مشروع خوراغوا النووي حلم كوبا المفقود للطاقة
في سيينفويغوس، محطة نووية مهجورة تحكي قصة حلم كوبا الطاقي الذي توقف بسبب الضغوط الأمريكية وانهيار الاتحاد السوفييتي. أزمة الكهرباء مستمرة والجزيرة تبحث عن بدائل وسط تحديات كبيرة خَبَرَيْن

في مدينة سيينفويغوس، على الساحل الجنوبي لكوبا، يقف لويس فارغاس أمام كتلةٍ إسمنتية ضخمة توقّف الزمن عندها منذ عقود. كان فارغاس كهربائياً في مشروع محطة خوراغوا (Juraguá) النووية، وحين يتحدّث عن المكان اليوم، يختار كلماتٍ يشوبها الأسى: "حزنٌ عميقٌ في الداخل". ثم يضيف: "من العار أن يُترك المكان على هذه الحال، لأنّ ملايين الدولارات استُثمرت هناك للأسف ولم يتمكّنوا من إكماله". هذه الجملة البسيطة تختصر مصير أحد أكبر الأحلام الطاقية التي راودت هافانا في القرن العشرين.
ما تبقّى اليوم من الموقع هو هيكلٌ خرسانيّ مهجور لا يزال بإمكان الزوّار الوصول إليه، ومدينةٌ صغيرة كانت يوماً تُعرف باسم "المدينة النووية"، بُنيت لإيواء آلاف العمّال الذين كان يُفترض أن يُشغّلوا المفاعل، لكنها تقلّصت اليوم إلى حجمٍ لا يكاد يُذكّر بطموحها الأصلي. وعلى جدران الموقع، ما زالت لافتةٌ باللغتين الروسية والإسبانية معلّقة، تحمل عبارةً تختصر روح المشروع في زمنه: "ليكن الذرّة عاملاً لا جندياً!".
بلادٌ تُظلم من جديد
يوم الجمعة الماضي، عاشت كوبا انقطاعاً آخر للكهرباء، في مشهدٍ بات مألوفاً لسكان الجزيرة منذ عقود طويلة. لم يكن هذا الانقطاع حدثاً استثنائياً بقدر ما كان تذكيراً بأزمةٍ بنيوية متجذّرة: الجزيرة تنتج كمياتٍ محدودة من النفط محلياً، وتعتمد بشكلٍ كبير على الواردات النفطية الخارجية لتشغيل شبكتها الكهربائية. وقد فاقم حظر مبيعات النفط الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هافانا من حدّة هذه الأزمة، إذ زاد الضغط على مصادر الطاقة الشحيحة أصلاً.
في 16 سبتمبر، أعلنت الشركة الوطنية الكوبية للكهرباء (Electric Union) عن عجزٍ في الإنتاج يقترب حجمه من قدرة توليد محطة أنغرا (Angra) البرازيلية، التي يمكن لمفاعلَيها أن يولّدا نحو 2000 ميغاواط. بعبارةٍ أخرى، تحتاج كوبا اليوم إلى طاقةٍ توليدية تقارب ما تنتجه محطة نووية برازيلية كاملة، في وقتٍ يتنامى فيه الطلب المحلي على الكهرباء بلا توقّف، بينما تظلّ القدرة الإنتاجية عاجزةً عن مجاراته.
حلمٌ وُلد في زمن الحرب الباردة
للوصول إلى جذور هذا العجز، لا بدّ من العودة إلى أوائل الثمانينيات، حين أطلق فيدل كاسترو خطط بناء محطة خوراغوا النووية في مقاطعة سيينفويغوس، بمساعدة تمويلٍ وخبرةٍ سوفييتيَّين. كانت كوبا آنذاك جزءاً من الفلك السوفييتي، وكان المشروع يُنظر إليه بوصفه الأول من ثلاث محطات نووية كانت هافانا تخطّط لبنائها، على أن تسدّ خوراغوا وحدها نحو 15% من احتياجات البلاد من الكهرباء. كان هذا الرقم كافياً ليجعل المشروع أولويةً استراتيجية بالنسبة لكوبا التي كانت، كما هي اليوم، تبحث عن بدائل لاعتمادها المزمن على النفط المستورد.
لكن هذا الحلم اصطدم منذ البداية بمعارضةٍ أمريكية شديدة، لم تكن مصادفةً بالنظر إلى قرب الموقع الجغرافي من الولايات المتحدة. فواشنطن نفسها كانت تشغّل، منذ عام 1972، محطة توركي بوينت (Turkey Point) النووية في مدينة هومستيد قرب ميامي، على مسافةٍ لا تبعد كثيراً عن الساحل الكوبي، ما جعل مسألة الأمان النووي في المنطقة قضيةً حسّاسة سياسياً وأمنياً بالنسبة للإدارات الأمريكية المتعاقبة.
ظلال تشيرنوبل
في عام 1986، وقعت كارثة تشيرنوبل، أسوأ حادثٍ نووي في التاريخ، في أوكرانيا التي كانت آنذاك جزءاً من الاتحاد السوفييتي. ألقت الكارثة بظلالها فوراً على مشروع خوراغوا، ودفعت هيئة الرقابة النووية الأمريكية (Nuclear Regulatory Commission) إلى مخاطبة الكونغرس في العام نفسه بشأن المحطة الكوبية. ورغم أن الهيئة أشارت إلى أن تصميم خوراغوا كان أقرب إلى المفاعلات الغربية منه إلى تصميم مفاعل تشيرنوبل، فإن هذا التمييز التقني لم يبدّد المخاوف السياسية الأمريكية.
فبعد ذلك بسنوات، في عام 1995، عبّر نيكولاس بيرنز، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك، عن هذه المخاوف بوضوح في مؤتمرٍ صحفي، قائلاً: "لطالما ساورتنا شكوكٌ حول جودة بناء المحطة وحول قدرة كوبا على تشغيلها بأمان. وأودّ أن أضيف فقط أننا نقلنا هذه الآراء إلى جميع الحكومات المعنية، بما فيها الحكومة الروسية". كانت هذه الشكوك، إلى جانب الضغط السياسي الأمريكي المباشر، عائقاً مستمراً أمام أي محاولةٍ لإحياء المشروع.
سقوطٌ مزدوج: الاتحاد السوفييتي والمحطة معاً
لكن الضربة القاضية للمشروع لم تأتِ من واشنطن وحدها، بل من انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه عام 1989، الشريك الذي كانت خوراغوا تعتمد عليه كلياً في التمويل والخبرة الهندسية. بعد ثلاث سنواتٍ من ذلك الانهيار، أُوقف العمل رسمياً في المحطة قبل أن تدخل حيّز التشغيل، لتظلّ خوراغوا مشروعاً لم يُكتَب له أن يُنتج كيلوواطاً واحداً من الكهرباء.
يتذكّر فرانسيسكو بيريز، الذي عمل هو الآخر في الموقع، اللحظة التي أُبلغ فيها العمّال بالقرار: "قال لنا الحقيقة؛ أخبرنا بما كان عليه الوضع وما كانت عليه المشكلة هناك، وأن المحطة يجب أن تُغلق". لم تكن كلمات المسؤول، كما يرويها بيريز، مطمئنة، لكنها كانت صريحة على الأقل بشأن نهاية مشروعٍ استُثمرت فيه أموالٌ طائلة على مدى أكثر من عقد.
خلال التسعينيات، حاولت روسيا وكوبا مراراً إحياء المشروع، لكن الاعتراضات الأمريكية المتكررة، إلى جانب الصعوبات المالية الخانقة التي عانى منها البلدان معاً في تلك الحقبة، أجهضت كل محاولة. وبحسب ما نُقل، فإن كاسترو نفسه أبلغ روسيا، بعد خمس سنواتٍ من عام 1995، أنه لم يعد راغباً في إكمال المشروع، ليُطوى الملف نهائياً بعد أن استنزف موارد وآمالاً كبيرة.
طاقةٌ نووية تزدهر في القارة نفسها
المفارقة أن الطاقة النووية توسّعت في القارة الأمريكية بينما فشل المشروع الكوبي. فوفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تشغّل الولايات المتحدة اليوم 94 مفاعلاً نووياً عاملاً، توفّر ما بين 18% و20% من إنتاجها السنوي من الكهرباء. وفي كندا، تعمل 17 محطة نووية توفّر 13% من الكهرباء، بينما تشغّل الأرجنتين ثلاثة مفاعلات تغطي 7% من احتياجاتها. أما المكسيك، فتملك مفاعلَين ينتجان ما بين 4% و5% من كهربائها، والبرازيل تشغّل مفاعلَين في محطة أنغرا وحدها.
هذا التباين يجعل من خوراغوا حالةً استثنائية في القارة: مشروعٌ توقّف قبل أن يبدأ، في بلدٍ لا يزال حتى اليوم يبحث عن مصادر طاقة بديلة تعوّضه عن إنتاجه النفطي المحدود واعتماده المستمر على الاستيراد الخارجي.
ما تبقّى من الحلم
اليوم، لا يزال الهيكل الخرساني في سيينفويغوس قائماً، شاهداً صامتاً على مشروعٍ قطعت فيه كوبا شوطاً طويلاً قبل أن تتقاطع الجغرافيا السياسية مع الانهيار الاقتصادي لتودي به. لويس فارغاس، الذي أمضى سنواتٍ من حياته يعمل كهربائياً بين جدران هذا الموقع، لا يزال يحمل ذلك الحزن العميق كلما مرّ بالمكان. أما اللافتة الروسية-الإسبانية التي تدعو الذرّة لأن تكون "عاملاً لا جندياً"، فما زالت معلّقة هناك، تذكّر كل من يزور الموقع بأنّ الطاقة، في هذه البقعة من العالم، ظلّت دائماً رهينة موازين قوى أكبر من قدرة سكان الجزيرة على التحكّم بها.
أخبار ذات صلة

انفصاليّو كيبيك يفوزون بالانتخابات لكن دون أغلبيّة برلمانيّة

فلافيو بولسونارو يرث حركة والده اليمينية.. هل يصل للرئاسة البرازيلية؟

الطائرات بدون طيار: سلاح الجريمة المنظمة الجديد في أميركا اللاتينية والحكومات تتخبط
