خَبَرَيْن logo

التحولات في البحر الأحمر وصراع النفوذ بين الحوثيين والسعودية

تقدم الحوثيون نحو مضيق باب المندب يهدد أمن البحر الأحمر وأزمة الطاقة العالمية، ورفض أميركي للتدخل العسكري المباشر يفتح تساؤلات حول مستقبل الصراع ودور الدعم الإيراني في تعزيز قوة الحوثيين خَبَرَيْن

دبابة حوثية متحركة في الصحراء خلال تقدم الحوثيين نحو مضيق باب المندب في البحر الأحمر وسط تصاعد التوترات الإقليمية.
أعضاء قوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية يطلقون نيران دبابة خلال ما وصفوه بأنه اشتباكات مع الحوثيين المدعومين من إيران في موقع قرب الحزم، اليمن، في لقطة شاشة مأخوذة من فيديو وزع في 9 سبتمبر 2026. مركز إعلام القوات المسلحة اليمنية/توزيع/رويترز

يواجه العالم موجة جديدة من التوتر في أحد أكثر الممرّات المائية حساسيةً على وجه الأرض، بعدما تمكّن الحوثيون المدعومون من إيران من السيطرة على جزيرةٍ استراتيجية في البحر الأحمر، والتقدّم نحو مضيق باب المندب، في تطوّرٍ يُنذر بتفاقم أزمة الطاقة العالمية المتصاعدة أصلاً بفعل الحرب الأميركية-الإيرانية. وبينما تتطلّع الرياض إلى دعمٍ عسكري أميركي مباشر لوقف هذا الزحف، يبدو أنّ إدارة ترامب اختارت مساراً مختلفاً تماماً، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة تساؤلاً جوهرياً: هل ما زال بإمكان القوّة العسكرية وحدها حسم معركةٍ استمرّت أكثر من عقد؟

لماذا رفض ترامب طلب الرياض؟

الأسبوع الماضي، تواصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرّتين، طالباً تدخّلاً عسكرياً أميركياً مباشراً ضدّ الحوثيين. غير أنّ ترامب رفض الطلب، فيما أكّد مسؤول أميركي لم يُكشف عن اسمه أنّ الموقف الرسمي يقضي بـ«عدم القيام بضربات هجومية». وفي تصريحاتٍ أدلى بها الرئيس الأميركي في إيرلندا نهاية الأسبوع الماضي، برّر موقفه بالقول: «لقد اتّصل بنا الحوثيون، وهم لا يريدون القتال معنا»، مضيفاً: «إنّهم لا يريدون منّا ملاحقتهم، ويفضّلون كثيراً عدم انخراطنا، وهم يسمحون لمعظم السفن بالمرور». ومضى ترامب في وصف الأزمة بأنّها محصورة إقليمياً، قائلاً: «إنّها دولة واحدة فقط غير راضية عنهم كثيراً... وسنُصلح هذا الأمر».

هذا الموقف الأميركي يقتصر عملياً على تزويد الرياض بمعلومات استخباراتية وبيانات استهداف، من دون أيّ مشاركة قتالية مباشرة. وقد أثار هذا التمايز بين الخطاب والممارسة انتقاداتٍ لاذعة من دوائر دبلوماسية أميركية سابقة. فقد وصفت باربرا ليف، الدبلوماسية الأميركية السابقة، هذا التوجّه بأنّه «صادم»، مضيفةً أنّه «أسلوبٌ قاسٍ جدّاً للتعامل مع علاقتك بشريكٍ مقرّب، أن تبدو وكأنّك تُقدّم اتفاقك مع جماعةٍ صنّفتَها منظمةً إرهابية أجنبية هاجمت ذلك الشريك». وتجدر الإشارة إلى أنّ وزارة الخارجية الأميركية صنّفت الحوثيين رسمياً منظمةً إرهابية أجنبية في مارس 2025.

في المقابل، كشف مسؤول حوثي كبير أنّ الرسالة الأميركية كانت واضحة: «الأميركيون أرسلوا رسالة» مفادها «أنّهم لا يريدون الانضمام إلى السعوديين ليكونوا جزءاً من الصراع»، مضيفاً: «تلقّينا هذه الرسالة بشكلٍ إيجابي». وقد جاء هذا التطوّر عقب لقاءٍ عقدته الولايات المتحدة في عُمان هذا الأسبوع مع الحوثيين، أكّدت خلاله أنّها عزّزت وقف إطلاق النار القائم معهم.

دبابة عسكرية محترقة وسط الصحراء مع مسلحين حوثيين في تقدم نحو مضيق باب المندب في اليمن، يعكس تصاعد النزاع وتأثيره على الأمن الإقليمي.
Loading image...
مقاتلو الحوثي الموالون لإيران يتحركون بجانب مركبة مدمرة عقب ما وصفه مصدر بهجوم على القوات المدعومة من السعودية في 15 سبتمبر. وسائل الإعلام العسكرية الحوثية/صور توضيحية/رويترز

كيف تمكّن الحوثيون من اختراق خطوط الدفاع؟

لم تكن هذه التطوّرات مفاجئة تماماً بالنسبة إلى مصادر إقليمية ودبلوماسيين سابقين، إذ كانت الاستخبارات الأميركية قد حذّرت منذ أشهر من نيّة الحوثيين استهداف ممرٍّ تجاري آخر. ووفق باربرا ليف، فإنّ الحوثيين «أمضوا وقتاً طويلاً في الأشهر الأخيرة يُعِدّون قواتهم لهذا النوع من التحرّك تحديداً». وحين حان وقت التنفيذ، لم تصمد القوات المدعومة من الرياض والحكومة اليمنية طويلاً، إذ قالت ليف إنّهم «اخترقوا القوات المتحالفة مع السعودية والحكومة اليمنية، وهو أمرٌ غير مفاجئ، اخترقوها ببساطة وتفكّكت القوات».

هذا الانهيار الميداني يأتي رغم استثمار الرياض عقداً كاملاً تقريباً في تدريب الجيش اليمني، وتأكيدات سعودية متكرّرة للجانب الأميركي بقدرتها على هزيمة الحوثيين. فمنذ أكثر من عقد، تخوض القوات المدعومة من السعودية مواجهاتٍ متقطّعة مع الحركة، شهدت هدوءاً نسبياً بعد هدنةٍ برعاية الأمم المتحدة عام 2022، قبل أن يستأنف القتال ويتصاعد في الأسابيع الأخيرة. وتتّهم السعودية الحوثيين باستهداف مكة المكرّمة، فيما يقول الحوثيون أنّهم أسقطوا مقاتلة سعودية من طراز إف-15. ورغم أنّ الضربات السعودية المدعومة أميركياً حدّت من سيطرة الحوثيين على بعض المناطق التي استولوا عليها، فإنّها لم تُوقف الزحف بشكلٍ كامل.

ويعزو خبراء نجاحات الحوثيين الميدانية إلى عاملَين متكاملَين: التماسك الداخلي للحركة، والدعم الإيراني الذي حوّلها جذرياً على مدى اثنتي عشرة سنة. وتقول ليف إنّ «الحوثيين يتمتّعون بميزة العلاقة العميقة والمثمرة مع الحرس الثوري الإيراني، الذي دَرَّبهم ورفع مستواهم عدّة درجات، من مقاتلي كهوفٍ بدائيين قبل اثنتي عشرة سنة إلى قوّةٍ يمكن أن تكون مدمّرة فعلاً».

هل هذه جبهة جديدة في حرب إيران الأوسع؟

يرى مسؤولون في الخليج أنّ تقدّم الحوثيين لا يمكن فصله عن الحرب الأميركية-الإيرانية الدائرة، بل يمثّل جبهةً جديدة ضمنها، قد تُطيل أمد الصراع برمّته. وفي هذا السياق، يربط جوي هود، السفير الأميركي السابق، بين عمليات الحوثيين وطهران والحرس الثوري بشكلٍ مباشر، محذّراً: «اندفاع الحوثيين في البحر الأحمر يُجرّئ الحرس الثوري الإيراني. على السعوديين معالجة هذا الأمر، وإلّا فإنّهم يتفاوضون وبندقيةٌ موضوعة على الطاولة، وهذا ما لن يقبلوا به». ويضيف هود أنّ «إيران تخوض معركة وجودية الآن، وتستنفر كلّ وكلائها للقتال. الحوثيون لا يُدارون عن بُعد من إيران، لكنّهم بحاجة إلى الوقود منها. لذا فإنّ تصريحات الحوثيين حول أسباب هذا الهجوم الآن لا تعكس الواقع بشكلٍ كامل».

مخيمات مؤقتة للاجئين على سفوح تلال خضراء في اليمن، تعكس تداعيات النزاع وتصاعد التوتر في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
Loading image...
مشهد لمعسكر مؤقت للمشردين جراء الاشتباكات بين المقاتلين الحوثيين المدعومين من إيران وقوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في محافظة تعز، اليمن، 13 سبتمبر 2026. سترينجر/رويترز

هذا التشابك بين الجبهات انعكس بوضوح على مسار المفاوضات الإقليمية الأخرى. فقد أُلغي أوّل اجتماعٍ بين مجلس التعاون الخليجي وإيران منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، بعدما انسحبت السعودية بسبب مخاوف من اتفاقٍ مقترح بين عُمان وإيران بشأن فتح مضيق هرمز وقضايا خليجية أخرى، ولحقت بها دول خليجية أخرى بتغيّبها عن الاجتماع. وقال مصدرٌ إقليمي: «بسبب هجمات الحوثيين والوضع قرب ممرّ باب المندب، فإنّ ذلك يؤثّر على صفقة مضيق هرمز»، مضيفاً أنّ «السعوديين يطالبون بمقاربةٍ شاملة إمّا كلّ شيء أو لا شيء، وهذا أمرٌ مفهوم، لكنّه يُؤخّر العملية».

ثمن اقتصادي يتّسع

على الصعيد الاقتصادي، بدأت تداعيات هذا التصعيد تظهر بوضوح. ففي الأيام الأخيرة، خفّضت السعودية صادراتها النفطية إلى أوروبا لشهر سبتمبر، في وقتٍ تتعرّض فيه المملكة لضربةٍ استهدفت خط أنابيبها الممتدّ من الشرق إلى الغرب. وتحاول الرياض في الوقت ذاته مساعدة القوات الأميركية على تمكين حركة الناقلات عبر المضيق، والحفاظ على جسرٍ برّي لموارد إقليمية حيوية، في ظلّ ضغوطٍ متعدّدة الجبهات تتجاوز الملفّ اليمني وحده.

هل يمكن حسم هذه المعركة عسكرياً؟

يبقى السؤال الأصعب معلّقاً: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها إنهاء هذا الملف؟ التجربة الأميركية نفسها تقدّم إجابةً غير مشجّعة. فقد تجاهل مسؤولون أميركيون كبار خطر الحوثيين خلال العقد الماضي إلى حدٍّ كبير، قبل أن تشنّ الولايات المتحدة العام الماضي حملة قصفٍ واسعة ضدّهم استمرّت أشهراً من دون أن تُزحزحهم عن مواقعهم في اليمن، لتنتهي تلك الحملة بوقف إطلاق نارٍ مفاجئ.

هذا التاريخ يجعل مصادر خليجية تشكّك في أنّ الحسم العسكري الكامل ممكن أصلاً، إذ يقول مصدرٌ إقليمي: «لقد كانوا يحاولون لسنوات»، مضيفاً أنّ أيّ عملٍ عسكري «سيُضعفهم، نعم، لكنّه لن ينهيهم». ومع ذلك، يحذّر مسؤولٌ خليجي حالي من مغبّة ترك السعودية وحيدة في هذه المواجهة، قائلاً: «لا أحد يريد القتال بمفرده... إمّا أن يقاتل السعوديون أو يعقدوا صفقةً مع الحوثيين». ويذهب مصدرٌ إقليمي آخر إلى أنّ مجرّد احتمال التدخّل الأميركي يجب أن يبقى قائماً كعامل ردع: «على الأقل، احتمالية التدخّل الأميركي يجب أن تبقى مخيّمةً على الجميع لتكون رادعاً؛ إذا أزلتَ ذلك من دون داعٍ فإنّ ذلك يُثبّط الهمم، خصوصاً لدى اليمنيين على الأرض». وفي أوساط المسؤولين الإقليميين، يتردّد سؤالٌ محوري يلخّص حالة الترقّب: «ما الذي ستفعله الولايات المتحدة هنا بحقّ الجحيم؟»

بين تعزيز الدعم الاستخباراتي الأميركي من جهة، وتصاعد النفوذ الإيراني عبر الحرس الثوري من جهةٍ أخرى، تبدو معركة السيطرة على باب المندب أبعد من أن تُحسم في الأمد القريب. فربّما تحمل الأسابيع المقبلة، مع استمرار المشاورات في عُمان ومصير اتفاق مضيق هرمز المعلّق، مؤشّراتٍ أوضح على ما إذا كانت الرياض ستختار مواجهةً برّية موسّعة قد تتطلّب دعماً أميركياً أو أطرافاً خارجية إضافية، أم ستمضي نحو تسويةٍ تفرضها موازين قوى تغيّرت بشكلٍ جذري خلال اثنتي عشرة سنة من التدريب والتسليح الإيراني.

أخبار ذات صلة

Loading...
أشخاص يسبحون في مياه مضيق هرمز مع سفن شحن كبيرة في الخلفية، في ظل توترات الحرب وتأثيرها على أسعار الوقود.

ترامب وإيران: لماذا قد يختاران الانتظار حتى الانتخابات النصفية؟

ارتفاع أسعار الوقود في أيووا وأوهايو يعكس تأثير الحرب في الشرق الأوسط على حياة الأمريكيين. تعرف كيف تؤثر هذه الأزمة على الانتخابات النصفية وفرص الجمهوريين. اكتشف التفاصيل الآن.
Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في تجمع انتخابي بأوكلاهوما، مع تصريحه المثير للجدل حول المنشآت النووية الإيرانية ووصفها بـ«مصانع مخدرات».

ترامب والمصانع الإيرانية: فكّ تشفير ادّعاءات جديدة حول المواقع النووية

تصريحات ترامب عن منشأة فوردو الإيرانية أثارت جدلاً كبيراً بوصفها "مصانع مخدرات نووية" رغم نفي الخبراء. اكتشف التفاصيل الحقيقية وكن على اطلاع بأحدث التطورات في الملف النووي الإيراني. اقرأ المزيد الآن!
Loading...
سفينة شحن تحمل اسم EL GAIA في مضيق هرمز تتصاعد منها أدخنة كثيفة بعد تعرضها لهجوم، في سياق التوترات بين إيران والولايات المتحدة.

تخضع المواقع الأمريكية لاستهداف إيراني أكثر فعالية بفضل معلومات استخباراتية تقدمها مجموعات صينية، وفقاً لمصادر.

تكشف تقارير استخباراتية عن دعم صيني غير معلن لإيران عبر بيانات الأقمار الصناعية، مما رفع دقة الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز. اكتشف التفاصيل وتأثير هذا الدعم على الصراع واشنطن-طهران الآن!
Loading...
مقاتلة أمريكية تقلع ليلاً من حاملة طائرات في ظل توترات الحرب مع إيران وتأثيرها على الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

نقص الصواريخ وأضرار المنشآت الأمريكية: مراقب الدفاع ينشر أول تقييم لحرب إيران

تكشف ضربات إيران خلال 2026 عن خسائر جسيمة في القواعد والسفارات الأمريكية بالشرق الأوسط، مما يعيد تشكيل الوجود العسكري والدبلوماسي. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على مستقبل المنطقة الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية