنةً بالأشهر الثلاثة السابقة لها. هذه الأرقام، المستخلصة من سجلّات مالية تم الحصول عليها وتغطّي السنة المالية 2024 وحتى الآن، تضع علامة استفهام كبيرة أمام الحجّة التي يسوّقها الرئيس دونالد ترامب ومجلس إدارة المركز: أنّ تولّيه رئاسة المجلس وإطلاق اسمه على المبنى هما الضمانة الوحيدة لإنقاذ المؤسّسة الثقافية الأبرز في واشنطن.
الجدول الزمني للأرقام لا يحتمل كثيراً من التأويل. ففي مايو 2025، وصفت إحدى الشرائح المالية الداخلية للمركز وضعه المالي بعبارة مقتضبة: المؤسّسة "out of cash" أي بلا سيولة نقدية. وبحلول عام 2026، أظهرت شريحة أخرى أنّ مبيعات التذاكر في الربع الثاني عادت إلى "مستويات الجائحة"، أي أدنى من مستويات ما قبل كوفيد-19 بفارقٍ كبير. ووفق مراجعة مالية للمركز، فإنّ تسارع تراجع المبيعات خلال عام 2025 تزامن مباشرةً مع الإعلان عن تشكيل مجلس الإدارة الجديد في فبراير من العام نفسه وهي ملاحظة ضمّنتها الوثائق الداخلية صراحةً حين أشارت إلى أنّ التراجع "تسارع في عام 2025 عند الإعلان عن المجلس الجديد".
أين ذهبت الإيرادات؟
الأرقام الأوّلية للسنة المالية 2025 (أكتوبر 2024 حتى سبتمبر 2025) تشير إلى عجزٍ يتجاوز 16 مليون دولار، على أن يتّسع هذا العجز إلى 23 مليون دولار في موازنة 2026. أمّا إيرادات بيع التذاكر فتراجعت من 57 مليون دولار إلى 51 مليون دولار المتوقَّعة، بين أبريل من السنة المالية 2024 وأبريل من السنة المالية 2025. وعلى صعيد جمع التبرّعات، جاءت النتائج أقل من المستهدف بنحو 5.1 مليون دولار خلال السنة المالية نفسها، بحسب نتائج لجنة التدقيق والشؤون المالية في المركز.
هذا التراجع يتناقض بشكلٍ لافت مع تصريح ترامب نفسه، الذي قال: "كان مركز كينيدي يخسر مئات الملايين من الدولارات عندما توليت المسؤولية. كان يفشل بشكل كبير! لم يكن الأمر له علاقة بي، أنا هناك فقط للمساعدة". غير أنّ السجلّات المالية التي تم الاطّلاع عليها لا تدعم رقم "مئات الملايين"، بل تُظهر عجزاً بعشرات الملايين تفاقم تحديداً بعد تولّيه المنصب وتغيير اسم المؤسّسة في تصويت ديسمبر 2025.
وبحسب خبير ضرائب استشهدت به الشبكة، فإنّ تراجعاً في التعهّدات يتجاوز نسبة 100% أمرٌ ممكن حسابياً إذا سحب مانحون تعهّدات سابقة كانوا قد التزموا بها قبل التغييرات الأخيرة وهو ما يوحي بأنّ بعض المانحين لم يكتفوا بالامتناع عن العطاء الجديد، بل تراجعوا عمّا وعدوا به فعلياً.
في المقابل، يشير متحدّث باسم المركز إلى أنّ التحوّلات في سلوك الجمهور بعد الجائحة طالت صناعة الفنون الأدائية بأكملها، لا مركز كينيدي وحده، قائلاً إنّ المؤسّسة "تواصل التعامل مع التحوّلات التي طرأت على سلوك الجمهور بعد الجائحة في مختلف أنحاء صناعة الفنون الأدائية، وكذلك مبيعات التذاكر". وأضاف أنّ "المركز يبقى مركّزاً على ترميم هذه المؤسّسة العريقة وإحيائها مع الاستمرار في تقديم برامج مجانية ومتاحة للجميع ليستمتع بها الجمهور لأجيال قادمة".
ولمواجهة الفجوة المالية، لجأ المركز إلى إجراءات تقشّف شملت تخفيض عدد الموظّفين وخفض النفقات التشغيلية. كما كشفت مصادر لم تُسمَّ أنّ الإدارة لجأت لأشهر إلى تقديم تذاكر مجانية أو مخفّضة لملء المقاعد الفارغة، في ممارسة تُعرف في أوساط المسرح بـ" (paper the house)".
تغييرات في البرمجة وإلغاءات أثارت الجدل
منذ تعيينه رئيساً للمجلس بعد استبدال أعضائه مباشرة، عيّن ترامب حليفه القديم ريك غرينيل مديراً تنفيذياً للمركز، في خطوة سعى من خلالها غرينيل إلى إعادة صياغة البرمجة الفنية للمؤسّسة. ترتّب على هذه التغييرات سلسلة من الإلغاءات، أبرزها إلغاء عرض مسرحية "هاملتون" (Hamilton) الشهيرة على خشبة المركز وهي الخطوة التي أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية الأمريكية باعتبارها مؤشّراً على تسييس البرمجة الفنية للمؤسّسة.
وفي سياق تمويل الصيانة، أشارت مراجعة الأداء المالي للمركز إلى أنّ تقييم احتياجات الصيانة المؤجَّلة جرى بعد تولّي ترامب رئاسة المجلس، وأنّ تمويل هذه الصيانة أُدرج ضمن قانون "One Big Beautiful Bill" الذي أقرّه الكونغرس العام الماضي. وتصف الوثائق المالية هذا التمويل بأنّه "يدعم استثماراً رأسمالياً كبيراً في البنية التحتية الحيوية للمركز"، مضيفةً أنّ "هذا الاستثمار يمنح المركز فرصة فريدة لترميم المبنى الرئيسي وتحديثه بشكل شامل". ومع ذلك، أوضح المتحدّث باسم المركز أنّ مساعدة ترامب في تأمين التمويل الحكومي لا تكفي وحدها، إذ لا تزال هناك حاجة إلى جهود أكبر في جمع التبرّعات لتغطية الرواتب والبرامج الفنية.
معركة قضائية حول الإغلاق والهدم
تتقاطع هذه الأرقام المالية مع شكوى من مُبلِّغ عن مخالفات، أدعت أنّ تأخير أعمال الترميم كان مقصوداً لتبرير إغلاق المبنى الرئيسي لمدة عامين أو حتى هدمه بالكامل. وقد أُغلق المبنى الرئيسي فعلياً أمام الجمهور الشهر الماضي بعد تصويت مجلس الإدارة لصالح إجراء إصلاحات طارئة، وذلك بعدما وثّق مهندسون "تآكلاً كبيراً" حول السقائف وهي الهياكل الخارجية البارزة من المبنى بحسب تقييم للحالة الإنشائية استشهد به البريد الإلكتروني الذي أرسله المدير التنفيذي مات فلوكا للموظّفين المتبقّين مساء الأربعاء، مؤكّداً أنّ المبنى "لا يزال مغلقاً مؤقّتاً".
وأضاف فلوكا أنّ فرق المرافق والسلامة والأمن تجري حالياً "تقييماً تفصيلياً لمسارات الإخلاء الطارئة لتحديد ما إذا كان بإمكان المبنى استيعاب الشاغلين بأمان، وتحت أي شروط"، مشيراً إلى أنّ نتيجة هذا التقييم متوقَّعة "خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين". من جانبها، أكّدت إدارة المركز في مذكرة قضائية حديثة أنّ قرار الإغلاق سيُعاد تقييمه أسبوعياً.
وقد أصدر القاضي الفيدرالي كريستوفر كوبر أمراً يلزم مركز كينيدي بإيجاد وسيلة للبقاء مفتوحاً خلال أعمال الترميم، ورفض في وقتٍ سابق محاولات ترامب لإطلاق اسمه على المبنى نفسه. كما ألزم القاضي الإدارة بتقديم إشعار مسبق لا يقل عن 30 يوماً قبل أي عملية هدم أو إنشاء جديد، وطلب تفسيراً أوضح لأسباب الإغلاق المؤقّت وأعمال الإصلاح الطارئة.
وفي مذكّرة قدّمتها وزارة العدل إلى المحكمة دفاعاً عن موقف المجلس، جاء أنّ "المجلس يدرك أنّ جهود الرئيس ترامب ومكانته تمثّل الأمل الوحيد لبقاء المركز مالياً وتجديده هيكلياً"، مضيفةً أنّه "من دون الاعتراف البارز بإدارة ترامب وجهود الرئيس ترامب، لن يُسهم المانحون، وسيستمر المركز في دوّامة موت مالية وهيكلية". غير أنّ هذا الطرح القانوني يصطدم مباشرة بالأرقام التي كشفتها السجلّات الداخلية، والتي تُظهر أنّ التبرّعات تراجعت لا تحسّنت بعد تولّي ترامب.
التوتّر حول مصير المبنى تصاعد بصرياً أيضاً: ففي سبتمبر، شُوهد ترامب عبر نافذة طائرة الرئاسة Air Force One حاملاً ملصقاً بدا أنه يحمل عبارة "Kennedy Center DEMOLISHED" أي "مركز كينيدي... مهدوم". وفي مقابلة أُجريت يوم الخميس مع مجلة TIME، رفض ترامب مجدّداً استبعاد خيار الهدم، قائلاً: "أنا لا ألتزم بأي شيء. سنرى كيف ستسير الأمور في المحكمة".
ما يُنتظر هذا الأسبوع
تنتظر المحكمة الفيدرالية، يوم الجمعة، تحديثاً رسمياً من إدارة مركز كينيدي حول حالة المبنى وقرار الإغلاق، في وقتٍ يُفترض أن تكتمل فيه فرق السلامة تقييمها لمسارات الإخلاء الطارئة خلال أسبوع إلى أسبوعين. وبين الأمر القضائي الذي يُلزم المركز بالبقاء مفتوحاً، وشرط الإشعار المسبق بثلاثين يوماً قبل أي هدم، تبقى الكلمة الفصل لتوازن هشّ بين ما تقوله الوثائق المالية عن تراجع فعلي في التبرّعات والمبيعات، وما يصرّ عليه مجلس الإدارة من أنّ اسم ترامب هو شرط البقاء لا سبب التراجع.
أخبار ذات صلة

آسيا والصراع على الفاكهة: عالم تحسين النباتات والتهريب السري للبذور

تراثٌ عريقٌ وعلمٌ حديثٌ يشكّلان مستقبل صناعة الثروة الحيوانية

شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى تناقش تأسيس هيئة معايير خاصة بها
