الجمهوريون بين الاشتراكية والهوية المحافظة المتغيرة
داخل الحزب الجمهوري أزمة هوية بين مبادئ المحافظة التقليدية وتدخلات حكومية تشبه الاشتراكية. هل هو تحول حقيقي أم براغماتية انتخابية؟ تعرف على التفاصيل في خَبَرَيْن.

حين يُصبح المنتقد اشتراكياً من حيث لا يدري، تتحوّل الأيديولوجيا إلى ديكور، والمبادئ إلى شعارات انتخابية. هذا بالضبط ما يحدث اليوم في قلب الحزب الجمهوري الأمريكي، الذي أقرّ الأسبوع الماضي قراراً رسمياً يُدين الاشتراكية «بجميع أشكالها»، بينما تُروّج إدارة Trump في الوقت ذاته لمقترح يدفع للآباء المقيمين في المنزل نحو 9,000 دولار لكل طفل سنوياً من المال العام.
التناقض ليس هامشياً، وليس مجرد إحراج بروتوكولي. إنّه يكشف عن أزمة هوية حقيقية داخل اليمين الأمريكي، أزمة تتقاطع فيها الأيديولوجيا مع الحسابات الانتخابية، وتتصادم فيها المبادئ التاريخية للحزب مع مزاج قاعدته الشعبية الجديدة.
اشتراكية بتوقيع Vance
المقترح الذي يتبنّاه نائب الرئيس JD Vance يقضي بتحويل أموال من برنامج دعم الآباء العاملين نحو دعم الآباء الذين يختارون البقاء في المنزل لتربية أطفالهم. الفكرة في جوهرها تعني أن تتدخّل الحكومة لتُرجّح كفّة خيار اجتماعي بعينه على حساب خيار آخر، وهو تعريف لا يبتعد كثيراً عمّا يُسمّيه الجمهوريون أنفسهم «هندسة اجتماعية».
المفارقة أنّ ردود الفعل الأشدّ حدّةً لم تصدر عن الديمقراطيين، بل عن داخل البيت الجمهوري نفسه. فقد كتب مقدّم البرامج في Fox News، Lawrence Jones: «أرى ما يفعله الرئيس، لكنّني أعتقد أنّها فكرة سيئة للغاية. إنّها اشتراكية». وسارع الكاتب المحافظ في Washington Post، Marc Thiessen، إلى التعليق بكلمة موافقة. أمّا Marc Short، المستشار السابق لنائب الرئيس Mike Pence، فقد كتب بمرارة: «ليتنا قدّمنا بديلاً حقيقياً للاشتراكيين الديمقراطيين، لا صدىً لهم».
والأكثر حدّةً كانت Dana Loesch، المعلّقة المحافظة، التي وصفت المقترح صراحةً بأنّه «رعاية اجتماعية. لقد جرّبنا هذا البرنامج الاشتراكي مراراً وفشل فشلاً ذريعاً، وقد فشل أيضاً حين جرّبه Viktor Orbán في المجر». وهذه الإشارة إلى Orbán ليست عابرة؛ فرئيس الوزراء المجري السابق طبّق سياسة دعم مماثلة للأسر، فلم تُحقّق النتائج المرجوّة ديموغرافياً، وكان لإخفاقها الاقتصادي دور في خسارته الانتخابية الأخيرة.
نمط أم استثناء؟
ولكن هل هذا المقترح استثناء معزول، أم أنّه حلقة في سلسلة أطول؟ النظر في سجلّ إدارة Trump يُجيب بوضوح. فالإدارة تمتلك حصصاً في 30 شركة خاصة، من بينها Intel وNvidia وNippon Steel. وقد درس Trump تأميم Spirit Airlines. وفي ولايته الأولى أنقذ المزارعين بدعم حكومي مباشر، وكرّر ذلك في ولايته الثانية بمدفوعات انتقالية. وسعى إلى فرض سقف لأسعار الأدوية الموصوفة. واقترح «Trump Accounts»، وهي حسابات ادخارية للأطفال تُموّلها الحكومة بـ 1,000 دولار لكلّ طفل. وتحرّك نحو تحديد سقف لفوائد بطاقات الائتمان، وهو إجراء أثنى عليه السيناتور Bernie Sanders علناً. وطالب شركات النفط بخفض الأسعار وزيادة إنتاج الديزل خلال الأزمة مع إيران.
هذا النمط من التدخّل الحكومي لا يُشبه محافظية Reagan ولا ليبرالية السوق التي طالما رفعها الجمهوريون شعاراً. والأمر لا يقتصر على التناقض النظري؛ فرئيس لجنة إدارة مجلس النواب Bryan Steil أقرّ صراحةً حين سُئل عن الحصص الحكومية في الشركات: «نعم، هذا شكل من أشكال الاشتراكية»، قبل أن يتردّد ويتراجع حين تعلّق الأمر بـ Trump تحديداً.
إعادة تعريف المحافظة أم تفريغها؟
هنا تكمن الفرضيّة الأعمق التي تستحق الاختبار: هل ما نشهده هو إعادة تعريف أيديولوجية حقيقية للمحافظة الأمريكية، أم هو مجرّد براغماتية انتهازية تلبس ثوب المبدأ؟
يُقدّم Kevin Roberts، رئيس مؤسسة Heritage Foundation وهي المرجع الأيديولوجي للمحافظين الأمريكيين تاريخياً قراءةً تبريرية لافتة حين يكتب: «دولة الرعاية قائمة بالفعل. والدعم موجود بالفعل. والمحافظون لا يملكون الأصوات الكافية لإلغاء أيٍّ منهما. وحتى يتغيّر ذلك، ينبغي أن يذهب المال العام لمكافأة تكوين الأسرة، لا لدعم تفكّكها. هذا هو الخيار المحافظ». وفي السياق ذاته، يُلاحظ المعلّق Michael Knowles بواقعية مُجرّدة: «لا أحد يتظاهر حتى بأنّ إلغاء دولة الرعاية ممكن».
في المقابل، يُصرّ السيناتور Eric Schmitt على أنّ المسألة مبدئية: «المبدأ بسيط: لا ينبغي للحكومة أن تُرجّح الكفّة ضدّ الآباء الذين يُربّون أطفالهم بأنفسهم». أمّا النائب Chip Roy فيرى أنّ على الحكومة ببساطة أن تبتعد عن الموضوع كلياً.
Meghan McCain لخّصت الحيرة الجمهورية بعبارة تحمل نبرة الحنين: «أتذكر حين كان الجمهوريون يعارضون برامج الإعانات الحكومية».
ما يستحق التأمّل الحقيقي هو ما تكشفه هذه الأزمة الداخلية عن طبيعة الأحزاب السياسية الكبرى في لحظات التحوّل. فالحزب الجمهوري يُقرّ قرارات تُدين الاشتراكية ويُطلق حملات انتخابية على وقع هذا الشعار، بينما يتبنّى في الممارسة سياسات تدخّلية تتعارض مع جوهر خطابه. والسؤال الذي سيُحدّد مسار انتخابات 2026 الأمريكية ليس: هل هذه السياسات اشتراكية أم لا؟ بل: هل يهتمّ الناخب الجمهوري بهذا التعريف أصلاً، أم أنّ التحوّل في القاعدة الاجتماعية للحزب قد جعل الاتساق الأيديولوجي ترفاً لا يتحمّله أحد؟
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
