خَبَرَيْن logo

كيف تبني صداقات حقيقية تعزز صحتك وسعادتك

الوحدة أصبحت أزمة صحية حقيقية تؤثر على الملايين، والصداقة ليست رفاهية بل ضرورة. تعرف معنا على أسرار تكوين صداقات حقيقية وأثر التواصل الاجتماعي على صحتك النفسية والجسدية في خَبَرَيْن.

مجموعة أشخاص يجلسون حول طاولة في مقهى، يعكسون أهمية التفاعل المتكرر لبناء صداقات في سياق الصحة النفسية والاجتماعية.
قد يكون من الصعب تكوين صداقات في مرحلة البلوغ، لكن هناك بعض "المكونات" الأساسية التي تجعل ذلك ممكنًا. رسم توضيحي من إيان بيري/سي إن إن
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يلجأ كثيرون هذه الأيام إلى محرّكات البحث ليكتبوا عبارة "كيف أصنع صداقات؟" أكثر من أي وقتٍ سابق؛ فقد بلغت هذه العمليات رقماً قياسياً في الربيع الماضي، متجاوزةً بفارقٍ كبير عمليات البحث عن الوقوع في الحب. المفارقة أن هذا السؤال البسيط يحمل خلفه أزمة صحة عامة حقيقية: أكثر من نصف البالغين في الولايات المتحدة يعانون الشعور بالوحدة، وهو ما دفع مكتب الجرّاح العام الأمريكي (Surgeon General) إلى إصدار تحذيرٍ رسمي بشأن الاتصال الاجتماعي في عام 2023. الأخطر أن قلّة الروابط الاجتماعية، بحسب الأبحاث المتداولة في هذا المجال، تؤثّر على الصحة بما يقارب تأثير تدخين 15 سيجارة يومياً مقارنةٌ تكفي وحدها لتحويل "الصداقة" من رفاهيةٍ عابرة إلى موضوعٍ صحي جدير بالمتابعة.

كيف بدأت الحكاية؟

تعود جذور اهتمام الباحثة Jaimie Krems، مديرة مركز أبحاث الصداقة في UCLA، بهذا الموضوع إلى واقعةٍ شخصية عام 2008، حين كانت في مطلع عشرينياتها. عثرت Krems على رسائل Gchat جارحة تبادلها أقرب صديقاتها مع زميلتها في السكن، بعد أن استعارت هذه الأخيرة حاسوبها الشخصي وكتبت الرسائل عليه. تقول Krems عن تلك اللحظة: "كنت مُحطَّمة تماماً"، وتضيف: "ومنذ ذلك الحين، أردتُ أن أفهم". تلك التجربة هي ما وجّهت مسارها البحثي بأكمله نحو دراسة صداقة البالغين.

وتلاحظ Krems أن هذا الحقل يظلّ مُهمَّشاً مقارنةً بأبحاث الرومانسية، قائلة إن الأمر "مفهوم"، لكنها تستدرك: " أن الصداقة تؤثّر على عددٍ أكبر من الناس". فتمويل الأبحاث والاهتمام الإعلامي يتّجهان غالباً نحو ديناميكيات الحب أو التمييز والوصم، تاركين صداقة الكبار في الظل رغم انتشارها الأوسع.

ما المكوّنات التي تصنع صداقة؟

تُجمل Krems شروط تكوّن الصداقة في "مكوّنَين" أساسيَّين: التفاعل المتكرر والانجذاب المتبادل. وتوضح: "إذا استطعت تحقيق التفاعل المتكرر، فقد يظهر شخصٌ يحمل انجذاباً متبادلاً"، لكنها تُشدّد: "تحتاج إلى كلا العنصرَين لصنع صداقة". ومن أبسط الطرق العملية لتحقيق التفاعل المتكرر: تكرار التواجد في المكان نفسه مع الأشخاص نفسِهم، مثل الالتزام بروتين أسبوعي لكتابة اليوميات في مقهى معيّن.

هنا تدخل الباحثة Janice McCabe، أستاذة علم الاجتماع في Dartmouth، بمفهومٍ عملي تسمّيه "أسواق الصداقة" وهي "أماكن يكون فيها كثيرٌ من الناس منفتحين على تكوين صداقات". تنصح McCabe بالبحث عن هذه الأسواق كلّما اكتشف الشخص هويةً جديدة يعيشها، بقولها: "إذا كانت هناك هوية جديدة تسعى إلى استكشافها، فابحث عن أماكن يجتمع فيها الناس بانتظام ويحصلون على فرصةٍ للتعارف". من الأمثلة العملية التي تذكرها: نوادي الجري، التي تجمع بين التفاعل المنتظم والحديث المباشر، وصفوف الارتجال (Improv) والفنون التي توفّر فرص تفاعل جاهزة، وجاليات المهاجرين ("foreigners") التي تُعدّ من "أسواق الصداقة الرائعة". وتلخّص McCabe الفكرة بقولها: "الدرس هنا هو أن تلاحظ متى انتقلت إلى هويةٍ جديدة، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً، وأن تبحث عن آخرين يشاركونك تلك الهوية، فقد يكونون هم أيضاً منفتحين على التواصل حول ما يجدون أنفسهم فيه".

هل تُفقدنا التطبيقات فرص الاعتماد على الأصدقاء؟

تلفت Krems إلى ظاهرةٍ حديثة: "لدينا كل هذه التطبيقات على هواتفنا التي تقوم بما كان الأصدقاء يفعلونه سابقاً"، فهي "ستوصّلك إلى المطار، وتجلب لك البقالة حين تكون مريضاً، وربما تُجالس أطفالك وتُركّب تلفازك، أو تساعدك في نقل الأريكة". هذا الاعتماد المتزايد على تطبيقات النقل، جلب البقالة، رعاية الأطفال، تركيب الأجهزة، وحمل الأثاث، يُلغي تدريجياً الحاجة إلى طلب المساعدة من الأصدقاء أنفسهم. وتفسّر Krems سبب هذا الميل بقولها: "لا نريد أن نشعر بأننا عبء"، مع أن طلب خدمةٍ صغيرة من معارفك قد يُعمّق العلاقة فعلاً؛ فمن يقدّم مساعدةً لصديقه يميل إلى الإحساس بمزيدٍ من الحب له. تقول Krems: "ضع نفسك في مكان الآخر. إذا استطعتُ تقديم خدمةٍ لأحد أصدقائي، أشعر كأنني مسؤول مهم. أشعر بشعورٍ رائع. أبقى في نشوةٍ ليوم كامل. تخيّل لو استطعتَ أن تُعطي هذا الشعور لشخصٍ آخر".

أين تنتهي الثقة وتبدأ الهشاشة؟

يشير الإفشاء عن النفس (Self-disclosure) إلى مشاركة تفاصيل شخصية، وهو سلوكٌ يُغذّي نفسه بنفسه، بحسب Alison Nagel، الأستاذة المساعدة في University of Virginia ومديرة مشروع Connection Project المُخصَّص للتصدّي للعزلة بين المراهقين والشباب. تقول Nagel: "هناك أبحاثٌ كثيرة تُظهر أن الإفشاء عن النفس يستدعي إفشاءً مماثلاً من الطرف الآخر"، وأن "من يُظهرون قدراً من الانفتاح على أنفسهم يكونون أكثر محبوبيةً وأكثر ثقةً في نظر الآخرين". ومعيارها العملي لتمييز الهشاشة الحقيقية بسيط: هل يصلح الحديث لمشاركته مع غريبٍ في الحافلة؟ "إن لم يكن الأمر كذلك، فأنت ربما تدخل قليلاً في منطقة الهشاشة"، تقول Nagel، مع تذكيرٍ بأهمية الحدود: "يمكنك أن تكون صادقاً مع نفسك دون أن تطلب أكثر مما تستطيع العلاقة تقديمه في تلك اللحظة"، وتختصر نهجها بعبارة: "التقدّم بهدوءٍ وثبات يبدو نهجاً آمناً جداً".

المكالمة القصيرة أفضل من المكالمة المؤجَّلة

من أبرز النصائح العملية التي تقدّمها Krems: "فقط اتّصل بهم"، بدل انتظار "نافذة زمنية مثالية" مدتها ساعتان للحديث. وتوضح: "خمس دقائق من التواصل الحقيقي أقيَم بكثير من المكالمة التي تنوي دائماً إجراءها ولا تُجريها". وتضرب Nagel مثالاً واقعياً على الروابط الضعيفة (Loose ties) التي تتآكل بصمت: "لنفترض أنك تريد طبخ وجبةٍ خاصة تتذكّر أن عمّتك كانت تُحضّرها لك في طفولتك. هل ستتّصل بعمّتك وتحصل منها على الوصفة، وربما تتحدّثان دقيقة؟ أم ستبحث عنها في Google وتُجرّب ما يظهر؟" هذه "التحوّلات الصغيرة"، كما تسمّيها Nagel، "قد تمنع تعزيزاً عابراً لكنه مهم للروابط الضعيفة".

هل تستحق الصداقة أن تُوصَف كدواء؟

على صعيد الصحة، تربط الأبحاث التي تستشهد بها Krems تحسّن الاتصال الاجتماعي بتحسّن التعامل مع التوتر وتقوية وظائف المناعة، بما يعني الإصابة بالمرض بمعدلٍ أقل؛ تقول Krems: "الأمر مرتبط بتعامل أفضل مع التوتر، ووظائف مناعية أفضل، فتُصاب بالمرض بشكلٍ أقل". كما تُشير دراساتٌ استشهدت بها إلى ارتباط الصداقة بانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنحو الثلث بين كبار السن، وبانخفاض خطر السكتة الدماغية إلى النصف. وهذه علاقاتٌ ارتباطية تستند إلى دراساتٍ رصدية تجمع بين الاتصال الاجتماعي ونتائج صحية، ولا تُثبت بالضرورة علاقةً سببية مباشرة، إذ يبقى من المحتمل أن عوامل أخرى مشتركة تُفسّر جانباً من هذا الارتباط. ومع ذلك، فإن اتساق هذه النتائج عبر دراساتٍ متعددة يجعل الجرّاح العام الأمريكي والباحثين في هذا الحقل، من بينهم Julianne Holt-Lunstad التي تُعدّ من أبرز الباحثين في تأثير العزلة على الصحة، يتعاملون مع فقدان الاتصال الاجتماعي بجدّية تُقارن بعوامل الخطر الصحية التقليدية.

تُلخّص Krems الفكرة بمقارنةٍ لافتة: "لو كانت الصداقة دواءً، لكانت الدواء الأكثر وصفاً في التاريخ". وتضيف، في حديثها عن إمكانية تعلّم هذه المهارات وهو ما تناولته في محاضرة TedX قدّمتها في UCLA في أغسطس الماضي عن سبل الحفاظ على الصداقات أن: "الصداقة، مع أنها تبدو كالسحر، تنطوي على كفاءاتٍ يمكن تعلّمها"، مؤكدة: "لو استطعنا تعليم ذلك، أظنّ أننا سنحلّ وباء الوحدة هذا، الذي هو مشكلة صحية، ومشكلة صحة عامة، ومشكلة مدنية. إنها مشكلة اقتصادية، والجميع غير سعيد".

تبقى هذه النتائج، على أهميتها، وصفاً لارتباطاتٍ إحصائية موثّقة في دراسات رصدية وليست حكماً نهائياً بأن بناء الصداقات يُعالج بمفرده اضطراباتٍ صحية قائمة؛ فمن يعاني عزلةً حادّة أو أعراضاً نفسية وجسدية مرتبطة بها يبقى بحاجةٍ إلى تقييمٍ فردي من طبيبه المعالج. أما بالنسبة إلى بقية القرّاء، فإن الرسالة العملية التي تتردد بين الباحثين واضحة: الصداقة، خلافاً لما يبدو، ليست موهبةً فطرية بقدر ما هي مهارةٌ تُبنى بالتكرار والمبادرة الصغيرة بمكالمةٍ لم تُؤجَّل، أو خدمةٍ لم تُرفَض، أو خطوةٍ نحو "سوق صداقةٍ" جديد.

أخبار ذات صلة

Loading...
حارس أمن كيني يرتدي كمامة وقفازات في مطار جومو كينياتا الدولي وسط إجراءات الفحص الصحي لمواجهة فيروس الإيبولا.

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

فيروس بونديبوغيو يختبر فعالية فحوص الإيبولا في مطارات كينيا وأوغندا، ما يسلط الضوء على تحديات الكشف المبكر وانتقال العدوى عبر الحدود. اكتشف المزيد الآن.
صحة
Loading...
امرأة نائمة على أريكة مغطاة ببطانية وردية تحيط بها ثلاثة أطفال صغار، تعكس تعب الأم المصابة بالتغفيق من النمط الأول.

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

هل يمكن أن تعيش مع مرض نادر مثل التغفيق لعقود دون تشخيص؟ قصة إيمي تكشف معاناة الهلوسات والنعاس المفرط التي شوهت حياتها. اكتشف التفاصيل وكيفية التعرف على هذا المرض النادر الآن!
صحة
Loading...
عائلات تسير بهدوء في شارع بمدينة إيركوتسك بسيبيريا وسط أجواء طبيعية رغم الشائعات حول وفاة تقنية مخبرية بالطاعون.

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون

توفيت داريا شيبيلوفا، التقنية المخبرية في سيبيريا، وسط غموض حول سبب الوفاة الذي لم تؤكده الجهات الصحية الروسية، مما أثار قلق السكان وانتشار شائعات الطاعون. اكتشف تفاصيل القصة كاملة وكن على اطلاع على آخر المستجدات.
صحة
Loading...
بكتيريا يرسينيا بيستيس المسببة للطاعون تحت المجهر، مع خلايا دم حمراء وبيضاء تظهر تفاصيل العدوى المحتملة في معهد إيركوتسك الروسي.

الطاعون الرئوي بالأرقام

وفاة موظفة في معهد إيركوتسك الروسي تثير قلقاً عالمياً بسبب التهاب رئوي غامض مرتبط بالطاعون. منظمة الصحة العالمية تبحث التفاصيل وتراقب الوضع بدقة. اكتشف المزيد عن هذا اللغز الصحي وتأثيره المحتمل.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية