الانهيار السعودي الأمريكي يفتح باب المندب للحوثيين
في 36 ساعة فقط سيطر الحوثيون على ممر باب المندب الاستراتيجي بعد سقوط المخا وغياب الدعم الجوي السعودي والأمريكي. تحولات خطيرة تهدد الملاحة العالمية وتبرز ضعف التحالف المناهض للحوثيين وتوسع النفوذ الإيراني خَبَرَيْن

في غضون ستّة وثلاثين ساعةً فقط، تبدّلت معادلة السيطرة على أحد أكثر الممرّات البحرية حساسيةً في العالم. فمن فجر الخميس حين شنّ الحوثيون هجومهم على مدينة المخا الساحلية اليمنية، إلى مساء الجمعة حين رفعوا رايتهم على جزيرة ميون (بريم) المطلّة على مضيق باب المندب لم يُطلَق سوى القليل من الطلقات الجوية المضادة، وظلّت سماء المعركة فارغةً من الغطاء السعودي الذي كان مُنتظَراً. النتيجة: قوّة مدعومة إيرانياً باتت تتحكّم اليوم في ممرٍّ يعبر منه ملايين البراميل النفطية يومياً، ويربط البحر الأحمر بقناة السويس وبقيّة العالم.
كيف سقطت المخا؟
وصف مصدرٌ عسكري يمني رفيع المستوى ما جرى بعبارات لا تحتمل التأويل: «أطلق الحوثيون كلّ ما لديهم موجةً تلو الأخرى من المقاتلين، إلى جانب صواريخهم الباليستية وأسلحتهم المتاحة». غير أنّ المصدر ذاته أضاف بمرارة: «لكنّ الغطاء الجوي لم يأتِ قطّ. وقد سقطت المخا الآن».
لم يكن الإخفاق مفاجئاً لمن تابع تفاصيل المشهد عن كثب. فقبل ثلاثة أسابيع من الهجوم، وُضع الجيش السعودي على درجة تأهّبٍ قصوى، إلا أنّه أخفق في نشر كوادر قيادة الجوّ الحيوية. وعلى الأرض، كانت الكتائب اليمنية المدافعة عن المخا تفتقر إلى ما يقارب 80% من قوّتها الفعلية؛ إذ كان كثيرٌ من الجنود مجرّد «أسماء وهمية» على كشوف الرواتب. وحين بدأت المعركة فعلياً، كشف مصدرٌ إقليمي أنّه «لم تُنفَّذ ضربةٌ جوية واحدة طوال اليوم، رغم أنّ التحديثات كانت تصل دقيقةً بدقيقة».
في الوقت ذاته، أجرى وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالَين هاتفيَّين بالرئيس الأمريكي Donald Trump يوم الخميس، ملحّاً عليه بتوجيه ضرباتٍ للحوثيين. لكنّ Trump رفض. وجاء ردّ البيت الأبيض جامعاً للموقف الأمريكي في عبارةٍ واحدة: «تنصبّ جهود الولايات المتحدة على حماية مصالحنا الأمنية القومية كضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر مع تمكين شركائنا الإقليميين من تولّي القيادة في إدارة تحدّيات الأمن الإقليمي وحلّها».
وكان الأدميرال Brad Cooper، قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، موجوداً في المملكة العربية السعودية يوم الخميس ذاته لاجتماعات تنسيقية، فيما يُقدَّر إجمالي القوّات الأمريكية هناك بنحو 200 عنصر، من بينهم أكثر من 100 مستشار عسكري يقدّمون دعماً استخباراتياً وتوجيهاً للعمليات. ومع ذلك، لم يُترجَم كلّ هذا الحضور إلى فعلٍ ميداني.
فراغٌ استراتيجي ملأه الحوثيون
يصعب فهم الانهيار الميداني دون استحضار قرارٍ اتُّخذ في يناير 2024: انسحاب الإمارات العربية المتحدة من اليمن بعد طلبٍ سعودي، دون أن تُبادر المملكة إلى ملء الفراغ الذي خلّفه هذا الانسحاب. وعلى هذا الواقع، يعلّق عمرو البيض، المسؤول في المجلس الانتقالي الجنوبي، بتساؤلٍ لا يخلو من حدّة: «لا معنى لذلك. أنت تمتلك الداعم الرئيسي للقوات على الأرض، الذي يقوم بكلّ هذا العمل منذ 10 سنوات، ثمّ فجأةً تطلب منه المغادرة دون أن تملأ الفراغ». ويختصر رأيه في الأزمة بجملةٍ واحدة: «إنّه مجرّد غياب استراتيجية وسوء إدارة».
وفي السياق ذاته، يرى محمد الباشا، المستشار لدى الحكومة الأمريكية والمتخصّص في مخاطر شبه الجزيرة العربية، أنّ الأزمة أعمق من مجرّد إخفاقٍ ميداني: «هذا يعود إلى مشكلةٍ أعمق في التحالف المناهض للحوثيين. لا يوجد تماسكٌ سياسي». ويضيف: «لا توجد قيادةٌ وسيطرة موحّدة في اليمن». ويؤكّد أنّ المؤشّرات لم تكن خافيةً على أحد: «أعتقد أنّ الجميع كان على علمٍ بتقدّم الحوثيين نحو الساحل الغربي. الكتابة على الجدار كانت واضحةً جداً».
أمّا المسؤول اليمني الرفيع الذي حذّر من تدهور الأوضاع، فقد كشف أنّه «أبلغ CENTCOM مراراً خلال الأيام الماضية، بما فيها يوم الخميس، بأنّ الوضع بات حرجاً». لكنّ التحذيرات ذهبت أدراج الرياح.
وتتقاطع هذه الشهادات مع حكمٍ قاسٍ أصدره مصدرٌ غربي مطّلع على تفاصيل المعركة: «الفشل هذه المرّة ليس من الجانب اليمني. إنّها كارثةٌ صُنعت في واشنطن والرياض». بل ذهب المصدر الإقليمي إلى أبعد من ذلك، واصفاً ما جرى بأنّه «فضيحةٌ سعودية-أمريكية بامتياز».
باب المندب: الجائزة الكبرى
سقوط المخا كان مؤلماً، لكنّ السيطرة على جزيرة ميون (بريم) يوم الجمعة هي الضربة الاستراتيجية الحقيقية. فهذه الجزيرة الصغيرة تتربّع عند نقطة تشعّب مضيق باب المندب إلى مسلكَين ملاحيَّين، وهو المضيق الذي يُعدّ بوّابةً لا غنى عنها للوصول إلى قناة السويس وبالتالي إلى الأسواق العالمية. ويمرّ عبره يومياً ملايين البراميل من النفط وكميّاتٌ ضخمة من البضائع الأساسية.
الأخطر في المعادلة أنّ إيران باتت تُمسك بطرفَي الخيط: فهي تتحكّم في مضيق هرمز شرقاً، وتمتدّ نفوذها الآن عبر الحوثيين إلى باب المندب غرباً. وتجدر الإشارة إلى أنّ المملكة العربية السعودية ذاتها كانت قد حوّلت جزءاً من صادراتها النفطية عبر باب المندب تحديداً للإفلات من تهديدات مضيق هرمز وهو خيارٌ بات اليوم أكثر هشاشةً ممّا كان.
ولا يحتاج الحوثيون إلى ترسانةٍ متطوّرة لاستثمار هذا الموقع. يوضح عمرو البيض: «لا يحتاجون إلى أسلحةٍ متطوّرة لإغلاق باب المندب. يكفيهم مدفعٌ على سيارة». وهو توصيفٌ يختزل حجم الخطر في بساطته.
وعلى الجانب الإيراني، لم يتأخّر مستشار المرشد الأعلى في وصف ما جرى بـ«النصر الواضح»، مضيفاً في تعليقٍ يحمل رسالةً مزدوجة: «الشعب الأمريكي وحلفاء واشنطن يدفعون ثمن الأزمة الاقتصادية وطموحات Trump».
ما الذي يأتي بعد ذلك؟
لا يبدو المشهد مرشّحاً للهدوء في المدى المنظور. يرصد محمد الباشا تحرّكاتٍ جديدة للحوثيين: «أعتقد أنّ الحوثيين سيتحرّكون شرقاً. نرى اليوم، عبر صور الأقمار الاصطناعية والاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)، أنّ الحوثيين يحشدون قواتهم». وهو مؤشّرٌ على أنّ الهجوم لم يبلغ نهايته بعد.
السؤال الذي يطرحه المشهد برمّته لا يتعلّق فقط بمصير الموانئ اليمنية أو حركة الناقلات في البحر الأحمر، بل يمسّ بنية التحالف المناهض للحوثيين من أساسها: فبعد عشر سنواتٍ من الحرب، وانسحاب الإمارات، وتردّد الرياض، وتحفّظ واشنطن — من يملك الإرادة والقدرة على سدّ الفراغ قبل أن يتّسع أكثر؟
أخبار ذات صلة

ترامب وإيران: لماذا قد يختاران الانتظار حتى الانتخابات النصفية؟

ترامب والمصانع الإيرانية: فكّ تشفير ادّعاءات جديدة حول المواقع النووية

تخضع المواقع الأمريكية لاستهداف إيراني أكثر فعالية بفضل معلومات استخباراتية تقدمها مجموعات صينية، وفقاً لمصادر.
