فضائح إنفانتينو تكشف هشاشة أخلاقيات الفيفا
كشف تحقيق FIFA في رئيسها إنفانتينو عن تبرئة رسمية رغم ملاحظات تحوم حول نزاهته في قضايا الطائرات الخاصة والهدايا والتعيينات التي لم تُحاسب. قراءة تكشف هشاشة آليات الأخلاقيات في المؤسسات الكبرى على خَبَرَيْن.

ثمّة مسلّمةٌ راسخةٌ في عالم حوكمة المؤسسات الكبرى: إنّ لجان الأخلاقيات وُجدت لتضع الجميع أمام معيارٍ واحد، بصرف النظر عن موقعهم في الهرم. غير أنّ ما كشفته وثائق التحقيق الذي أجرته لجنة أخلاقيات FIFA عام 2016 في حقّ رئيسها جياني إنفانتينو يدعو إلى إعادة النظر في هذه المسلّمة — ليس لأنّ التحقيق انتهى بإدانة، بل لأنّه انتهى بتبرئةٍ كاملة، مع ملاحظاتٍ لافتة لم تُفضِ إلى أيّ عواقب.
طائراتٌ خاصة وهدايا رسمية
فاز إنفانتينو برئاسة FIFA في 26 فبراير 2016، وما إن حلّ شهر يونيو من العام ذاته حتى كانت شكاوى رسمية قد تقدّم بها كبار مسؤولي المنظمة ضدّه. تولّت التحقيق فانيسا ألار، المحققة الرئيسية في FIFA آنذاك، وخلصت في أغسطس 2016 إلى تبرئة إنفانتينو من جميع التهم السبع، بما فيها انتفاء أيّ انتهاكٍ أخلاقي.
أربعةٌ من هذه التهم السبع تعلّقت بخمس رحلاتٍ على طائراتٍ خاصة وهديتين من UEFA. ففي أبريل 2016، ألغى إنفانتينو ومساعدوه رحلتهم التجارية إلى موسكو، وركبوا طائرةً خاصة أتاحها فيتالي موتكو، رئيس الاتحاد الروسي لكرة القدم. وحين فاته موعد رحلةٍ تجارية إلى الدوحة، وفّر الجانب الروسي طائرةً أخرى تابعة لشركة مرتبطة بـ Gazprom. وبعد نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2016، سافر إلى روما على متن طائرةٍ خاصة يملكها رجل الأعمال الروسي ليون سيمينينكو. أمّا قطر، فقد وفّرت له طائرةً للعودة إلى جنيف بعد اجتماعٍ مع أمير قطر تأخّر عن موعده.
ميثاق أخلاقيات FIFA يحظر صراحةً على الرئيس قبول هداياٍ تتجاوز قيمةً رمزية. ومع ذلك، لم تُشكّل هذه الرحلات في نظر المحققة انتهاكاً أخلاقياً. بيد أنّ ألار أبدت تحفّظاً لافتاً في شأنٍ آخر: زيارة إنفانتينو للبابا فرنسيس في روما، التي سافر إليها برفقة زوجته لينا الأشقر ووالدته ماريا، مُقدّماً للبابا قميص Adidas وميدالية بطل دوري الأبطال. وصف إنفانتينو الزيارة بأنّها "خاصةٌ بالكامل"، رغم أنّ الدعوة جاءته بصفته رئيساً لـ FIFA. وقد رأت المحققة أنّه في هذا الملفّ بالذات «يمكن اعتباره لم يتصرّف بنزاهةٍ كاملة» نظراً لخلطه بين ما هو رسمي وما هو شخصي — وهو حكمٌ بالغ الدلالة، لم يُفضِ إلى شيء.
الراتب والتعيينات: قواعد لمن؟
لم تقتصر الشكاوى على الطائرات. فقد أنفق إنفانتينو أموال FIFA على مشترياتٍ شخصية: ستة أزواج من أحذية كرة القدم بقيمة 942 جنيهاً إسترلينياً، وبدلةٌ سهرة لحضور فعالية IFAB بقيمة 1,415 فرنكاً سويسرياً. وحين واجه لجنة التحقيق، حمّلت اللجنة قسمَ الموارد البشرية مسؤولية الإخلال بالإجراءات، لا إنفانتينو نفسه.
وفي ملفّ التعيينات، عيّن إنفانتينو ماتياس غرافستروم أميناً عاماً، وزفونيمير بوبان، ولوكا بياتزا — وهو صديقٌ من بلدة تريليه — في مناصب رفيعة، دون توصيفاتٍ وظيفية أو الالتزام بإجراءات الموارد البشرية المعتادة. وهنا أيضاً، وجد المحققون أنّ المسؤولية تقع على الإدارة لا على الرئيس.
أمّا قضية الراتب، فتكشف جانباً آخر من طبيعة إنفانتينو في التفاوض. رفض التوقيع على عقدٍ اقترحه دومينيكو سكالا، رئيس لجنة التدقيق والامتثال، بقيمة مليوني فرنكٍ سويسري، معلّلاً ذلك بأنّه «مقترحٌ وجدته مهيناً». كان الراتب السنوي المقترح في 2016 يبلغ 1.5 مليون جنيه إسترليني، في حين كان إنفانتينو يعلم أنّ سلفه سيب بلاتر كان يتقاضى 3.6 ملايين فرنكٍ سويسري. أمّا اليوم، فيبلغ راتبه 4.4 ملايين جنيهٍ إسترليني سنوياً. رفضه التوقيع كان سابقةً لم تتضمّنها أنظمة FIFA، ومع ذلك لم يُعدّ مخالفةً تستوجب العقوبة.
في مايو 2016، استقال سكالا من رئاسة لجنة التدقيق والامتثال احتجاجاً على تغييراتٍ في صلاحيات المجلس رأى أنّها تصبّ في خدمة إنفانتينو وتُقيّد دور اللجنة.
تبرئةٌ بملاحظاتٍ لا تُلزم أحداً
ولكن هل يكفي أن يُبرَّأ المرء رسمياً ليُغلق الملفّ؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه هذه الوثائق بعمق. فالمحققة ألار، التي باتت اليوم قاضيةً في جزر كايمان، أصدرت حكماً بانتفاء الانتهاك الأخلاقي، لكنّها في الوقت ذاته دوّنت أنّ إنفانتينو «يمكن اعتباره لم يتصرّف بنزاهةٍ كاملة» في ما يخصّ زيارة البابا. هذه الصياغة المزدوجة — تبرئةٌ مع تحفّظ — هي في حدّ ذاتها شهادةٌ على الفجوة بين ما تنصّ عليه الأنظمة وما تستطيع تطبيقه فعلاً.
والأكثر دلالةً هو ما جرى بعد التحقيق: معظم المسؤولين الذين تقدّموا بشكاوى أو أدلوا بشهاداتهم غادروا FIFA لاحقاً. في المقابل، خرج إنفانتينو من هذا الاختبار أكثر تمكيناً، بعد أن أُزيح سكالا وتعزّز موقعه داخل المنظمة.
يُعلّمنا التاريخ المؤسسي أنّ لجان الأخلاقيات لا تُقاس فاعليّتها بعدد التبرئات أو الإدانات، بل بما إذا كانت تُنتج رادعاً حقيقياً أم مجرّد ذريعةٍ للشرعية. والسؤال الذي ينبغي لأيّ مراقبٍ جادّ أن يطرحه ليس: هل أُدين إنفانتينو؟ بل: ماذا يقول نظامٌ عن نفسه حين تُصدر محققته الرئيسية ملاحظةً بأنّ رئيسه «لم يتصرّف بنزاهةٍ كاملة»، ثمّ لا يترتّب على ذلك شيء؟
أخبار ذات صلة

غياب مؤثّر يضرب الأهلي قبل الامتحان الآسيوي أمام الوصل

الذكاء الاصطناعي يتنبأ: من سيفوز في كلاسيكو الأهلي والزمالك؟

الكلاسيكو يفي بوعده.. الهلال يلحق بالاتحاد الهزيمة الأولى في دوري روشن
