خَبَرَيْن logo

معركة السيطرة الحقيقية على مضيق هرمز بين واشنطن وطهران

خَبَرَيْن تكشف تفاصيل السيطرة على مضيق هرمز بين واشنطن وطهران وتحليل حركة الملاحة عبر المسارات الإيرانية والعُمانية وسط التوترات والحرب البحرية التي تدفع السفن لإيقاف أنظمة التتبع للحماية.

سفن شحن كبيرة تعبر مضيق هرمز وسط توترات بين إيران والولايات المتحدة حول السيطرة على الممر الملاحي الحيوي.
انتهاء مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لن يغير من المواجهة في مضيق هرمز: تحليل

مضى على الحرب أشهر، والسيطرة على مضيق هرمز لا تزال محلّ جدلٍ حقيقي بين واشنطن وطهران. فقد أصرّ الرئيس الأمريكي Donald Trump على أنّ قواته البحرية تُحكم قبضتها على حركة الملاحة في المضيق، بل ذهب الأسبوع الماضي إلى حدّ الإيحاء بأنّ الولايات المتحدة قد تسعى إلى بسط سيطرتها الكاملة على المنطقة.

وفي الثلاثاء، ادعى Trump أنّ المضيق مفتوحٌ أمام السفن للعبور، في حين تُصرّ إيران على أنّ الممرّ المائي مغلقٌ أمام كلّ سفينةٍ لا تحصل على موافقة طهران قبل المرور، فضلاً عن أنّ الولايات المتحدة ذاتها تفرض حصاراً بحرياً يستهدف السفن المرتبطة بإيران.

في السياق ذاته، هدّد Trump بقصف عُمان، الحليف الأمريكي الذي يقع على الضفّة الأخرى من مضيق هرمز مقابل إيران إذ يمتدّ المضيق بين المياه الإقليمية للبلدَين في ما بدا محاولةً لثني مسقط عن إبرام أيّ اتفاقٍ مع طهران للإدارة المشتركة للمضيق.

فمن يمسك بزمام السيطرة على مضيق هرمز فعلاً في هذه اللحظة؟

وسط التصريحات المتضاربة من الجانبَين، تقدّم البيانات الفعلية لحركة الملاحة عبر الممرّ المائي مفاتيح لا يمكن تجاهلها. فيما يلي قراءةٌ تحليلية في هذه الأرقام.

ما المسارَان الرئيسيّان عبر مضيق هرمز؟

قبل اندلاع الحرب، كان مضيق هرمز يُعامَل عموماً على أنّه ممرٌّ مائيٌّ واحد، دون تمييزٍ بين مسارٍ «إيراني» وآخر «عُماني»، وكانت السفن تدخل وتخرج وفق مخطّطات فصل الحركة المعتمدة دولياً، التي تسلك في معظمها الجزء الأوسط من المضيق. وكانت قرارات الملاحة تُحدَّد بناءً على الموانئ المقصودة وشروط عقود الاستئجار واعتبارات السلامة، لا خشيةً من تبعاتٍ عسكرية.

غير أنّ التوترات التي أفرزتها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أفضت إلى تشقّق المضيق عملياً إلى مسارَين رئيسيَّين: المسار الشمالي الذي تتمسّك به طهران، والذي يحاذي الساحل الإيراني قرب جزيرتَي لارك وقشم، ويصبّ مباشرةً في الموانئ والمحطّات البحرية الإيرانية. والمسار الجنوبي الأقرب إلى عُمان والأبعد عن الشاطئ الإيراني، وهو المسار الذي تتمسّك به واشنطن وتسلكه ناقلات البضائع التجارية تحت الحماية البحرية الأمريكية.

ما المسارات التي تستخدمها ناقلات النفط والغاز؟

تُظهر بيانات شركة الاستخبارات البحرية Kpler أنّ 112 سفينةً تحمل النفط الخام وغاز البترول المسال (LPG) والغاز الطبيعي المسال (LNG) عبرت مضيق هرمز دخولاً إلى الخليج أو خروجاً منه بين 1 و19 أغسطس.

من بين هذه الناقلات، استخدمت 21 سفينةً المسار الإيراني بشكلٍ معلن، في حين لم تستخدم المسار العُماني رسمياً سوى سفينتَين اثنتَين.

أمّا السفن التسع والثمانون المتبقية، التي تمثّل أكثر من 80 بالمئة من إجمالي حركة الناقلات النفطية والغازية خلال هذه الفترة، فقد سلكت مساراتٍ مظلمة أو غير مصنَّفة. ويحدث ذلك حين لا يمكن تتبّع تحرّكات السفينة بشكلٍ كامل أو ربطها بوضوح بمسارٍ معلن، إمّا لأنّها تُوقف جهاز نظام التعرّف التلقائي (AIS) الخاصّ بها، أو لأنّ بيانات هذا النظام لا تنسجم بوضوح مع الممرَّين الإيراني أو العُماني كما يُحدّدهما Kpler.

وقال Mohamed Rafik Halitim، مدير نجاح العملاء لقطاع الملاحة والسلع في Kpler : «في حين يمكن رصد هذه العمليات بمجرّد إعادة ظهور السفن بعد العبور، فإنّ طبيعة التوجيه المظلم تجعل من الصعب للغاية تحديد نسبة تلك التي ربّما استخدمت المسار العُماني أيضاً، أو التحقّق من مساراتها الدقيقة استناداً إلى البيانات المتاحة».

ماذا عن البضائع الأخرى غير النفط والغاز؟

تُشير بيانات Kpler إلى أنّ 236 سفينةً في مجملها عبرت مضيق هرمز بين 1 و19 أغسطس، وتشمل ناقلات البضائع الجافّة والمواد الكيميائية إضافةً إلى ناقلات النفط والغاز.

من هذه السفن، استخدمت 83 سفينةً المسار الإيراني بشكلٍ معلن، وثلاثٌ فقط استخدمت المسار العُماني علناً، واثنتان سلكتا المسار القديم ما قبل الحرب الذي يمرّ بمركز المضيق.

لكنّ الغالبية العظمى، وعددها 148 سفينة، أوقفت أجهزة التتبّع أو سلكت مساراتٍ مجهولة أثناء العبور، أي ما يزيد على ستّة من كلّ عشر سفن مرّت بهرمز خلال هذه الفترة.

وللمقارنة، استخدم 35 بالمئة من السفن المسار الإيراني علناً، في حين لم يستخدم المسار العُماني أو مسار ما قبل الحرب علناً سوى عددٍ ضئيل.

لماذا تُوقف سفنٌ كثيرة أجهزة التتبّع؟

منذ بداية الحرب، لم تكتفِ كلٌّ من إيران والولايات المتحدة بالتهديد، بل قصفتا فعلاً سفناً اتّهمتها كلٌّ منهما بانتهاك مساراتها وقواعد الملاحة في الممرّ المائي. وهذا ما دفع عدداً من السفن إلى إيقاف أجهزة التعرّف التلقائي، للتخلّص من المعرّفات الرقمية التي تستخدمها القوات العسكرية لاستهدافها.

وقال Neil Quilliam، الباحث المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز أبحاث Chatham House البريطاني : «إيقاف أجهزة التتبّع يُقلّص مرئية الموقع الدقيق للسفينة وتحرّكاتها، وإن كان يُثير في الوقت ذاته مخاوف تتعلّق بالسلامة البحرية والشفافية. ويرى بعض المشغّلين أنّ المكاسب التجارية والأمنية تفوق هذه المخاطر في ظلّ الظروف الراهنة».

وفي 8 أغسطس، اتّهمت الإمارات العربية المتحدة إيران بضرب ناقلةٍ تملكها شركة أبوظبي الوطنية للنفط (ADNOC) بصاروخٍ خلال محاولتها العبور عبر المضيق. وأفادت ADNOC في بيانٍ لها بأنّه منذ بداية الحرب، تعرّضت 15 سفينةً من أسطولها لهجماتٍ بصواريخ وطائرات مسيَّرة أثناء عبور المضيق، ما أسفر عن مقتل أحد أفراد الطاقم وإصابة 20 آخرين، دون أن يُحمّل البيان أيّاً من الطرفَين المسؤولية.

وفي الشهر الماضي، أطلقت الولايات المتحدة النار على ناقلة نفطٍ كانت تتجه نحو جزيرة خارك الإيرانية عبر المضيق، وأعلنت أنّها أطلقت صواريخ Hellfire على السفينة بعد أن تجاهلت تحذيراتٍ متكرّرة.

وفي 11 أغسطس، أعلن الجيش الأمريكي أنّ طائرةً مروحيةً تابعة للبحرية أطلقت صاروخَي Hellfire على سفينة الشحن Vela Nova التي ترفع علم بنما، مضيفاً أنّ السفينة كانت تحاول كسر حصاره على الموانئ الإيرانية في بحر عُمان، المتّصل مباشرةً بمضيق هرمز.

وثمّة سببٌ آخر لإيقاف أجهزة التتبّع، يتمثّل في إجراء عمليات نقل البضائع من سفينةٍ إلى أخرى في عرض البحر بعيداً عن أعين المراقبين، وفق ما يقوله خبراء الملاحة.

وقال Marc Ayoub، الباحث والمستشار في سياسات الطاقة، : «استناداً إلى مصادر وبيانات الأسبوعَين الماضيَين، أرسلت بعض دول الخليج، من بينها السعودية والعراق والكويت، شحناتٍ عبر المسار العُماني بعد إيقاف أجهزة تتبّع سفنها وإجراء عمليات نقل بضائع بين السفن».

والآلية تسير على النحو الآتي: سفينةٌ تريد تفادي خطر الصواريخ الإيرانية تسلك المسار العُماني بأجهزة تتبّعٍ مُوقَفة، ثمّ تنقل حمولتها إلى سفينةٍ أخرى خارج المضيق، التي تتولّى بدورها إيصالها إلى وجهتها النهائية، فيما تعود السفينة الأصلية «المظلمة» إلى ميناء انطلاقها دون أن يُرصد مسارها.

وأضاف Ayoub أنّ بعض السفن الإيرانية تسلك هي الأخرى المسار العُماني وكثيراً ما يشمل ذلك عمليات نقل بين السفن للتحايل على العقوبات المفروضة على إيران والحصار الأمريكي. «تُرسل شحنتها إلى عُمان عبر المسار العُماني، ثمّ تُغيّر وثائق تلك الشحنات لتبدو كأنّها صادراتٌ عُمانية، ثمّ تُضخّها في سوق النفط».

من تخشاه السفن أكثر: إيران أم الولايات المتحدة؟

إنّ إقدام غالبية السفن العابرة للمضيق على إيقاف أجهزة التتبّع أو سلوك مساراتٍ مجهولة يجعل من المستحيل في الوقت الراهن معرفة العدد الفعلي لتلك التي تستخدم كلّاً من المسارَين الإيراني والعُماني. وهذا بدوره يجعل الجزم بمن «يسيطر» على المضيق أمراً عسيراً.

بيد أنّ البيانات تكشف أيّ القوّتَين تجرؤ السفن على تحدّيها أكثر، وأيّهما تخشى إغضابها.

على الرغم من الحصار البحري الأمريكي الذي تُسنده أقوى قوةٍ بحرية في العالم، عبر خُمس ناقلات الطاقة مضيق هرمز عبر المسار الإيراني بشكلٍ معلن، متحدّيةً تهديدات Trump. وارتفعت هذه النسبة إلى 35 بالمئة حين تُحتسب ناقلات البضائع والمواد الكيميائية.

في المقابل، لم تستخدم سوى سفينتَين من ناقلات النفط والغاز، وأربع سفن في مجملها، مساراً مغايراً لذلك الذي تفرضه إيران.

الخلاصة: يبدو أنّ الخشية من إغضاب طهران تفوق الخشية من تهديدات Trump.

هل تفقد إيران السيطرة على مضيق هرمز؟

يرى الخبراء أنّ إيران لا تزال تحتفظ بقدرةٍ كبيرة على التحكّم في حركة الملاحة في هذا الممرّ الاستراتيجي.

وقال Ayoub: «إيران لا تفقد السيطرة في ظلّ الوضع الراهن». غير أنّه أضاف أنّ هذا الوضع قد يغدو في نهاية المطاف غير قابلٍ للاستمرار بالنسبة لأسواق النفط العالمية.

وأكّد Quilliam من جهته أنّ «إيران لا تزال تمتلك قدرةً كبيرة على تعطيل حركة الملاحة البحرية وتهديد الشحن في مضيق هرمز»، مضيفاً: «بيد أنّ التوسّع المتزايد في الترتيبات اللوجستية البديلة وعمليات نقل البضائع بين السفن وتعزيز تدابير الأمن البحري الإقليمي يُشير إلى أنّ قدرة إيران على ممارسة الضغط عبر المضيق ليست مطلقة».

لماذا يحتلّ مضيق هرمز هذه الأهمية في الحرب على إيران؟

مضيق هرمز ممرٌّ مائيٌّ بالغ الأهمية الاستراتيجية، إذ كان يمرّ عبره خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل أن تبدأ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير. وكانت نحو 130 سفينةً تعبر المضيق يومياً، مقارنةً بـ 236 سفينةً في مجملها خلال 19 يوماً في أغسطس 2026.

أغلقت إيران المضيق في مطلع مارس، مسمحةً لعددٍ محدود من السفن التي تعتبرها «صديقة» بالمرور، حتى وقّعت مذكّرة التفاهم (MoU) مع الولايات المتحدة في 17 يونيو. ومنذ ذلك الحين، بات ملفّ المضيق القضية المحورية التي تُعرقل مفاوضات التوصّل إلى خطّة سلامٍ دائمة لإنهاء الحرب.

في المقابل، أرست الولايات المتحدة حصارها الخاصّ على الموانئ الإيرانية في المضيق وما حوله. وفي الأسبوع الماضي، أطلقت النار على سفينة شحنٍ ترفع علم بنما، اتّهمتها بمحاولة الوصول إلى الموانئ الإيرانية ورفض تغيير مسارها رغم الأوامر الصادرة إليها.

وقد أشعل هذا الوضع أزمةً في إمدادات الطاقة العالمية، وأدّى إلى ارتفاعٍ حادّ في أسعار النفط. فقد كان سعر النفط الخام برنت، المعيار العالمي، يُحلّق عند نحو 66 دولاراً للبرميل قُبيل اندلاع النزاع في الشرق الأوسط، ثمّ تجاوز حاجز 100 دولار في مناسباتٍ عدّة خلال الحرب، كان آخرها في 23 يوليو، فيما بلغ في مارس ذروةً عند 119 دولاراً.

وقد تراجع سعر برنت بصورةٍ ملحوظة بعد اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران في أبريل، ثمّ عقب توقيع مذكّرة التفاهم في يونيو. لكنّ التوترات المتجدّدة أعادت الأسعار إلى الارتفاع، إذ بلغ سعر برنت 92.9 دولاراً للبرميل صباح الخميس.

وختم Quilliam بقوله: «إذا بدا أنّ نفوذ طهران على تدفّقات الشحن آخذٌ في التراجع، فإنّ ذلك قد يُضعف أحد أوراق الضغط التقليدية التي تمتلكها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة».

أخبار ذات صلة

Loading...
أشخاص يسبحون في مياه مضيق هرمز مع سفن شحن كبيرة في الخلفية، في ظل توترات الحرب وتأثيرها على أسعار الوقود.

ترامب وإيران: لماذا قد يختاران الانتظار حتى الانتخابات النصفية؟

ارتفاع أسعار الوقود في أيووا وأوهايو يعكس تأثير الحرب في الشرق الأوسط على حياة الأمريكيين. تعرف كيف تؤثر هذه الأزمة على الانتخابات النصفية وفرص الجمهوريين. اكتشف التفاصيل الآن.
Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في تجمع انتخابي بأوكلاهوما، مع تصريحه المثير للجدل حول المنشآت النووية الإيرانية ووصفها بـ«مصانع مخدرات».

ترامب والمصانع الإيرانية: فكّ تشفير ادّعاءات جديدة حول المواقع النووية

تصريحات ترامب عن منشأة فوردو الإيرانية أثارت جدلاً كبيراً بوصفها "مصانع مخدرات نووية" رغم نفي الخبراء. اكتشف التفاصيل الحقيقية وكن على اطلاع بأحدث التطورات في الملف النووي الإيراني. اقرأ المزيد الآن!
Loading...
سفينة شحن تحمل اسم EL GAIA في مضيق هرمز تتصاعد منها أدخنة كثيفة بعد تعرضها لهجوم، في سياق التوترات بين إيران والولايات المتحدة.

تخضع المواقع الأمريكية لاستهداف إيراني أكثر فعالية بفضل معلومات استخباراتية تقدمها مجموعات صينية، وفقاً لمصادر.

تكشف تقارير استخباراتية عن دعم صيني غير معلن لإيران عبر بيانات الأقمار الصناعية، مما رفع دقة الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز. اكتشف التفاصيل وتأثير هذا الدعم على الصراع واشنطن-طهران الآن!
Loading...
دبابة حوثية متحركة في الصحراء خلال تقدم الحوثيين نحو مضيق باب المندب في البحر الأحمر وسط تصاعد التوترات الإقليمية.

تصعيد الحوثيين يعمّق الأزمة و واشنطن تتحفّظ على التدخّل

تتصاعد التوترات في البحر الأحمر مع سيطرة الحوثيين المدعومين إيرانياً على جزيرة استراتيجية، مما يهدد مضيق باب المندب وأمن الطاقة العالمي. اكتشف المزيد عن تداعيات هذا الصراع المعقد الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية