بيسيرو وحلم العُلا الصاعد نحو الاحتراف السعودي
خوسيه بيسيرو يكشف تفاصيل حرمان العُلا من الصعود لدوري المحترفين بسبب قرار إداري ظالم لكنه يؤكد ثقة فريقه باللقب القادم ويشارك تجربته مع الأهلي والزمالك ويشرح سر الاستمرارية والنجاح في كرة القدم السعودية مع خَبَرَيْن.



ثلاث نقاطٍ فقط... هذا هو الفارق الذي يقول خوسيه بيسيرو إنّه حرم فريقه العُلا من صعودٍ تاريخي إلى دوري روشن السعودي للمحترفين الموسم الماضي. المدرّب البرتغالي، الذي عرفته الجماهير المصرية على مقاعد بدلاء الأهلي والزمالك قبل أن يجد في السعودية مشروعاً جديداً يستحق المغامرة، لا يخفي مرارته من قرارٍ إداري يصفه بـ"الظلم الصريح"، لكنّه في الوقت ذاته يتحدّث بثقة رجلٍ يعرف أنّ الفرصة لم تُغلق بعد، بل تأجّلت فقط إلى موسمٍ جديد.
في حواره ، يعود بيسيرو إلى تفاصيل تلك اللحظة القاسية: "اقتربنا كثيراً من الصعود إلى دوري روشن للمحترفين الموسم الماضي. حصلنا على النقاط المطلوبة داخل الملعب لنصعد، ثم جاء خصمٌ إداري بثلاث نقاط، وهو قرارٌ نراه ظالماً تماماً. ومع ذلك، ونظراً لهيكل إدارتنا وتنظيمنا ومستوى اللاعبين في هذا الفريق، فنحن على ثقةٍ كاملة بالتتويج باللقب هذا الموسم". كلماتٌ تحمل غضباً مكتوماً، لكنّها أيضاً إعلان نوايا واضح: العُلا لا يريد أن يكون مجرّد فريقٍ يقترب من الحلم، بل يريد أن يعيشه كاملاً هذه المرّة.
مشروعٌ يتجاوز حدود الملعب
لم يقبل بيسيرو تحدّي دوري الدرجة الأولى السعودي بدافع الحاجة، بل بدافع الإيمان بمشروعٍ يراه استثنائياً. يقول: "بلا شكّ، هذا بالضبط ما دفعني لقبول تحدّي التدريب في دوري الدرجة الأولى السعودي. العُلا يُبنى ليكون قصّة نجاح. لا نريد أن نكون فريقاً يَعِد كثيراً ثمّ يختفي. نريد الاستقرار. الطريق يتطلّب صبراً، لكنّ التنظيم الذي أراه هنا من الطراز الأول". وفي وصفه لطبيعة المشروع، يوضّح أنّ طموحات النادي لا تقف عند خطوط الملعب: "كرة القدم الحديثة لا تترك مجالاً للصبر، خصوصاً في السعودية. النتائج هي كلّ شيء. في العُلا، المشروع طموح ويمتدّ إلى ما هو أبعد من الملعب، ليشمل الثقافة والتنظيم. تحقيق هذا التوازن مرهونٌ بمدى جودة تنظيمنا وكفاءة إدارتنا".
أمّا عن التشكيلة التي يعمل بها، فبدا المدرّب البرتغالي مرتاحاً تماماً لخياراته: "أنا سعيدٌ جداً باللاعبين في فريقي. اختياراتنا محسومة. ومن هذه اللحظة فصاعداً، فإنّ لاعبينا هم الأفضل". وحين سُئل عن مستقبله الشخصي، اختصر بيسيرو الأمر في جملةٍ تلخّص فلسفته التدريبية: "أنا جزءٌ من مشروعٍ ضخم. إنّه تحدٍّ كبير يُثير حماسي ويُحفّزني ويُلهمني. لا أفكّر في مستقبلي، أركّز فقط على عملي اليومي مع العُلا".
بين القاهرة الحمراء والقاهرة البيضاء
لكنّ حديث بيسيرو عن السعودية لم يمنعه من العودة بذاكرته إلى القاهرة، حيث خاض تجربتَين متباينتَين تماماً مع عملاقَي الكرة المصرية. قاد الأهلي من أكتوبر 2015 حتى يناير 2016، قبل أن يطلب هو نفسه الرحيل تلبيةً لدعوة بورتو البرتغالي. وبعد عقدٍ تقريباً من تلك التجربة، عاد إلى مصر مجدّداً، لكن هذه المرّة على رأس الجهاز الفنّي للزمالك، بين فبراير ومايو 2025، في فترةٍ وصفها بأنّها "قصيرة ومثيرة".
المقارنة بين الناديَين، كما يراها بيسيرو، تكشف عن فلسفتَين إداريتَين مختلفتَين تماماً: "الأهلي يسير وفق استقرارٍ مؤسّسي وهيكل قراراتٍ واضح تماماً، وهذا ما يجعل العمل أكثر سلاسة. الزمالك كيانٌ مختلف، ناديٌ تحرّكه عاطفةٌ وشغفٌ هائلان، وهذا ما يخلق بيئةً أكثر تقلّباً". ويضيف موضّحاً الصورة: "قوّتان مختلفتان إذن: واحدةٌ مبنيّة على المنهجية، والأخرى على الانخراط العاطفي لجمهورها. تدريب أكبر ناديَين في أفريقيا كان شرفاً لي".
غير أنّ الحديث عن الأهلي يحمل في طيّاته لمسة ندمٍ لا يخفيها بيسيرو: "قلتها أكثر من مرّة: كان يجب ألّا أترك الأهلي حين اتصل بي بورتو وطلب أن أصبح مدرّبه. النجاح كان سيتحقّق، ولا شكّ لديّ في ذلك، لأنّنا كنّا نملك فريقاً رائعاً، في رأيي كان الأفضل في أفريقيا في ذلك الوقت". أمّا مع الزمالك، فرغم الظروف التي وصفها بأنّها "عرقلت عمله"، إلّا أنّه قاد الفريق إلى نهائي كأس مصر الذي توّج به لاحقاً: "عدّة ظروفٍ أعاقت عملي في الزمالك. ومع ذلك، قدت الفريق إلى نهائي كأس مصر الذي فاز به لاحقاً. آلمني أنّني لم أكن من جلس على مقاعد البدلاء في ذلك النهائي".
وحين يسأل نفسه عن سرّ الفارق بين نجاح الأهلي المتواصل في البطولات القارّية وتعثّر الزمالك، يجد بيسيرو الجواب في كلمةٍ واحدة: الاستمرارية. يقول: "الإجابة تكمن في الاستمرارية. الفوز على المستوى القارّي يتطلّب هيكلاً يحمي عمل المدرّب ويحافظ على تماسك نواة الفريق. الأهلي وجد هذا الاستقرار بشكلٍ أكثر فاعلية". ويرى أنّ أصعب قراراته كمدرّبٍ لم تكن تكتيكيةً بحتة، بل تتعلّق بإدارة الغرفة الداخلية: "معظم القرارات الصعبة تتعلّق بإدارة التوازن داخل غرفة الملابس وحماية المجموعة من الضوضاء الخارجية. يجب على المدرّب أن يبقى وفياً لمبادئه التكتيكية والانضباطية، حتى لو لم يكن ذلك الخيار الأكثر شعبيةً في المدى القصير".
رحيل زيزو الذي غيّر مجرى كلّ شيء
بين كل تلك الذكريات، تبرز لحظةٌ واحدة يعتبرها بيسيرو حاسمة في مسيرته مع الزمالك: رحيل أحمد سيّد "زيزو" إلى الأهلي، وتحديداً توقيته. فقد غادر زيزو الزمالك عشيّة مواجهة ستيلنبوش الجنوب أفريقي في ربع نهائي كأس الكونفدرالية الأفريقية، وهو ما يصفه بيسيرو بأنّه أثّر بشكلٍ حاسم على نتيجة تلك المباراة، وعلى مسيرته بأكملها مع النادي الأبيض: "خسارة زيزو في ذلك التوقيت، عشيّة مباراة ستيلنبوش في ربع نهائي كأس الكونفدرالية، كان لها تأثيرٌ حاسم على نتيجة تلك المباراة، وعلى مسيرتي مع الزمالك".
ولا يحمّل بيسيرو اللاعب نفسه المسؤولية، بل يربط الأمر بضغطٍ نفسي يرى أنّه لا مفرّ منه في مثل هذه الانتقالات الحسّاسة: "الانتقال بين أكبر غريمَين في بلدٍ مثل مصر يضع ضغطاً نفسياً هائلاً. زيزو محترفٌ ولاعبٌ متميّز جداً، لكنّ الأداء الرياضي مرتبطٌ في جوهره بالحالة النفسية للاعب. حين يفقد الاستقرار، يظهر ذلك في النهاية على أرض الملعب".
تجارب بيسيرو، في الحقيقة، لا تقتصر على مصر والسعودية. فمسيرته امتدّت عبر أوروبا وأفريقيا وآسيا، من بورتو وسبورتينغ لشبونة وبراغا في بلاده البرتغال، إلى قيادة منتخب نيجيريا لبلوغ نهائي كأس الأمم الأفريقية عام 2023. تجربةٌ متنوّعة صقلت لديه قناعةً واحدة يكرّرها باستمرار: أنّ الاستقرار المؤسّسي، لا الموهبة الفردية وحدها، هو ما يصنع الفارق في البطولات الكبرى.
اليوم، وبينما يستعدّ العُلا لخوض غمار دوري الدرجة الأولى السعودي بحثاً عن اللقب الذي أفلت منه بفارقٍ إداريٍّ ضئيل الموسم الماضي، يبدو بيسيرو رجلاً يحمل معه دروس القاهرة كلّها إلى الصحراء السعودية. فهل تكفي هذه الخبرة المزدوجة، بين انضباط الأهلي وعاطفة الزمالك، لصناعة قصّة النجاح التي يحلم بها في العُلا؟ الإجابة ستُكتب تدريجياً مع كلّ جولةٍ جديدة من المنافسة.
أخبار ذات صلة

غياب مؤثّر يضرب الأهلي قبل الامتحان الآسيوي أمام الوصل

الذكاء الاصطناعي يتنبأ: من سيفوز في كلاسيكو الأهلي والزمالك؟

الكلاسيكو يفي بوعده.. الهلال يلحق بالاتحاد الهزيمة الأولى في دوري روشن
