خَبَرَيْن logo

اقتصاد إيران المنهك والتحدي في مواجهة العقوبات

صادرات النفط الإيرانية تتوقف لأول مرة منذ 2013 وسط حصار أمريكي خانق واقتصاد منهك يعاني انكماش وتضخم قياسي. النظام يواجه أزمة حادة لكنه يصر على الصمود وسط تحديات شحنات عالقة وطرق سرية للتصدير خَبَرَيْن

ناقلات نفط عالقة في مياه هادئة وسط ضباب كثيف قبالة سواحل، تعكس تأثير العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيراني وحصار الملاحة البحرية.
سفن الشحن في مضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران، بتاريخ 28 سبتمبر 2026. تصوير أمير حسين خورقوي/وكالة أنباء إيران الإسلامية/أسوشيتد برس
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

للمرّة الأولى منذ أن بدأت منصّة Kpler المتخصّصة في رصد الناقلات البحرية تتبُّع صادرات النفط الإيرانية عام 2013، لم تُسجَّل في سبتمبر أيّ عملية تحميل نفط خام على ناقلةٍ واحدة انطلاقاً من الموانئ الإيرانية. آخر شحنةٍ خامٍ نجحت طهران في تحميلها كانت في 25 أغسطس، وما بعد ذلك التاريخ دخل الاقتصاد الإيراني مرحلةً وصفها مسؤولون إيرانيون أنفسهم بأنها من بين الأقسى في تاريخ البلاد. ومع ذلك، وبعد أشهرٍ من حصارٍ بحري تقوده الولايات المتحدة وحملة عقوباتٍ متصاعدة، لم تُقدّم طهران أيّ تنازلٍ يُذكر لا بشأن برنامجها النووي ولا بشأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، في مفارقةٍ تضع السؤال الحقيقي على الطاولة: من سيصمد أطول، الاقتصاد الإيراني المُنهَك أم الخزينة الأمريكية التي تتكبّد كلفة حصارٍ باهظ؟

اقتصادٌ على حافة النفاد

الأرقام وحدها تكفي لرسم حجم الأزمة. فكمّيات النفط الإيراني الموجودة خارج نطاق الحصار الأمريكي تراجعت من 100 مليون برميل في يوليو إلى 45 مليون برميل فقط، وإذا استمرّ معدّل البيع الحالي، فقد تنفد مخزونات طهران القابلة للتصدير بحلول نهاية أكتوبر. في المقابل، تتكدّس المخزونات البرّية الإيرانية عند حدود 70 مليون برميل، وهو رقمٌ يقترب من أعلى مستوياته التاريخية ومن الذروة التي بلغها خلال جائحة كورونا، في مؤشّرٍ واضح على اختناق قنوات التصدير أكثر من اختناق الإنتاج نفسه.

أمّا الإنتاج فقد هبط إلى نحو 2 مليون برميل يومياً، أي نصف مستواه قبل الحرب، وهي كمّيةٌ بالكاد تكفي لتغطية الطلب المحلّي. وعلى الصعيد الاقتصادي العام، أظهرت بيانات الحكومة الإيرانية ذاتها أنّ الاقتصاد انكمش بمعدّلٍ سنوي بلغ 10% بين مارس ويونيو، فيما قفز معدّل التضخّم السنوي إلى 90% الشهر الماضي، ليبلغ متوسّطه خلال العام الماضي 73%، وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية. ولأنّ الحكومة الإيرانية عاجزةٌ عن تمويل نفسها، فإنّها تلجأ إلى طباعة النقد، وهو ما دفع مواطنين، بحسب عدنان مزارعي الزميل البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، إلى إنفاق أيّ نقدٍ بأيديهم فوراً على الضروريات لأنّ قيمته تتآكل بسرعة. كذلك أدّت العقوبات إلى تقليص الواردات، ما ساهم في إغلاق مصانع وارتفاع معدّلات البطالة.

هيكل معدني صدئ ومتهالك لسقف مفتوح في ميناء مهجور، يعكس تداعيات العقوبات الاقتصادية على البنية التحتية الإيرانية.
Loading image...
ميناء ومنشأة تخزين متضررة جراء غارة عسكرية أمريكية في وقت سابق من الأسبوع في محافظة هرمزغان جنوب إيران بتاريخ 6 سبتمبر 2026. تصوير عطا كناري/وكالة فرانس برس/صور غيتي

وقد لخّص محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، هذا الواقع في تقريرٍ نشرته وكالة «تسنيم» شبه الرسمية يوم السبت، إذ اعتبر أنّ الوضع الاقتصادي يُعَدّ من بين الأسوأ في تاريخ البلاد. ومع ذلك، تمكّن النظام من إخماد موجة احتجاجاتٍ شعبية اندلعت في خضمّ هذا التدهور، مستنداً إلى خبرةٍ تراكمت عبر خمسة عقودٍ من التعايش مع العقوبات.

يقول مزارعي: «الاقتصاد في حالٍ سيّئة جدّاً»، لكنّه يستدرك: «ليست هناك نقطةٌ آلية يمكن عندها القول إنّ درجة حرارة جسد المريض بلغت مستوىً حرجاً وأنّه على وشك الموت». ويضيف: «الناس يزدادون بؤساً، لكنّ النظام يملك صبراً وتحمّلاً هائلَين إزاء معاناة شعبه»، مستذكراً أنّ «إيران لديها تاريخٌ طويل في التغلّب على العقوبات».

شاحنة صهريج تحمل نفطاً على طريق صحراوي في إيران، تعكس تحديات تصدير النفط الإيراني وسط العقوبات الاقتصادية والحصار البحري الأمريكي.
Loading image...
شاحنة صهريج تسير على الطريق في جنوب إيران في 11 أغسطس 2026. عطاء كناري/وكالة فرانس برس/صور غيتي

ناقلاتٌ عالقة وشبكاتٌ سرّية

على الصعيد الآخر، تكشف تفاصيل ميدانية حجم الضغط الذي باتت تتعرّض له آلية التصدير الإيرانية. فبحسب تشارلي براون، مستشار منظمة «المتّحدون ضدّ إيران النووية» (United Against Nuclear Iran)، عشرات الناقلات الإيرانية باتت عالقةً قبالة سواحل سريلانكا، حيث يخشى طواقمها الاحتجاز من قِبَل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، في حين حُرمت هذه الناقلات من المساعدات الإنسانية رغم نداءات استغاثةٍ متكرّرة، وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال أوّل مرّة في تقريرٍ عن الناقلات الإيرانية العالقة.

وتربط ميشيل بروهارد، رئيسة قسم السياسات والمخاطر الجيوسياسية في Kpler، بين هذا العناد الظاهر وبين استمرار محاولات التحايل على العقوبات. وتوضّح أنّ طهران قد تلجأ إلى نقل النفط برّاً عبر كازاخستان وروسيا، أو بحراً عبر بحر قزوين، كما درجت العادة على تمويه النفط المصدَّر بوصفه نفطاً عراقياً، أو تحويله إلى سفنٍ تابعة لدولٍ أخرى. ويشير براون إلى أنّ وكلاء موالين للنظام الإيراني في دولٍ مجاورة يُجرون صفقاتٍ سرّية باستخدام الدولار الأمريكي أو العملات المشفّرة أو وسائل أخرى.

وتطرح بروهارد أيضاً احتمالاً أكثر إثارة للجدل، وهو أن تكون بعض دول الخليج المصدّرة للنفط تدفع سرّاً لإيران مقابل ضمان مرورٍ آمن عبر مضيق هرمز، وإن كانت تقرّ بعدم وجود أدلّةٍ دامغة تثبت مثل هذا الترتيب. وقد سمع كلٌّ من مزارعي وبراون بتقاريرَ تتحدّث عن دفع منتجي النفط لإيران ما يشبه «رسم أمان». تقول بروهارد: «النظام الإيراني بارعٌ حقّاً في إدارة بلاده من دون موارد»، مضيفةً: «لا أعتقد أنّ إيران وصلت إلى نقطة الانهيار، وبالتالي لا بدّ أنّها تتلقّى أموالاً من مكانٍ ما»، وتختم بعبارةٍ لافتة: «هناك مَن يُدفَع له». وتلاحظ أنّ إيران واصلت استهداف بعض الناقلات العابرة لمضيق هرمز، مرجّحةً أن تكون السفن المستهدَفة قد رفضت دفع الرسم.

مصنع تكرير نفط ضخم مع أبراج وأنابيب معقدة، يعكس تحديات صناعة النفط وسط العقوبات الاقتصادية الإيرانية.
Loading image...
مصنع تكرير نفط في وايتينغ، إنديانا، في 8 سبتمبر 2026 تصوير سكوت أولسون/غيتي إيميجز

كلفة الحصار على دافعي الضرائب الأمريكيين

في مقابل الأزمة الإيرانية، لا تبدو كلفة الحصار على واشنطن هيّنة. فتدفّقات النفط من بقية دول الخليج عبر مضيق هرمز عادت فعلياً إلى طبيعتها، لكنّ تشديد إنفاذ العقوبات عبر ما تُسمّيه إدارة ترامب «عملية المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast) يستنزف موارد البحرية الأمريكية التي تخصّص جزءاً كبيراً من إمكاناتها لبرنامج الحصار والمرافقة، بكلفةٍ تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب. وقد بقيت أسعار الوقود مرتفعةً تاريخياً طوال فترة هذه العملية.

وبحسب شركة Clarksons Shipping and Maritime Services، تبلغ كلفة تشغيل ناقلةٍ عملاقة من فئة "Very Large Crude Carrier" نحو 1.6 مليون دولار يومياً، أي ما يعادل 24 ضعف الكلفة التي كانت عليها عام 2025، وتشمل هذه الكلفة الأجور والوقود والتأمين ونفقاتٍ أخرى. وتقول بروهارد إنّ شركات التأمين هي الجهة التي تتقاضى حالياً هذه المدفوعات الشبيهة بالرسوم: «الرسم حالياً يُدفَع لشركات التأمين، وأنا وأنت من يدفعه».

يبقى السؤال معلّقاً إذن بين ضيقٍ اقتصادي إيراني يقترب من نقطةٍ حرجة في مخزون النفط القابل للبيع بنهاية أكتوبر، وبين استنزافٍ مالي أمريكي طويل الأمد لا يلوح له أفق قريب. وكما يختم مزارعي: «سنبقى على حافّة الحرب لوقتٍ طويل»، في عبارةٍ تختصر مأزقاً لا تبدو له تسويةٌ وشيكة على أيٍّ من الجانبين.

أخبار ذات صلة

Loading...
دخان كثيف يتصاعد من مطار الملك خالد الدولي بالرياض بعد هجوم صاروخي للحوثيين تسبب في أضرار وخسائر بشرية.

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

تصاعدت الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد بالرياض، ما تسبب في خسائر بشرية وأضرار مادية كبيرة. اكتشف تفاصيل التصعيد وتأثيره على الأمن السعودي واستعد للمزيد من التغطية الحصرية. اقرأ الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
مجموعة من الجنود اليمنيين على متن شاحنة عسكرية في طريق ريفي، في سياق التصعيد العسكري لاستعادة مناطق الحوثيين في اليمن.

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين

تتصاعد الحرب في اليمن مع انطلاق هجوم واسع لاستعادة مناطق الحوثيين، ما يهدد الملاحة الدولية ويزيد من معاناة الأسر جوعاً. تعرف على تفاصيل المعركة وتأثيرها الإنساني والاقتصادي في قلب الصراع اليمني المستمر. تابع المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
منظر جوي لموقع نووي إيراني في الصحراء يعكس التوترات والمفاوضات الأمريكية الإيرانية حول البرنامج النووي ورفع العقوبات.

ترامب مستعدّ لتخفيف العقوبات على إيران مقابل تقدّم ملموس في الملفّ النووي

تتواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران وسط شروط أمريكية صارمة ورفض مقترحات إيرانية حول مضيق هرمز. هل تنجح الوساطة القطرية في كسر الجمود؟ تابع التفاصيل لتعرف المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
سفينة شحن كبيرة تبحر في مضيق هرمز عند غروب الشمس، مع تزايد التوترات السياسية حول إعادة فتح المضيق وتأثيرها على الملاحة النفطية العالمية.

إيران تنتظر ردّاً "حاسماً" من واشنطن رغم رفض ترامب آخر عرض

تتصاعد التوترات حول مضيق هرمز مع رفض أمريكي قاطع لعرض إيران إعادة فتحه مقابل رفع العقوبات. تعرف على تفاصيل الأزمة وتأثيرها على الأمن الإقليمي والملاحة البحرية. اقرأ المزيد الآن!
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية