تصعيد غزة واستمرار الاستيطان يهددان السلام
بعد فشل محادثات كوشنر تصاعدت الغارات الإسرائيلية على غزة مستهدفة المدنيين، وسط استمرار الاستيطان في القدس الشرقية ومخاوف من انهيار فرص السلام. تقرير شامل يرصد التصعيد والتحديات الإنسانية والسياسية في القطاع خَبَرَيْن

بعد ساعاتٍ قليلة من مغادرة المبعوث الأمريكي Jared Kushner محادثاتِه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu التي كانت تهدف إلى إنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة عادت الغاراتُ الإسرائيلية إلى استهداف المناطق السكنية في القطاع. وبحلول نهاية الأسبوع، كان كبارُ الضباط يتحدّثون عن العودة إلى قواعد الاشتباك التي سبقت وقف إطلاق النار.
أسفرت محادثات Kushner في 17 أغسطس عن تشكيل مجموعتَي عمل؛ الأولى معنيّة بملف نزع السلاح، والثانية بالشؤون الإنسانية. غير أنّ هذه المحادثات كشفت عن عمق الخلافات الجوهرية بدلاً من أن تُعالجها: فإسرائيل ترفض الانسحاب من غزة لاعتقادها أنّ حركة Hamas لن تُقدم على نزع سلاحها، فضلاً عن رفضها السماح بدخول المساعدات والإمدادات ومواد البناء اللازمة لإعادة إعمار القطاع. في المقابل، تؤكّد Hamas أنّ استمرار الهجمات الإسرائيلية ورفض سحب القوات من غزة يُشكّلان انتهاكاً صريحاً للخطة المؤلّفة من 15 نقطة التي أعلنها الرئيس الأمريكي Donald Trump في 30 يوليو.
أعلن Kushner أنّه لن يعترض على الضربات الموجَّهة ضدّ «التهديدات الوشيكة»، لكنّه حذّر في الوقت ذاته من التوسّع في تفسير هذا المصطلح. وقد جاءت الضربات التي أعقبت مغادرته لتكشف أنّ تحذيره لم يُقيّد التفسير الإسرائيلي لمفهوم «التهديد الوشيك» بأيّ قدرٍ يُذكر.
ففي غضون ساعاتٍ من رحيله، استهدفت غارةٌ إسرائيلية مقهىً مكتظاً في ميناء مدينة غزة الذي بات بحدّ ذاته مخيّماً للنازحين ما أسفر عن استشهاد سبعة فلسطينيين على الأقلّ، من بينهم طفل.
وفي اليوم التالي، أدى قصفٌ استهدف المقرّ السابق لشرطة مدينة غزة إلى استشهاد تسعة أشخاص على الأقلّ، في مقدّمتهم مدير الشرطة بالإنابة ورئيسة قسم الشرطة النسائية وفتاةٌ لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها.
وأفاد مصدرٌ في Hamas بأنّ هؤلاء المسؤولين كانوا قد اجتمعوا للتحضير لعملية تسليم الأسلحة التي تنصّ عليها خطة السلام الأمريكية وهو ما يعني، إن صحّ، أنّ إسرائيل اغتالت بالضبط الأشخاصَ الذين كانوا يُنسّقون عملية نزع السلاح التي تطالب بها. وفي ضربةٍ منفصلة خلال اليوم ذاته، اغتالت إسرائيل رجلاً وصفته بأنّه قائدٌ في Hamas في النصيرات.
وتواصلت العمليات طوال الأسبوع؛ إذ أدى هجومٌ بطائرة مسيّرة إلى ارتقاء رجلٍ وصفته إسرائيل بأنّه قائدٌ في Hamas في دير البلح يوم السبت.
والأمرُ الأكثر إثارةً للاستغراب أنّ الشرارة الأخيرة التي أعادت إسرائيل إلى هذا الخطاب التصعيدي في غزة كانت الطائرات الورقية. فبعد أن حطّت عدّة طائراتٍ ورقية في إحدى مجتمعات الحدود الإسرائيلية، أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي Israel Katz يوم الأحد أوامره للجيش بمعاملة أيّ طائرةٍ ورقية أو بالونٍ أو طائرةٍ مسيّرة قادمة من غزة باعتبارها «عملاً حربياً»، مهدّداً بشنّ هجماتٍ وتهجير السكان من أحيائهم، وفق ما أوردته صحيفة The Times of Israel.
وتبنّى مكتب Netanyahu هذا التحذير، معلناً أنّ غزة «لن تعود إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر 2023». وأسفرت الضرباتُ التي شُنّت يوم الأحد عن ارتقاء ثلاثة فلسطينيين على الأقلّ، من بينهم الطفل محمد عبد السلام طه البالغ من العمر أربع سنوات. كما أدى قصفٌ فجري استهدف خيمةً عائلية في دير البلح إلى استشهاد شقيقَين يوم الاثنين، وفق ما أفادت به التقارير الفلسطينية.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة أنّ حصيلة الشهداء منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر بلغت 1,288 شهيدًا و4,290 مصاباً حتى يوم الاثنين، فيما ارتفع الإجمالي التراكمي لأعداد الفلسطينيين المقتولين منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى ما لا يقلّ عن 73,422 شخصاً.
مشروع E1 الاستيطاني يتقدّم
في السياق ذاته، تواصل إسرائيل المضيّ في مشروعها الاستيطاني غير المشروع في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، في خطوةٍ يرى فيها المراقبون نعياً صريحاً لأيّ أفقٍ لقيام دولةٍ فلسطينية على حدود عام 1967 في إطار ما يُعرف بحلّ الدولتَين.
ففي 18 أغسطس، أصدرت إسرائيل مناقصةً لبناء 1,234 وحدة استيطانية في الجزء الجنوبي من مشروع E1 في القدس الشرقية المحتلة، مُحرِّكةً بذلك هذا المشروع المجمَّد منذ سنواتٍ طويلة نحو مرحلة البناء الفعلي. وأكّدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أنّ هذا المشروع سيُفضي إلى عزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية المحتلة بدمجها مع كتلة مستوطنة معاليه أدوميم غير الشرعية، وتقطيع أوصال الضفة الغربية بين شمالها وجنوبها.
وأثارت هذه الخطوة موجةً واسعة من الإدانات الدولية؛ إذ وصفت كلٌّ من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وكندا والنرويج هذه المناقصات بأنّها «غير مقبولة»، محذّرةً من «تبعاتٍ قانونية وأضرارٍ بالسمعة» ستطال المشاركين فيها. وأفادت التقارير بأنّ الاتحاد الأوروبي كان يُعدّ حزمةً من العقوبات في حال انطلاق أعمال البناء.
وأصدرت ثماني دولٍ عربية وذات أغلبية مسلمة بياناً مشتركاً برفض المشروع، فيما وجّه أكثر من 100 سفيرٍ سابق فرنسي وبريطاني رسالةً نُشرت في صحيفة Le Monde يوم السبت، وصفوا فيها العنف الاستيطاني وعمليات الهدم بأنّها «تُرقى إلى مستوى التطهير العرقي»، مطالبين بتعليق اتفاقيات التجارة وفرض حظر على توريد الأسلحة.
أمّا الحليف الأقوى لإسرائيل، الولايات المتحدة، فحين سُئل الناطق باسم وزارة الخارجية تحديداً عن مشروع E1، اكتفى بتكرار الموقف المعتاد القائل بأنّ الولايات المتحدة «لا تؤيّد ضمّ إسرائيل للضفة الغربية»، دون أن يُشير إلى المشروع بالاسم.
وفي الأيام السابقة، كان السفير الأمريكي Mike Huckabee المعروف بتأييده التاريخي للاستيطان قد استشهد بالوصايا العشر تحذيراً للمستوطنين من الاستيلاء على ممتلكات فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية، مهدّداً بفرض عقوباتٍ على من يحاصرون منازل في قرية قصرة بالضفة الغربية، ومنها منزلٌ يعود لمواطنٍ أمريكي يُدعى لؤي أبو ريدي. وقد وصف Huckabee المستوطنين الذين يحاصرون المنازل الفلسطينية بأنّهم «إرهابيون».
هذه الفجوة بين سفيرٍ مسيحي صهيوني يصف المستوطنين بـ«الإرهابيين» ووزارة خارجية ترفض تسمية أبرز المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية غير المشروعة باسمها تعكس بجلاءٍ المأزق الأمريكي: كيف تُلجم أشدّ تجاوزات إسرائيل خطورةً وهي في الوقت ذاته ضامنها الرئيسي.
وقد بدت الهوّة بين الإدانة والمساءلة جليّةً في مكانٍ آخر أيضاً، لا سيّما في تعامل إسرائيل مع سجلّها المتعلّق بجرائم الحرب في غزة. ففي الأربعاء، أعلن الجيش الإسرائيلي فتح تحقيقاتٍ في حادثة الطفلة هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات وستة من أفراد عائلتها في يناير 2024 في اعترافٍ إسرائيلي أوّل بإطلاق النار على سيارتهم وكذلك في استشهاد 15 مسعفاً في رفح في مارس 2025. بيد أنّ إسرائيل أغلقت في الوقت ذاته ثلاثة ملفّاتٍ أخرى، من بينها ملف ارتقاء سبعة من عمّال منظمة World Central Kitchen في أبريل 2024.
وأعلنت مؤسسة هند رجب أنّها لا تثق بأنّ التحقيقات الإسرائيلية ستُفضي إلى أيّ عدالة. وفي المقابل، وصفت كلٌّ من المملكة المتحدة وأستراليا وكندا قرارَ إغلاق ملف World Central Kitchen الذي جاء في اليوم العالمي للعمل الإنساني بأنّه «مخزٍ».
حصارٌ وإحراقٌ ومصادرةٌ للأراضي في الضفة الغربية
كشف تقريرٌ أصدرته منظمة Human Rights Watch الأسبوع الماضي أنّ عدد الفلسطينيين الذين هُجِّروا جرّاء الاعتداءات الاستيطانية وعمليات الهدم والإخلاء القسري في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 تجاوز مجموع من هُجِّروا طوال عام 2025. واتّهم التقرير السلطاتِ الإسرائيلية بـ«تسليح المستوطنين وتمويلهم ومنحهم الإفلات من العقاب». كما رصد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 216 اعتداءً استيطانياً خلف إصاباتٍ أو أضراراً ماديةً في يوليو وحده.
وتواصل هذا النمط خلال الأسبوع الجاري. فوفق ما أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية وفا ونشطاء محليّون، تعرّضت قرية المغيّر شمال شرق رام الله لسلسلةٍ من الاعتداءات؛ إذ أقدم مستوطنون يوم الخميس على قلب مركبةٍ تقلّ نساءً وأطفالاً وكباراً في السنّ، ما أسفر عن إصابة خمسة أشخاص، ثم دهسوا مركبةً ثانية بعد يومَين. وبحلول يوم الأحد، كانت قوات الاحتلال قد أغلقت المدخل الوحيد المتبقّي للقرية.
وفي قصرة جنوب نابلس، دخل حصارٌ يطال ثلاثة منازل أسبوعَه الثالث، تاركاً العائلاتِ مقطوعةً عن الغذاء والماء والدواء. وأظهرت مقاطع مصوّرة التقطها ناشطون ميدانيون جنوداً إسرائيليين يُلقون بمتعلّقات عائلةٍ من منزلٍ باتوا يحتلّونه.
وامتدّت موجة الاعتداءات والحرق الاستيطاني على مدار الأسبوع؛ ففي سعير شمال شرق الخليل، اقتحم مستوطنون مسلّحون البلدة وأردوا الشاب كريم سند شلالدة (17 عاماً) قتيلاً، وأصابوا رجلاً في السبعينيات من عمره بجروحٍ بالغة، فيما أشعلوا النار في منزلٍ خلال الاعتداء ذاته. وفي خلّة الفرّا غرب يطا، أضرم مستوطنون النار في منزلٍ كانت تنام داخله عائلةٌ مؤلّفة من خمسة أفراد.
ووصف المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بالأراضي الفلسطينية المحتلة Francesca Albanese هذه الاعتداءات بأنّها «مذابح بحقّ مدنيين عُزَّل». ويُشاطرها الخبراء هذا الرأي، إذ يرون أنّ الاعتداءات في الضفة الغربية باتت تستوفي تعريف المذبحة الممنهجة (البوغروم)، أي «العنف المنظَّم» الموجَّه ضدّ جماعةٍ بسبب «عرقها أو دينها».
وفي السياق ذاته، تواصل التمدّد الإسرائيلي الجغرافي؛ إذ رُصد إنشاء بؤرٍ استيطانية جديدة أو توسيع قائمةٍ منها في تلّ العاصور ومرج سيا شرق رام الله، وأمّ صفا شمال غرب رام الله، وجبل طروسة غرب الخليل، حيث استقبلت البؤرة الاستيطانية «دورون» إحدى 19 مستوطنةً أُقرَّت العام الماضي أولى قوافل البيوت المتنقّلة (الكرفانات)، وفق ما أوردت وفا.
تجدر الإشارة إلى أنّ المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية كافّة تُعدّ غير مشروعةٍ بموجب القانون الدولي.
وفي شمال غور الأردن، أفادت منظمة B'Tselem الإسرائيلية لحقوق الإنسان بأنّ قوات الاحتلال والمستوطنين قطعوا آخر خطوط المياه المغذّية لعدد من المجتمعات البدوية، ما يُهدّد 47 عائلةً تضمّ أكثر من 300 شخصٍ بالتهجير الوشيك، في ظلّ مشروع «الخيط القرمزي» الإسرائيلي على الحدود.
وعلى صعيد الشهداء، استشهد على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي فلسطينيَّين خلال الأسبوع الجاري؛ فقد أُصيب فتحي زيدان خزيم بطلقٍ ناري خلال اقتحامٍ لمنزله في جنين يوم الجمعة، وتُرك ينزف حتى الموت بعد أن أغلق الجنود الطريق أمام سيارات الإسعاف، وفق ما أوردته وفا. وبعد يومَين، استشهد الفتى إسلام أحمد عجوري (14 عاماً) برصاص قوات الاحتلال خلال اقتحامٍ لمخيّم عسكر الجديد شرق نابلس.
أخبار ذات صلة

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين
