حمل الحزن وارفعه لتجد قوتك وسط الألم
في جلسات رفع الأثقال التي تجمع الحزن باللياقة، يجد المشاركون مساحة آمنة للتعبير عن فقدان أحبائهم وبناء صداقات جديدة تدعمهم عاطفياً وجسدياً. اكتشف كيف يتحول الألم إلى قوة ومجتمع متماسك عبر خَبَرَيْن.

حين بدأت المدرّبة Sylvia Borowska جلستها الأخيرة في Liftonic، كان معظم المشاركين الثلاثين يذرفون الدموع قبل أن يرفعوا أيّ ثقل. طلبت منهم أن يحمل كلٌّ منهم أثقل وزنٍ يستطيع رفعه، ثمّ أضافت: تخيّل أنّه يجثم على كتفيك، أو ظهرك، أو صدرك.
قالت Borowska إنّها أخبرت المشاركين: "أدِّ أكبر عددٍ ممكن من تمرين الرفع الميّت (Deadlift) بعدد الأشهر أو السنوات التي مرّت على فقدانك لمن أحببت سواءٌ أكانت أشهراً أم سنوات من الحزن."
أقامت Borowska هذه الجلسة بالتعاون مع مبادرة Grief, Sweat & Tears (GST)، التي تستهدف سكّان نيويورك الذين يمرّون بتجارب الفقد. تأسّست هذه المبادرة في ديسمبر 2025، وتنظّم كلّ شهرٍ جلسات تدريبية مؤقّتة في أرجاء المدينة، وتصف نفسها بأنّها "حيث يلتقي الحزن باللياقة البدنية"، وفق ما أعلنته على Instagram، بتكلفة 30 دولاراً للجلسة.
تُدرّس Borowska تمارين رفع الأثقال منذ خمس سنوات، لكنّ جلسة الحزن هذه كانت المرّة الأولى التي تفتتح فيها حصّةً بالحديث عن فقدانها لوالدتها التي رحلت بسبب مرضٍ رئوي.
نادت Borowska على المشاركين في تلك الليلة: "لنواصل. الحزن ثقيل، لكنّنا أقوى منه فلنُثبت لأنفسنا ولبعضنا كم نحن أقوياء."
ظاهرة الجمع بين العرق والدموع في صالات الرياضة ليست جديدة. جلسات ركوب الدراجات للتفريغ عن الغضب، وتمارين اليوغا لمواجهة القلق، وعشرات المبادرات المماثلة كلّها اكتسبت زخماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، إذ بات كثيرٌ من الناس يختارون فصولهم الرياضية بناءً على مشاعرهم وتجاربهم الشخصية.
غير أنّ السؤال الجوهري يظلّ قائماً: هل تُساعد هذه الفصول فعلاً على معالجة الحزن والغضب وانكسار القلب؟ يقول الدكتور Ryan Martin، عالم النفس والمؤلّف، إنّ الأبحاث المتاحة في هذا الشأن لا تزال شحيحة.
وأضاف Martin: "ليس من غير المألوف أن يسبق الثقافة الشعبية علماءُ النفس في المناصرة لبعض هذه الأساليب."
بناء المجتمع
في خضمّ موجة انتشار نوادي الجري وبطولات الرياضات الجديدة، باتت الأنشطة البدنية فضاءً متزايداً للتواصل الاجتماعي. تُفيد منصّة Meetup بأنّ أكثر من 3 ملايين عضوٍ مسجَّلين في نحو 2,200 مجموعة رياضية حول العالم.
والعلاقات التي تنشأ داخل هذه الفصول العاطفية تمثّل طريقةً إضافية يُكوّن من خلالها البالغون صداقاتٍ جديدة، لكنّ القاسم المشترك من العاطفة يمنح المشاركين فرصة للتواصل على مستوىً أعمق وأكثر خصوصية.
يرى Martin، عميد كلية الفنون والعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة Wisconsin Green Bay، أنّ المجتمع هو من أثمن ما تقدّمه هذه الفصول.
فلمن يبحث عن مجتمعٍ يشاركه الحزن، قد تبدو مجموعات الدعم النفسي التقليدية مرعبةً بعض الشيء. أمّا الانضمام إلى فصلٍ لرفع الأثقال مع المتحزّنين، فقد يكون خطوةً أيسر بكثير.
قال Martin: "هذا النوع من الفصول قد يوفّر مجتمعاً تعرف فيه أنّك تتواصل مع أشخاصٍ يشاركونك تجاربٍ مماثلة، لكنّك لا تتواصل معهم من خلال تلك التجربة وحدها وهو ما قد يكون ثقيلاً جداً."
هذا بالضبط ما دفع Betsy Kaplan، البالغة من العمر 29 عاماً، إلى تأسيس Grief, Sweat & Tears. بعد أن فقدت والدها انتحاراً قبل ثماني سنوات، لم تجد Kaplan "مساحةً للحزن" في نيويورك. أرادت أن تخلق "منطقةً خاليةً من الضغط"، لا يشعر فيها أحدٌ بالالتزام بمشاركة قصّته.
كيف تطلب المساعدة
- إذا كنت أو كان أحد معارفك يعاني أفكاراً انتحارية أو مشكلات في الصحة النفسية، يُرجى الاتصال بخطّ نجدة الأزمات 988 Suicide & Crisis Lifeline عبر الاتصال بالرقم 988 للتواصل مع مستشارٍ متخصّص، أو زيارة الموقع الرسمي لخطّ النجدة.
قالت Kaplan: "نحن هنا لنتمرّن، ولنلتقي بأشخاصٍ يفهموننا ونبني علاقاتٍ جديدة."
في إحدى جلسات GST الأولى، تعرّفت Kaplan على Jake Montiel الذي سرعان ما أصبح أحد أعزّ أصدقائها. فقد Montiel والدته قبل ثلاث سنوات حين كان في الثلاثين من عمره. ومن تقاليد GST الراسخة أن يُعلن كلّ مشاركٍ في مستهلّ الجلسة اسم من فقده. يقول Montiel إنّه كان مرعوباً حين جاهر بحزنه للمرّة الأولى، لكنّه وجد سنداً في الشابّة التي كانت تقف بجانبه وقد فقدت هي الأخرى والدتها.
نشأت بينهما ألفةٌ فورية، وكان التمرين رابطاً إضافياً جمعهما. قال Montiel: "إنّها حقاً مساحةٌ صادقة ومفتوحة وآمنة، تستطيع فيها أن تُفصح عن ما يثقل صدرك بمجرّد النطق بتلك الكلمات القويّة اسم من تحزن عليه."
وفق ما أفادت به Kaplan، شارك في جلسات GST نحو 400 شخصٍ خلال الأشهر الستة الماضية.
تمرينٌ لكلّ مشاعر
في مدينة Westminster بولاية Colorado، احتفلت Elisa Thurston بحفل خطوبتها في E-motion Fitness، وهو فضاءٌ يجمع بين غرفة التفريغ عن الغضب وصالة الرياضة والملاذ الهادئ. يُحطّم المشاركون زجاجاتٍ مليئةً بالطلاء على الجدران، بعد أن يكتبوا عليها مشاعرهم كالغضب أو الخوف، ثمّ يقود المدرّبون جلسةً رياضيةً متكاملة لمدة 45 دقيقة، قبل أن ينتقل الجميع إلى غرفةٍ مخصّصة للتعافي تزيّنها الأعمال الفنية وتملؤها الموسيقى الهادئة.
أرادت Thurston أن تُشرك عائلتها في هذه التجربة وأن يتخلّصوا من توتّر اللحظات الأخيرة قبيل الزفاف، كما قالت. فقد كان هذا المكان ملاذها حين مرّت بتجربة انفصالٍ عاطفي، وحين انتابتها مشاعر عدم الكفاءة، وحين أحسّت بالإحباط من العمل.
قالت Thurston إنّها كانت تحتاج إلى "الجلوس والتأمّل مع مجموعةٍ من الناس أعرف أنّهم يهتمّون بي، والتحدّث معاً، ثمّ التعبير عن ذلك بطريقةٍ ممتعة ومُطهِّرة للنفس. العلاج بالكلام رائعٌ لمناقشة الأمور مع شخصٍ ما، لكنّني أشعر أنّ هذا الفصل الرياضي يُشرك كياني كلّه في التجربة بطريقةٍ مختلفة."
الرياضة ليست حلّاً سحرياً للجميع
كثيراً ما يصف المشاركون شعورهم بـ"التحرّر" من المشاعر السلبية خلال الجلسات الرياضية، لكنّ الدكتور Martin يحذّر من هذه الصياغة. فالمشاعر لا "تختفي" بمجرّد التمرين.
وأوضح قائلاً: "النشاط البدني يُبقي معدّل ضربات القلب مرتفعاً في وقتٍ يكون الهدف فيه عادةً خفضه، كما يُبقي العضلات في حالة توتّرٍ حين يكون الهدف في الغالب تخفيف ذلك التوتّر."
وإن بدا اللجوء إلى الملاكمة أو الجري في أوج الانهيار العاطفي خياراً إيجابياً، فهو ليس مناسباً للجميع، وفق Martin.
حذّر Martin قائلاً: "كن حذراً. النشاط القلبي الوعائي يُحاكي في كثيرٍ من الأحيان أعراض نوبات الهلع (Panic). وبالنسبة لمن هم عُرضةٌ لاضطرابات الهلع أو يجدون صعوبةً في التعامل معها، فإنّ هذه المحاكاة قد تكون خطيرةً في بعض السياقات."
في المقابل، كشفت دراسةٌ صدرت في مارس الماضي أنّ برنامجاً للنشاط البدني امتدّ عشرة أسابيع أفضى إلى "انخفاضاتٍ ملحوظة" في أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والاكتئاب والقلق لدى لاجئين مرّوا بتجارب صادمة بالغة الأثر. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الدراسة رصديّةٌ في طبيعتها، ولا تُثبت علاقةً سببية مباشرة. ولا يزال الباحثون يجهلون التفاصيل الدقيقة المتعلّقة بتأثير التمرين على الأشخاص الذين يمرّون بحالاتٍ عاطفية صعبة.
قال Martin معلّقاً على الدراسة: "ما لا نعرفه بعد هو السبب الدقيق لنجاحها هل كان التمرين في حدّ ذاته، أم الشعور بالأمان والدعم أثناء التمرين، أم التواصل مع الآخرين، أم مزيجاً من كلّ ذلك؟"
وينصح الدكتور Ethan Kross، أستاذ علم النفس والإدارة في جامعة Michigan في Ann Arbor، من يفكّرون في الانضمام إلى هذه الفصول بالتأكّد من إمكانية التوقّف عن التمرين في أيّ وقتٍ يحتاجون إليه، مشجّعاً على "التجريب الذاتي".
كيف نتعامل مع مشاعرنا؟
ما هي أبرز نصيحة يوصي بها Martin؟ ألّا نعتمد على الفصول الرياضية وحدها لمعالجة المشاعر الصعبة. فإن كنت تمرّ بصدمةٍ عميقة أو حزنٍ شديد، فالعمل مع معالجٍ نفسي أو الانضمام إلى جلسات العلاج الجماعي أمرٌ لا غنى عنه، وفق قوله.
وأشار Martin إلى طرقٍ أخرى لمعالجة المشاعر السلبية، من بينها: التحدّث مع الطبيب بشأن الدواء إن اقتضى الأمر، وقضاء الوقت في الطبيعة، وقراءة الكتب المتعلّقة بالحزن والفقد.
أمّا Kross، فيُوصي أوّلاً بإدراك أنّ ثمّة أدواتٍ متعدّدة للتعامل مع التجارب الصعبة. وإن كنت تميل إلى الحديث السلبي مع النفس، فكّر في الطريقة التي ستتحدّث بها مع صديقٍ يمرّ بالوضع ذاته.
ويقترح Kross أيضاً "تبنّي منظورٍ أكثر تحرّراً من الذاتية تجاه ما يحدث أن تصبح مراقباً، ذبابةً على الجدار، تنظر إلى ما يجري من بُعد."
ويرى Kross أنّ البُعد المجتمعي في هذه الفصول لا يعدو كونه "قمّة جبل الجليد". وقد تُسهم هذه الفصول في مساعدة الناس على معالجة مشاعرهم بصورةٍ أعمق، لكنّ بنيتها التدريبية لا تستند إلى قاعدةٍ علمية راسخة حتى الآن. فعلى سبيل المثال، قد يبدو التنفيس عن الغضب فكرةً جيّدة، لكنّه قد يُديم هذا الغضب بدلاً من تبديده، وفق ما خلصت إليه دراسةٌ صدرت عام 2024 عن جامعة Ohio State University.
بيد أنّ المشاركين في جلسة Borowska لم يكونوا في تلك الليلة الجمعة مشغولين بالأدلّة العلمية. تجمّعوا خارج الاستوديو يتبادلون الضحكات حول خططهم لعطلة نهاية الأسبوع، ممزوجةً بدموع الحزن وعرق تمرين الرفع الميّت.
وبعد انتهاء الجلسة، انتقل Montiel وKaplan مع بقيّة المشاركين إلى أحد المقاهي القريبة، حاملَين معهما زخم الجلسة وما نسجاه من روابط.
قالت Kaplan: "أصبح لديّ الآن عددٌ كبير من الأصدقاء الذين يمكنني الاتصال بهم في لحظات الحزن، أو دعوتهم لتناول القهوة. وأرى هذا يحدث مع الآخرين أيضاً. صحيحٌ أنّه من المؤلم أن نكون جميعاً في هذا النادي، لكنّه من الجميل حقّاً أن نعرف أنّ لنا هذه الرفقة.".
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
