تصاعد اعتقالات الهجرة الأمريكية يهدد العمال الزراعيين
تصاعد حملة الترحيل في الحقول الأمريكية يرفع عدد الاعتقالات اليومية لأكثر من 3000 شخص، ما يضغط على البنية التحتية ويثير جدلاً داخل الحزب الجمهوري حول أهداف الإدارة وتأثيرها على العمال والمزارعين خَبَرَيْن

في الحقول الزراعية الأمريكية، حيث يعتمد الإنتاج الموسمي على يدٍ عاملة كثيرٌ منها بلا أوراق ثبوتية، لم تعد مداهمات إدارة الهجرة والجمارك (ICE) حدثاً استثنائياً، بل إيقاعاً يومياً يعيد تشكيل حياة العمّال وأصحاب المزارع على حدٍّ سواء. ممثلون عن القطاع الزراعي حذّروا مؤخراً من أنّ تصاعد نشاط الوكالة عطّل عملياتهم مؤقتاً، في مؤشرٍ على اتساع رقعة حملة الترحيل الجماعي التي تتبنّاها إدارة ترامب. وها هي هذه الحملة تدخل الآن مرحلةً أكثر حدّة: فقد وجّهت قيادة الوكالة، وفق مصدرَين مطّلعَين على التعليمات الشفهية، عناصرها على مستوى البلاد يوم الثلاثاء إلى زيادة عدد الاعتقالات اليومية بمقدار 1,000 شخص إضافي، لإعادة إحياء هدفٍ سابق يقضي باعتقال 3,000 شخص يومياً، إلى جانب تحديد سقفٍ أسبوعي قدره 19,000 اعتقال.
من 2,000 إلى 3,000: كيف تُقرأ الأرقام؟
كانت الوكالة قد سجّلت مؤخراً معدّلاً يقارب 2,000 شخص محتجَز يومياً، وأراد المسؤولون الحفاظ على هذه الوتيرة قبل رفعها. أمّا الهدف الأسبوعي البالغ 19,000 اعتقال، فيأخذ بعين الاعتبار انخفاض وتيرة الاعتقالات في عطلات نهاية الأسبوع وقلّة عدد العناصر الميدانيين خلالها. وبحسب أحد المصدرَين، فإنّ إدارة الوكالة تريد من عناصرها اعتقال أكبر عددٍ ممكن من الأشخاص تمهيداً لترحيلهم.
الأرقام الفعلية تكشف المسار التصاعدي لهذه الحملة: ففي أواخر يونيو، اعتقلت الوكالة ما يزيد قليلاً عن 12,500 شخص خلال أسبوعٍ واحد، وهو رقمٌ اعتُبر آنذاك ذروةً. لكن بحلول أغسطس، احتجزت الوكالة نحو 51,000 شخص خلال شهرٍ واحد، محطّمةً الرقم القياسي السابق الذي سُجّل قبل ذلك بشهر، عندما تجاوزت الاعتقالات 46,000 حالة. مشروع بيانات الترحيل يتابع هذه الأرقام بشكلٍ مستمر، في وقتٍ تتحوّل فيه الهجرة إلى قضيةٍ سياسية محورية بالنسبة للبيت الأبيض قبل الانتخابات النصفية.
البنية التحتية لا تواكب وتيرة الاعتقالات
هذا التسارع في الاعتقالات يضع ضغطاً متزايداً على قدرة الوكالة الاستيعابية. ففي الشهر الماضي، تم الاطّلاع على طلب عروضٍ موجّه لمتعهّدين لبناء ثلاثة أنواع من المنشآت المؤقتة: وحدة احتجازٍ ميدانية، وغرفة مقابلاتٍ ومعالجة، ومنشأة لعقد جلسات استماعٍ قضائية عن بُعد في قضايا الهجرة. وجاء في وثيقة طلب العروض أنّ الوكالة تعمل بـ«وتيرةٍ تشغيلية مرتفعة استثنائياً مع تزايد الاعتقالات»، وأنّ «البنية التحتية المؤقتة باتت ضرورةً ملحّة لتوسيع القدرة الآمنة على معالجة واحتجاز المهاجرين غير القانونيين، وتوفير مساحة جلسات استماعٍ لغير المحتجزين في الموقع نفسه». ومن المفترض أن تخفّف هذه المنشآت المقترحة الضغط عن المرافق القائمة، وتوسّع مساحات المعالجة والاحتجاز وجلسات الاستماع. غير أنّ متحدثاً باسم وزارة الأمن الداخلي قال إنّه لا توجد لدى الوكالة «خطط منشآت جديدة للإعلان عنها حالياً».
«لا حصص اعتقال» أم أهدافٌ غير معلنة؟
رغم أنّ التوجيه الجديد يحمل كل ملامح الحصّة العددية، نفى متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي وجود أي نظامٍ من هذا النوع، قائلاً : «لا توجد حصص اعتقال». وأضاف المتحدث نفسه في تصريحٍ آخر: «تحت قيادة الرئيس ترامب والوزير Mullin، تمّ تعزيز قدرات الوكالة للعثور على المهاجرين غير الشرعيين واعتقالهم وترحيلهم من الولايات المتحدة باستخدام كل أداةٍ قانونية متاحة. هذا هو الوعد الذي قُطع والوعد الذي تحقّق، والنتائج تتحدّث عن نفسها».
وزير الأمن الداخلي Markwayne Mullin كان قد تطرّق إلى موضوع الحصص في الشهر الماضي خلال ظهوره على برنامج «Inside Politics» ، نافياً بشكلٍ قاطع وجود أي تنسيق من هذا النوع مع البيت الأبيض: «لم أتحدّث أبداً مع أي شخصٍ في البيت الأبيض عن أي حصّة. نحن نؤدي عملنا كل يومٍ ونؤديه بفعالية». وبرّر Mullin نطاق الاعتقالات بالإشارة إلى الالتزام القانوني، قائلاً: «تركيزنا ينصبّ على ملاحقة الأسوأ من بين الأسوأ، لكن عندما نتواصل مع شخصٍ مقيمٍ بصورةٍ غير قانونية، بصرف النظر عن عدد السنوات التي قضاها هنا، فنحن ملزمون بموجب القانون باعتقاله في تلك اللحظة».
لكنّ هذا الخطاب يصطدم بانتقاداتٍ متصاعدة من داخل الحزب الجمهوري نفسه. فقد اعترض عددٌ من الجمهوريين على اعتقال مهاجرين غير شرعيين لا سجلّ جنائي لهم، وهو ما دفع النائب عن فلوريدا Maria Elvira Salazar إلى توجيه نقدٍ علني للرئيس في إعلانٍ ضمن حملتها الانتخابية للانتخابات النصفية. هذا التوتر بين وزارة الأمن الداخلي والبيت الأبيض بشأن وعد الترحيل الجماعي لم يعد سراً، إذ يتقاطع فيه الحماس التنفيذي لتحقيق أرقامٍ قياسية مع حسابات سياسية حذرة داخل الحزب الحاكم نفسه.
توقيفات المركبات تحت المجهر بعد حوادث إطلاق نار
في الأسبوع الماضي، تلقّى عناصر الوكالة تعليماتٍ جديدة تقضي بأن تخضع توقيفات المركبات لشرطَين: اجتياز دوراتٍ تدريبية متعلّقة بهذه العمليات، واستخدام أضواء وصفّارات الإنذار أثناء التوقيف. مسؤولٌ رفيع في الوكالة قال إنّ المذكّرة جاءت لتعديل توجيهاتٍ سابقة، في أعقاب عدّة عمليات توقيفٍ مثيرة للجدل أسفرت عن حوادث إطلاق نارٍ قاتلة وأخرى غير قاتلة. ورغم ذلك، اعتبرت الإدارة الأمريكية أنّ توقيف المركبات يبقى أداةً أساسية لرفع وتيرة اعتقالات الهجرة. ونفى متحدث باسم الوكالة أن تكون هذه التوجيهات جديدة، قائلاً: «أحياناً، تصدر قيادة الوكالة تذكيراتٍ توجيهية لعناصر إنفاذ القانون»، مؤكداً أنّ المذكّرة «لا تُحدث أي تغيير في طريقة تنفيذ الوكالة لتوقيفات المركبات»، وأنّ هذه العمليات ستستمر كما هي.
أين يلتقي الرقم بالوجه؟
بين خطابٍ رسمي ينفي وجود «حصص»، وتوجيهاتٍ داخلية تتحدث عن أهدافٍ يومية وأسبوعية صريحة، تبقى المسافة بين الكلمتَين رهينة التفسير السياسي أكثر منها رهينة الواقع الميداني. فالأرقام ترتفع شهراً بعد شهر، والبنية التحتية تُستنفَد، والمزارع الأمريكية تتحسّس أثر كل موجة اعتقالات على عمّالها. وفي خضمّ هذا السباق نحو الأرقام القياسية، يظلّ السؤال الذي لا يحمل إجابةً رسمية بعد: كم من هؤلاء الذين سيُضافون إلى عدّاد الـ19,000 أسبوعياً لا يحملون سجلاً جنائياً، وكم منهم عمّالٌ وآباءٌ وأمّهات باتوا، فجأةً، جزءاً من رقمٍ يُدار من واشنطن؟
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

الحكومة الإسبانية تستعد للانتخابات وسط احتجاجاتٍ متصاعدة على أزمة الإسكان
