ارتفاع أسعار الوقود وتأثير الحرب على الانتخابات الأمريكية
ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب في الشرق الأوسط يضغط على الناخبين في ولايات حاسمة ويضع الجمهوريين في موقف صعب قبيل الانتخابات النصفية بينما ترامب يؤجل الهجوم على إيران حتى ما بعد التصويت خَبَرَيْن

-في محطات الوقود المنتشرة عبر ولايتَي أيووا وأوهايو، لا يحتاج الناخب الأمريكي إلى نشرة إخبارية ليدرك أنّ الحرب البعيدة في الشرق الأوسط باتت تكلّفه شيئاً من جيبه مباشرة. سعر الغالون الواحد من البنزين يقترب من 4.36 دولار على المستوى الوطني، والديزل لا يزال مرتفعاً رغم تراجعه عن الذروة القياسية التي بلغها الشهر الماضي. وفي ولايتين تُعدّان مسرحاً لسباقَين حاسمَين على مقعدَين في مجلس الشيوخ، يقول أكثر من 7 من كل 10 ناخبين إنّ سياسات الرئيس دونالد ترامب رفعت تكلفة المعيشة. هذا هو السياق الذي جعل ترامب يعلن، يوم الخميس، أنّ واشنطن لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي.
قال ترامب بوضوح: "لن نهاجم إيران في أيّ وقتٍ قبل انتخابات التجديد النصفي"، تاركاً الباب مفتوحاً أمام استئناف الضربات بعد الثالث من نوفمبر، موعد يوم الاقتراع. التصريح جاء بعد ثمانية أشهر من حربٍ كان ترامب نفسه قد توقّع في بدايتها أن تستغرق أسابيع فقط لا أكثر. وقبل عشرين شهراً، في خطاب تنصيبه الثاني، كان الرئيس قد وضع معياراً مختلفاً تماماً لقياس نجاحه، حين قال إنّ نجاحه سيُقاس بـ"الحروب التي لا ندخل فيها أبداً".
لماذا تتحوّل الحرب إلى عبءٍ انتخابي على الجمهوريين؟
يجري هذا الجدل وسط معركةٍ متقاربة جداً على السيطرة على الكونغرس. فقد فاز ترامب بولايات أيووا وأوهايو وكارولاينا الشمالية بسهولة قبل عامين، لكنّ الجمهوريين يخوضون اليوم في هذه الولايات الثلاث سباقاتٍ صعبة أو متقاربة بشدّة. المعارضة المتنامية للحرب، إلى جانب ارتفاع أسعار البنزين والديزل، تُضعف فرص المرشّحين الجمهوريين في لحظةٍ هم في أمسّ الحاجة فيها إلى كلّ صوت.
وقد عزّز تقرير مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) الصادر يوم الخميس هذه الصورة: 74% من الأمريكيين أبدوا قلقهم من أسعار الوقود والطاقة، مقارنةً بـ43% فقط قبل اندلاع الحرب. مايك روجرز، مرشّح الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، لخّص القلق داخل حزبه في نهاية الشهر الماضي بقوله: "الحرب في إيران يجب أن تنتهي، وتنتهي بسرعة".
غير أنّ ترامب نفسه حاول، في أكثر من مناسبة، فصل الانتخابات عن مجريات الحرب، في محاولةٍ لتقليص أيّ ورقة ضغطٍ قد تستغلّها طهران. ففي اجتماعٍ لمجلس الوزراء في شهر مايو، قال بصراحة: "لا يهمّني أمر الانتخابات النصفية". ثم عاد في نهاية الشهر الماضي ليتوقّع التوصل إلى اتفاق فور انتهاء الانتخابات، قائلاً: "أعتقد أننا سنتوصّل إلى اتفاق بعد الانتخابات مباشرة، لأنه لا معنى لعدم توصّلهم إليه". وذهب أبعد من ذلك متّهماً طهران بانتظار نتيجة صناديق الاقتراع الأمريكية: "إنهم ينتظرون ليروا كيف سأبلي في الانتخابات النصفية".
هل تراهن طهران على عامل الوقت؟
التلميح إلى أنّ إيران "تنتظر" ليس جديداً في تاريخ العلاقة بين البلدين. ففي سياق تاريخي أوسع، تذكّر هذه اللحظة بما حدث في مسار انتخابات عام 1980، حين ساهمت أزمة الرهائن الإيرانية في تحطيم رئاسة جيمي كارتر. وبدا أنّ ترامب يدرك هذا الشبح التاريخي حين قال: "ظنّوا أنهم سيتجاوزونني بالانتظار؛ كما تعلمون، 'سننتظره حتى تمرّ الانتخابات النصفية'".
في المقابل، لا يبدو أنّ طهران حصلت على انسحابٍ أمريكي وفق شروطها حتى الآن، بل إنّ الحصار المرتبط بالقيود المفروضة على صادراتها النفطية وسفنها وضعها، بحسب وصف ترامب، في "وضعٍ سيئ للغاية". ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (IRNA) يوم السبت عن محسن رضائي، مستشار الأمن القومي الإيراني، وصفه للظروف الراهنة بأنها من بين أصعب الفترات التي مرّت بها إيران، بحسب ما أوردت صحيفة نيويورك تايمز التي تحدّثت عن تضخّمٍ متصاعد وتراجعٍ حادّ في قيمة الريال الإيراني.
لكنّ رضائي لم يُخفِ لهجة التحدّي، إذ حذّر يوم الثلاثاء من أنّ إيران لن تستسلم أبداً، وردّ بشكلٍ مباشر على تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الذي كان قد قال في 31 أغسطس إنّ "الحرب قد تنتهي خلال أسابيع أو أشهر، والاقتصاد الإيراني لا يجب أن ينهار، بل يكفي أن تعود قيادة النظام إلى رشدها". ردّ رضائي عبر حسابه على منصة إكس بالقول: "توقّعات بيسنت الوهمية لم تكن تملك أيّ مصداقية أساساً"، مضيفاً: "دعايته الأخيرة سيكون لها نفس العمر القصير. لقد خسرتم الحرب العسكرية، وستفشلون في الحرب الاقتصادية أيضاً".
مضيق هرمز: الورقة الاستراتيجية التي لم تُحسم بعد
يصف مراقبون سيطرة إيران على مضيق هرمز بأنها أهمّ مكسبٍ استراتيجي حقّقته طهران طوال الحرب، فطهران عرقلت إمدادات النفط عبر المضيق وفي مناطق أخرى، في وقتٍ نجحت فيه العمليات المنسّقة عسكرياً بقيادة الولايات المتحدة في إعادة تدفّقات النفط من دول الخليج، باستثناء إيران، إلى مستوياتها شبه الطبيعية.
ومع ذلك، تُظهر بيانات وكالة رويترز تقلّباً حادّاً في وتيرة العبور: سبع عمليات عبور فقط يوم الثلاثاء، وهو أدنى رقمٍ منذ أكثر من شهرين، إثر تصاعد الهجمات على الناقلات ومضايقتها، ثم ارتفع العدد إلى عشر عمليات عبور يوم الأربعاء. ورغم كلّ هذا الحصار، لم يُترجَم إلى أيّ مكسبٍ سياسي ملموس للمرشّحين الجمهوريين حتى الآن.
وفي نهاية سبتمبر الماضي، عرضت إيران إعادة فتح المضيق واستئناف المفاوضات النووية مقابل تخفيف الحصار المفروض عليها، إلا أنّ ترامب رفض عرضاً كهذا لو جاء قبل الانتخابات النصفية مباشرة، في ما يُنظر إليه على أنه أكثر حملات الإكراه الاقتصادي شمولاً واستدامة تمارسها واشنطن ضدّ طهران حتى الآن.
جبهات متعددة تتقاطع مع مسار الانتخابات
تتزامن هذه التطورات مع تصعيدٍ في جبهةٍ موازية: اشتداد القتال بين الحوثيين في اليمن والمملكة العربية السعودية، وهو ما دفع سعر خام برنت القياسي للارتفاع بنسبة 4% يوم الخميس. وبحسب تقريرَين نشرتهما مجلة ذا أتلانتيك (The Atlantic) وموقع أكسيوس (Axios)، فإنّ ترامب درس إمكانية شنّ عمليات قتالية واسعة قبل الثالث من نوفمبر، سعياً لإظهار الحزم وإرسال إشارةٍ بقرب نهاية الحرب وانخفاض أسعار الوقود.
وتزامناً مع ذلك، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال الأسبوع الماضي بأنّ مجموعة قتالية ثالثة من حاملات الطائرات ووحدة من مشاة البحرية الأمريكية يجري إرسالهما إلى الشرق الأوسط، ونقلت الصحيفة أيضاً أنّ ترامب أبلغ مساعديه مؤخراً أنه يتوقّع استئناف قصف إيران بعد الانتخابات النصفية.
وبحلول منتصف سبتمبر، كانت العمليات العسكرية الأمريكية ضدّ إيران قد كلّفت الخزينة الأمريكية 45 مليار دولار، في وقتٍ تطرح فيه الأسئلة حول جدوى استئناف حملةٍ جوية جديدة، بعد أن أخفقت الضربات الجوية السابقة في تغيير موقف طهران.
يبقى الثالث من نوفمبر موعداً حاسماً بمعنيين: فهو يوم الاقتراع الذي سيحدّد موازين القوى في الكونغرس، وربما اللحظة التي تُستأنف بعدها الضربات على إيران، بما قد يرفع من جديد أسعار النفط والبنزين والديزل. وإذا فاز الديمقراطيون بأغلبية أحد المجلسَين، فإنّ مواجهاتٍ جديدة قد تلوح في الأفق العام المقبل حول صلاحيات الحرب وتمويل العمليات ضدّ إيران. أما في محطات الوقود بأيووا وأوهايو وكارولاينا الشمالية، فلن ينتظر الناخبون طويلاً ليروا إن كانت الهدنة الانتخابية ستتحوّل إلى سلامٍ حقيقي، أم مجرد استراحةٍ محسوبة قبل جولةٍ جديدة من المواجهة.
أخبار ذات صلة

ترامب والمصانع الإيرانية: فكّ تشفير ادّعاءات جديدة حول المواقع النووية

تخضع المواقع الأمريكية لاستهداف إيراني أكثر فعالية بفضل معلومات استخباراتية تقدمها مجموعات صينية، وفقاً لمصادر.

تصعيد الحوثيين يعمّق الأزمة و واشنطن تتحفّظ على التدخّل
